المرجعية الشيعية في العراق بين احتلالين --- كتـــــب خاصـــــة --- موسوعة الرشيد
كتـــــب خاصـــــة
المرجعية الشيعية في العراق بين احتلالين
اضيف بتأريخ : 09/ 03/ 2008

.الفائز الأول بمسابقة موسوعة الرشيد البحثية

مقدمة
الفصل الأول: دراسة في المفهوم والنشأة
المبحث الأول: مفهوم المرجعية
المبحث الثاني: نشأة المرجعية في الفكر الشيعي
الفصل الثاني: المرجعية والسياسة ودورها في إطار الواقع(نموذج العراق)
المبحث الأول: تطور مفهوم المرجعية في الفكر الشيعي من القيادة الدينية إلى القيادة السياسية
المبحث الثاني: المرجعية الدينية في العراق أدوار ومواقف
الفصل الثالث: العوامل المؤثرة على المرجعية
المبحث الأول: الدور الإيراني
المبحث الثاني: العلاقة بين المرجعية والحزبية
الفصل الرابع: مستقبل المرجعية في العراق
خلاصات واستنتاجات

المقدمة

إن البحث في المؤسسة الدينية الشيعية في العراق تعتبر مسألة شائكة ومعقدة ووجه التعقيد هنا: أن هذه المؤسسة لم تؤسس دورها ضمن إطار منهج فكري متكامل كما أن لهذا الموضوع أهميته القصوى كونه يرتبط بالواقع العراقي وما يموج من متغيرات وتفاعلات وآثار عديدة في ظل الطبيعة المتعددة التي يتسم بها الجسد العراقي.

إن الأثر الديني يتوضح الآن بشكل أكبر وجلي والظروف الحالية في العراق تحفز هذا الدور وتدعمه وكأنها استدراك أو استدعاء للمؤسسة الدينية للمشاركة بقوة وفاعلية في إطار الفعل السياسي وتأطير خطاب يستند إلى تلك المؤسسة التي بدورها تضفي عليه الشرعية.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها: "أن المرجعية الشيعية تعتبر اليوم أحد القوى الفاعلة في صياغة الواقع العراقي ومستقبله، وإنها في أداء هذا الدور ستتأثر بعوامل داخلية وخارجية وإن منهج هو الذي يحكم السياسة".

إن شمولية الموضوع واتساعه فرضت علينا استخدام المنهج التاريخي والمنهج التحليلي، ولا شك أن الفرضية التي انطلق منها الموضوع قد استوجبت تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول.

حيث اختص الفصل الأول والذي اعتبر مدخلاً تاريخياً لدراسة مفهوم المرجعية في الوعي التاريخي الشيعي وهو ما تكفل به المبحث الأول، أما نشأة المفهوم فقد اختص به المبحث الثاني إذ تابع تطور المفهوم عبر التاريخ الشيعي.

أما الفصل الثاني فقد ركزنا البحث فيه على التبدل الذي أصاب المفهوم والمنحى الذي أخذه ونقله من الإطار الديني إلى المدار السياسي لينتهي إلى بناء نموذج سياسي ديني أو أطروحه ولاية الفقيه.

وأما المبحث الثاني فقد تناولت فيه تجربة هذه المؤسسة في الواقع العراقي وعبر مراحل تاريخية متلاحقة تنتهي بسقوط النظام العراقي السابق في 9/4/2003.

وأما المؤثرات على المرجعية فقد اختص به الفصل الثالث وعبر تحديد متغيرين اثنين: الأول الدور الإيراني وهو ما تجسد في المبحث الأول بينما تم بحث العلاقة بين المرجعية والحزبية في المبحث الثاني.

وختاماً جاء الفصل الرابع والأخير ليحاول البحث في مستقبل هذه المؤسسة ودورها في الواقع العراقي وعبر معالجة تدور حول أهم السيناريوهات المتوقعة لأدوار هذه المؤسسة في العراق.

إن قلة المصادر المكتوبة والوثائق مثلت عقبة أساسية أمام كل من يحاول أن يبحث في هذا الجانب، فالحقيقة تبقى أن هذه المؤسسة أي المرجعية بقيت بعيدة عن مدار التحليل والدراسة وبقي إطار العصمة الذي تتمتع به من قبل أنصارها حاجزاً يحول دون إدراك طبيعتها ودورها وإمكانية تطويرها وعلى هذا فإن البحث في المرجعية هو البحث في إطار الممتنع الشيعي. فهذه المؤسسة تبقى مقدسة لدى مقلديها ولا يمكن القبول من قبلهم بأدنى النقود الموجهة إليها وهذه الدراسة هي دراسة نتمنى أن تلحقها دراسات تمنح هذا الموضوع كفايته من البحث والتحليل والرصد العلمي ومن الله تعالى نستمد العون والسداد.

الفصل الأول : المرجعية في المفهوم والنشأة

المبحث الأول: مفهوم المرجعية

تمثل المرجعية الدينية المحور الذي تدور فيه حركة الشيعة سواء من الناحية الفقهية او الفكرية أو السياسية، ولذا فإن محاولة رصد الدور الذي تقوم به المرجعية فلا بد ابتداءً من محاولة معرفة جذور المفهوم وأصوله انطلاقاً من أن معرفة المفهوم هو جزء أساسي من محاولة رصد دوره وتقييم فعله التاريخي.

المرجعية: يستمد هذا المفهوم أصوله وجذوره من المرجع أو الفقيه وهو كل من زاول النظر في الأدلة واستفرغ وسعه في الاجتهاد فيها، متى حصلت له ملكة وقوة يقدر بها على استنباط الحكم الشرعي من تلك الأدلة(1) وبعبارة أخرى أن الفقيه هو كل من امتلك الكفاءة والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية وكان قادراً على تحديدها ووصفها للعوام وهو العالم بالفقه الإسلامي عن اجتهاد لا عن تقليد(2).

ويستمد المرجع سلطته من فكرة التقليد التي برزت في الفكر الشيعي والتي أقرت واعتبرت التقليد واجباً شرعياً على كل شيعي إمامي يلزم به في دينه ودنياه، وكصورة من صور الأصول الشرعية(3).فكل مكلف لم يبلغ درجة الاجتهاد ملزماً بأن يكون في عباراته ومعاملاته وسائر أفعاله وتروكه مقلداً أو محتاطاً(4).

وذلك يشبع من رؤية الفكر الشيعي الذي يعتبر الاجتهاد مصدراً من مصادر التشريع من ناحية ومن ناحية ثانية الاعتقاد يتجدد الفتوى وجعل باب الاجتهاد متاحاً في كل عصر وزمان باعتبار الاجتهاد أداة كل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والفقهية وبالشكل الذ يعزز من الضرورة الشرعية والدينية للفقيه(5)ومع الإقرار يدور الاجتهاد وما يتفرع عنه من التقليد بيد ان ذلك قد حدد في الظني الدلالة دون القطعيات ما دامت ثابتة في الشرع ولا تحتاج إلى اجتهاد. ولقد خفر هذا الدور الذي يقوم به المرجع باعتباره المفسر لأحكام الشريعة وقواعدها وصاحب السلطة العليا، أهمية كبيرة في مضمون الفكر الشيعي وعلى النحو الذي دفع نحو تحديد سمات المرج وشرائطه التي يجب أن تتوافر فيه الأهلية الكافية لتولي هذاالمنصب وعلى الرغم من اختلاف الباحثين حول طبيعة هذه السمات بيد أن اغلبهم قيدها بالشروط التالية:

(1) البروز الشخصي وامتلاك العمق الفقهي والمعرفي.

(2) امتلاك الجدارة والكفاءة.

(3) الالتزام بأحكام الشريعة وآدابها.

(4) الاستعداد لحماية مصالح الأمة والدفاع عنها.

وإلى جانب المؤهلات الشخصية لا بد من توافر المؤهلات الأخرى وهي:

(1) بلوغ مرتبة الاجتهاد أي بلوغ درجة استنباط الأحكام الفقهية(الفتاوى الشرعية(*)على انه لن يكون مرجعاً مالم يطرح رسالته الفقهية(العملية)التي تمثل منهاج الفرد الشيعي وتتعلق بجميع المسائل التي ترد على الفرد وبدون ذلك يكون مجتهداً فحسب كما أن رجوعه إلى آراء الفقهاء الآخرين في بعض المسائل التي استشكلت عليه ستجعله محتاطاً(**)

(2) اتساع دائرة مقلديه بشكل عام وتثبيت قواعده بسلوكه وعلمه بين جماهير الشيعة.

(3) البقاء على قيد الحياة ذلك أنه يحدث انه بعد وفاة أي من المراجع أن يتحول مقلدوه إلى غيره من المراجع الذين هم على قيد الحياة.

(4) بلوغ المرجع رئاسة الحوزة العلمية يكفل له أن يكون المرجع الأعلى للطائفة في البلد.

وبقدر تعلق الأمر بالشروط المذكورة حول صفات المرجع فلا بد من الإشارة إلى النقاط التالية:

(1) وصول الفقيه إلى مرتبة المرجع، يعني انتقاله من مرتبة إلى أخرى في سلم الحوزة العلمية، فبعد دراسته في الحوزة العلمية لمراحلها الثلاث بلغ الفقيه هذه المرتبة.

(2) رغم التأكيد على ضرورة توافر السمات التالية فيمن يتولى مقام المرجعية فإن تعيين المرجع لهذا الدور يقترن باتساع دائرة مقلديه وتعدد وكلائه على النحو الذي يجعل العامة تقتدي به وبفتاويه وهو الأمر الذي يضعف من شرط الأعلمية والفقاهة.

(3) إن بلوغ الفقيه هذه المرتبة لا يلغي وجود مراجع آخرين إلى جانبه وإن لم يبلغوا مصاف المرجعية أو قيادتها.

(4) الدعوة إلى تقليد المرجع أو الفقيه سيكون خاضعاً لظروف خاصة تعتمد بشكل كبير على الإمكانات المالية والإعلامية وتعدد الوكلاء وتزايد المدارس التابعة له والتي تقوم بالترويج لمرجعيته وفقاهته، وهذا الأمر يجعل المرجع الديني أقرب إلى الشخص المعين منه إلى الترشيح.

(5) اختلفت الرؤى وتعددت حول الدور الأساس الذي يؤديه المرجع في حياة الأمة ووفق صياغة الرؤية الشيعية فهو يمثل أعلى مقام روحي وزمني، فهناك من حدد صلاحيات المرجع الديني الأعلى وأنها دون صلاحيات الرسول والإمام المعصوم فيما ذهب البعض الآخر إلى أنها الصلاحيات نفسها فيما يتعلق بضمان تطبيق الشريعة مع اتفاق الجميع انه لا ولاية لأحد حتى ولو كان ذلك الشخص فقيهاً جامعاً للشروط، ومع هذا الاختلاف فغنه يمكن تحديد مهامه الأساسية فيما يلي:

(1) استنباط الحكم الشرعي وهي المهمة الأساسية للمرجعية ويدعم ذلك بالتوقيع الذي نسب للإمام المهدي بالإشارة على مصطلح المرجعية بلفظ فأرجعوا بقوله واما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم.

(2) الإفتاء بين الناس لسد احتياجاتهم من الأحكام الشرعية ونشر تعاليم الدين والمعرفة الإسلامية بكافة فروعها وبحسب الشيخ المفيد الذي قال في ذلك(فأما الممتحن بحادث يحتاج إلى علم الحكم فيه وجب عليه أن يرجع في ذلك إلى العلماء من شيعة الإمام(6).

(3) مهمة الفصل بين المتنازعين وقال يجب عليهم رد ما اختلفوا فيه إلى الكتاب والسنة عن رسول الله(صلى الله عليه واله)من جهة خلفائه الراشدين من عترته الطاهرين ويستعينوا في معرفة ذلك بعلماء الشيعة وفقهائهم(7).

(4) أجيز للفقهاء تولي القضاء بالنيابة عن الإمام(وقال فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى وهم أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان وبدون شك فإن إتيان هذه الأدوار المتعددة يفترض الاستعانة بمؤسسات أو إيجادها للقيام بهذه الأدوار وتكون أقرب إلى الجهاز المرجعي الذي يمثل القائمين بالفعاليات والنشاطات الاجتماعية والسياسية المختلفة وفق تعليمات وأوامر المرجع الديني الأعلى الذي يقف على رأس المرجعية إلا أنه قد وجت انتقادات عديدة إلى المرجعية كمؤسسة وكأداء على مر السنين سواء من قبل ناقديها أو أبنائها الذين شعروا بضعف هذه المؤسسة وعدم قدرتها على مجاراة الواقع أو تلبية تطلعات الشارع الشيعي ولعل من أهم هذه الانتقادات:

(1) انكفاء المرجعية عن أداء دورها الميداني والقيادي للجماهير والتلاحم معهم يضعف دور المرجعية ويجعلها منغلقة على نفسها ومن ثم فهي قوة ذاتية محدودة وشواهد التاريخ تؤكد ذلك، فالمرجعية لم تمتلك زمام الفعل في مواجهة الواقع وأغلب أفعالها هي ردود أفعال على هذا الواقع بمعنى آخر هو التخلي عن زمام المبادرة في التغيير ومجابهة الواقع وهو الإطار الذي لم تتجاوزه حتى 9/4 إذ بدأت بعد هذا الوقت تستثمر الواقع السياسي الذي أفرزه الاحتلال لتحاول الانفتاح على الواقع الشيعي وتوحيد الصف الشيعي وبالشكل الذي جعل من الدائرة المحيطة بالمرجع هم الحكام الحقيقيين.

(2) ضعف قدرة المرجعية على التحرك وارتباطها بشخص المرجع وطريقة تفكيره وهو الأمر الذي يخلق دكتاتورية معينة تكون في أحيان كثيرة بعيدة عن الواقع وإدراك احتياجاته.

المبحث الثاني: نشأة المرجعية

اختلفت آراء الباحثين والدارسين حول تاريخ ظهور ونشأة المذهب الشيعي كمذهب ديني وفكري متكامل واختلاف الدارسين حول هذا البروز، فهناك من يذهب بالقول بأن المذهب ظهر بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وسلم)وبروز الخلاف بين أبي بكر وعلي حول مسألة الخلافة بعد حادثة السقيفة واتخاذ الإمام علي موقف المعارضة.

الرأي الذي ذهب إليه إمام الشيعة النوبختي على أن هذا الرأي لا يجد ما يسنده تاريخياً وحتى علمياًَ بدافع أن الإمام علي لم يشكل كخط سياسي مغاير لخط دولة الخلافة كما أن طبيعة علاقته بتلك الدولة بقيت جيدة ولم يحدث ثمة قطيعة بين الطرفين.

والمذهب الثاني يرى بأن المذهب برز بعد وقعة الجمل وهو ما يذهب إليه ابن القيم في كتابه الفهرست.

بينما يرى مذهب أخير بأن استغلال الاصطلاح الدال على التشيع لم يظهر إلا بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كياناً مميزاً له طابع خاص والواقع أن ربط المذهب الشيعي بمعركة الطف لا يمكن القبول به باعتبار أن الانقسام بين الأمة لم يكن واقعاً بشكل كبير ولقد اتفق الإمام وأصحابه والعديد من فقهاء المدينة على موقف الإمام هذا من جهة ومن جهة ثانية أن طبيعة الصراع كانت تعبير عن واقع يشخص وجود طرفين أحدهما يمثل ميراث النبوة والأرض يمثل تلك العقلية القبلية المستأثرة بالحكم والأقرب إلى البحث التاريخي بظهور هذا المفهوم بعد معركة صفين، والصراع بين الإمام علي ومعاوية تلك المعركة التي يمكن أن تمثل مرحلة فاصلة وبداية لآثار امتدت فيما بعد على أن مفهوم التشيع قد عرف مراحل متعددة كالشيعة الأوائل كانوا يفضلون أبي بكر وعمر وقد منع شريك بن عبد الله وهو ممن يوصف بالتشيع، إطلاق اسم التشيع على من يفضل علياً على أبي بكر وعمر وذلك لمخالفته لما تواتر عن علي في ذلك والتشيع يعني المناصرة والمتباعة لا المخالفة والمنابذة كما أن هذا المفهوم قد استخدم في البداية ليشمل طائفة من المحدثين وغير المحدثين من العلماء والأعلام الذين اطلق عليهم لقب الشيعة وبشكل عام فإن التشيع درجات وأطوار ومراحل كما انه فرق وطرائق وإذا ثمة اتفاق حول بروز المذهب على أثر الخلاف والصراع بين السلطة الشرعية والسلطة المنافسة فإن هذا المفهوم ليعمل قصورات وأفكار تخالف مفهوم الأول(8)(*).

وبصدد بروز المذهب وتكامله فقد مر بمراحل عديدة:

(1) مرحلة البحث عن النص وتدوينه وتمثلت هذه المرحلة في الفكر الشيعي في عهد الإمام علي(عليه السلام)سنة 40هـ.

مع عهد الأئمة الممتدون من نسل ابنه الإمام الحسين(عليه السلام)والذين كانوا يبثون أحكام الدين بين شيعتهم استناداً إلى النصوص الدينية الموثوقة والقطعية الدلالة والمتناقلة عبر سلسة تنتهي إلى الرسول(صلى الله عليه وسلم)وبالشكل الذي غلب فيه النص وتجاوز بشكل يغير الاجتهاد وأحكامه الظنية.

(2) مرحلة تأطير المذهب وتمثلت هذه المرحلة بعد حدوث الغيبة الكبرى للإمام الاثني عشري عام 329هـ حيث بدأت هذه المرحلة على يد كل من الكليني صاحب كتاب الكافي والشيخ الصدوق والطوسي وفي هذه المرحلة يكون فيه النص هو الأساس الذي يمدد للفرد سلوكه بما يؤهله للعمل من أجل الالتزام بفحوى النص دون واسطة وهو المهمة التي تبناها فيما بعد الخط الإخباري الرافض لثيابه الفقهية عن الإمام المعصوم ويكون فيها النص هو المرتكز الأساسي للتشريع.

(3) مرحلة التعاطي مع الواقع: وهي المرحلة التي شخصت الحاجة المستمرة إلى الاجتهادات الفقهية والمسائل المستحدثة فلم يعد بالإمكان الركون إلى متون الحديث فقط فلا بد من الانتقال من الأصول إلى الفروع وإخضاع كتلة النصوص الشيعية للمعاير العقلية(9).

وفي هذه المرحلة برز العقل كمصدر من مصادر التشريع خاصة في حالة انعدام النص وعدم توافره وإدراكاً لظروف الواقع القائم وإن لكل زمان حوادثه وأحكامه التي تناسبه وتناسب من يعيشون فيه وكان العقل المصدر الثاني الذي يكفل سد هذه الحالة الدائمة وتبدلت لذلك وظيفة الفقيه التي تجاوزت رواية النص ليغدو مفسراً أيضاً وتالياً صانعاً لنص جديد(10).

هذا التحول قد أفرز مدرستين في الفكر الشيعي فإلى جانب مدرسة النص وهي المدرسة الإخبارية برزت مدرسة جديدة انطلقت من دواعي سد الفراغ ومواجهة الحاجات المستمرة وهي ما يسمى بالمدرسة الأصولية والتي اعتمدت العقل في مقابل النص وفي الحالات التي ينعدم فيها النص سواء أكان من القرآن أم من السنة. لقد اتخذت المدرسة الجديدة العديد من النصوص كمنطلقات فكرية تبرر لها العمل الاجتهادي وتكيف عملها وتضفي على فعلها الديني الإطار الشرعي ولعل من أبرز هذه النصوص هو الحديث الذي يرويه الحر العاملي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه قال إنما علينا أن نلقى عليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا).

والحديث الذي يروى عن الإمام الرضا(عليه السلام)أنه قال علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع والتوقيع الذي يرويه الصادق في إكمال الدين عن الإمام المهدي والذي يقول(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة الحديث)(11) ورغم الاتفاق على أهمية الاتجاه الأصولي ونهوضه في الاجتهاد والتصدي لمواجهة تغيرات الواقع فقد اختلف حول أول من مثل هذا الاتجاه وأبرزه إلى الوجود وأظهر دور الاجتهاد كآلية أساسية لاستنباط الأحكام الشرعية فهناك من يرى بأ أول من مضى في ذلك هو الحسن بنعقيل العماني الذي عاصر الكليني ووصفه عباس القمي بأنه أول من هذب الفقه واستعمل النظر فتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى(12) بيد أن هناك من ذهب إلى أن البداية كانت للشيخ محمد بن أحمد الجنيد الاسكافي المعاصر للكليني والصدوق عندما كتب الفروع الفقهية وعقد لها الأبواب في كتاب تهذيب الشيعة والأحمدي ثم اقتفى سيرته الحسن بن علي المعروف بالعماني ومن ثم كل من الشيخ المفيد والطوسي. وهذا الرأي يعاكسه آخرون يعتقد أن قصب السبق في هذا الميدان ينعقد أي والد الشيخ الصدوق علي بن الحسين بن موسى بن بابويه فألف كتاب الشرائع لولده الصدوق فتبعه ولده الصدوق فألف المقنع والهداية بينما تذهب رواية أخيرة إلى أن الشيخ الطوسي المشهور بشيخ الطائفة هو المؤسس الأوحد لطريقة الاجتهاد المطلق في الفقه وأصلوه وأنه أول من وضع فيصلاً يبين طريقتين في الفقه المنصوص فقه الرواية والفقه المستنبط فقه الدراية.

ومع كل هذا الاختلاف حول تحديد زمن انبعاث الاجتهاد كمسلك استنباطي لاستخراج الأحكام الشرعية على أن الرأي الراجح هو أن الانطلاقة ابتدأت على أثر التطور الحاصل بعد وقوع الغيبة الكبرى وعندما بدأت المجادلات المذهبية بين السنة والشيعة وهي سمة اتخذها الفكر الشيعي فكلما تباعد الفقيه عن زمن صدور النص وامتداد الفاصلة الزمنية بينه وبين عصر الكتاب والسنة وهو الأمر الذي حفز المتكلم الشيعي على الخروج من أسس حرفية الأخبار والروايات وأعمال العقل تسبباً في الموضوعات المستحدثة التي لم يرد فيها نص.

لقد كانوا الأصوليون يدافعون عن مبدأ استخدام العقل في الاجتهاد بينما التزم الأخباريون بالأحاديث المنقولة عن الرسول والأحد عشر إماماً الأوائل وقد تسبب الخلاف القديم ول المفهوم الذي يتبناه الأصوليون من الدور السياسي الملموس للمجتهدين وعلى النمو الذي أدى في النهاية إلى تقوية سلطة المجتهدين على المؤمنين بحيث يكونوا أولياء للإمام الثاني عشر الغائب انطلاقاً من مبدأ التقليد وهكذا أصبح المؤمنون مفروضاً عليهم منذ منتصف القرن التاسع عشر الخضوع سلطة المجتهدين وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى ظهور مؤسسة أخرى غير حكومية يحترمها الناس والتي أتاحت في النهاية لتأسيس سلطة مركزية(13)هي سلطة المرجعية (*)لقد مثل التوجه الذي اتخذته المدرسة الأصولية اختلافاً وتجاوزاً للحدود كما ذهبت إلى ذلك المدرسية الإخبارية التي ذهبت بأ هذه المدرسة قد تجاوزت الحدود التي رسمها الأئمة أنفسهم من حيث كونهم مرشدين روحيين ورساليين وليسوا زعماء سياسيين والإبقاء على الأمر الواقع كما هو دون تغيير بانتظار عودة الإمام الغائب الذي سيعيد الحق إلى نصابه.

وإذا كان الفقه هو كل ما صدر من أحاديث وتعاليم ولغة فليس لأحد أن يعطي لنفسه صلاحيات هي من صميم اختصاص الأئمة المعصومين الأمر الذي اعتبر الاجتهاد نوع من الانتهاك لصلاحيات الأئمة(14).

وبناء على ذلك فإن الإخباريين قد اتخذوا موقف المعارضة من مختلف الخطوات التي تمت في اتجاه إقامة المرجعية وتوسيع اختصاصها فيما يسمى لاحقاً بالولاية.

فمرجع التقليد رمز وفي اعتباره المجتهد الأول يعتبر انتهاكاً لحقوق الأئمة كما وقفوا ضد الخوض في المعترك السياسي بالمعارضة او التمرد أو الثورة ناهيك عن إقامة الدولة(15).

لقد استمر هذا الصراع بين الأصوليين والإخباريين إلى ترجيح المدرسة الأصولية ليغدو التيار الشيعي الفكري الذي سيحتوي فيما بعد الساحة الشيعية وإزاء هذا التفوق بدأت المدرسة الأصولية تؤسس لسلطة الفقهاء عندما بدأت بتحديد السمات والشرائط الواجب توفرها في الفقيه ليحصل على مرتبة الاجتهاد كما تعكس هذا التفوق على وظيفة الفقيه ودوره عندما اعتبر الاجتهاد وممارسة مطلقة له يتدرب من خلالها على إتقان علوم الفقه والإفادة منها في استنباط الأحكام الشرعية وعلى الرغم من ترجيح التيار الأصولي إلا أن المرحلة القادمة لم تخلو من الصراع بين التيارين لعل أشدها في العهد القاجاري الشيخ محمد أمين الاستربادي الذي شن هجوماً ضارياً على الأصوليين متهماً إياهم بمحاربة سنة أهل البيت واقتفاء أثر خصومهم في العمل بطريقة الاجتهاد وعلى أن ذلك مما دعم موقف المدرسة الأصولية ولتظهر العديد من المصنفات لعل من أبرزها بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي.

لقد أبرزت المرحلة التالية انتصار المدرسة الأصولية معلنة نجاح تيار الاجتهاد وعلى النحو الذي أبرز في منتصف القرن السابع عشر المرجعية أو القيادة الدينية إلى الوجود وظهر نتيجة لذلك العديد من الفقهاء الكبار الذين تبنوا الدعوة إلى ضرورة ممارسة دور أكبر في توجيه المجتمع ليس فقط في النواحي العقيدية والثقافية وإنما في النواحي السياسية ليشغل الفقهاء الموقع الخالي في قيادة الطائفة لينجحوا في تصميم نسيج عبقري مكنهم من الحفاظ على مسيرة المذهب وولاء الأتباع وكانت الولاية هي الصيغة التي ابتكرها فقهاء الشيعة لتحل محل الخلافة وكانت المرجعية صيغة موازية لفكرة الحكومة كما كان التقليد تحقيقاً لمعنى الانتماء(16).

وهكذا فقد اتخذت مسيرة الاجتهاد خطاً تاريخياً متعدد لتكلل بالنهاية بظهور المرجعية ولتحوز على القيمة والمتانة التي اكتسبها الفقيه هذه المسيرة التي لم تخلو من صراعات أو نزاعات ولكنها أقرت للتيار الأصولي البقاء وحكمت على التيار الإخباري بالاضمحلال وأيدت دور الفقه حتى يتحول فيما بعد إلى مؤسسة دينية.

الفصل الثاني: المرجعية الدينية في العراق

المبحث الأول: تطور مفهوم المرجعية من القيادة الدينية إلى القيادة السياسية

إذا كان المنظور الشيعي ينطلق في اعتقاده بان الدولة الشيعية لن تكون إلا بظهور المهدي الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً فإن هذا التصور بدون شك سيعتزل الرؤية الشيعية للدولة باعتبارها صيغة أو إطار سياسي غير قابل للقيام أو التأسيس حتى عصر الظهور، وإذا كان الصراع بين الاتجاه الإخباري والأصولي قد انتهى بانتصار التيار الأصولي وغلبة تيار الاجتهاد لمواجهة الحالات المتجددة وبالشكل الذي يعوض فيها العقل في الحالات التي ينعدم فيها النص فإن مسألة الإمامة هي الأخرى مثلت أحد نقاط الاختلاف والتباين بين الطرفين ووجد فقهاء الشيعة بعد عهد الغيبة أنفسهم أمام مسألتين أساسيتين:

الأولي: انتهاء عصر النص مع حلول الغيبة الكبرى.

الثانية: انفصال الحكم من الشريعة أو المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية منذ خروج الحكم عن آل البيت ثم اكتمل الانفصال في غياب آخر أمام الشيعة الاثني عشرية.

وعلى هذا فقد واجه الشيعة والفكر الشيعي مأزقاً كبيراً ألا وهو الحاجة إلى الإمام الذي يشكل محور التفاف الشيعة وتوحدهم فبدون الإمام ليس هناك مبرر للجماعة كما تفقد الأمة قوتها ومصدرها وهي ما يعني تعطيل كل حالات الأمة والجماعة من قبيل الجمعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإمضاء الحدود والاحكام والجهاد وتطبيق الشريعة في مستواها الجمعي والحاجة إلى الإمام سوف يشترك فيها كل من الفكر الشيعي والفكر السني مع الاختلاف في شرائط الإمام وكيفية الاختيار ففي الوقت الذي تكون فيه الإمامة لدى الشيعة مقيدة وموقوفة والهية نصية ستدرك الإمامة لدى السنة أنها ستكون مبنية على الاختيار والبيعة لديهم(17).

وقد بدأ الإدراك الشيعي بمرور الوقت يتزايد وضرورة توافر الإمام أو بشكل أخص القيادة التي ستكون قادرة على توحيدهم وقيادتهم وتحقيق دولتهم وإزاء هذه الضرورة لحياة البشر تجسدت حاجة الشيعة إلى تخريج جديد يوجد هذه الآلية ويمكن لها ويستند إلى دلائل الشرع ونصوصه ولذلك فتك العقل الشيعي عن مقاربة جديدة تكل هذه الوظيفة والمنصب إلى الفقيه الذي ستتبدل نتيجة لذلك طبيعة الدور والوظيفة ويغدو عندئذ أكثر من راوياً لنص وإنما بحسب التبدل الجديد يمسي مفسراً أيضاً وتالياً فيما بعد وصانعاً لنص جديد سيتعامل معه السلف من الفقهاء المتأخرين عنه تعامل النص الديني وسيكون قادراً على استيعاب الإشكاليات القائمة وإيجاد الحلول وطرح التسويات وعلى هذا الأساس.

فيقدر ما مثلت قضية الاجتهاد ومرحلة مهمة وتاريخية في بلورة وتكون الفكر الشيعي بقدر ما مثل المشكل السياسي أهمية أخرى تعكس مرحلة تطور جديدة أصابت الفكر الشيعي وتكونت عبر صيرورته التاريخية وإذا كان الفقيه قد مثل القيادة الدينية فإن هذه القيادة ستتنافى فيما بعد وتتخذ بعداً سياسياً يكفل تولي الفقيه القيادة أو الزعامة السياسية وإذا كان المسلك السياسي قد هاون وتعاطى مع بعض القيادات السياسية على امتداد التاريخ الشيعي فإنه ظل على العموم يستبطن الإمامة مرؤية فاعلة في الحقل التشريعي وكركناً أساسياً من أركان التوحيد ما دامت الدولة القائمة في كل الأحوال محاولة التفافية وغير شرعية لمصادرة الإمامة الإلهية التي اختص الله بها السلالة النبوية من نسل علي وفاطمة(رضي الله عنهما)(18).

إن هذا الدور الجديد قد عبر عن حاجة فقهية وفكرية لمحاولة صياغة أطروحة سياسية تمنح الدور السياسي للفقيه وتسبغ على سلطته الشرعية وتجعله امتداد لخط الإمامة الذي توقف مع وفاة النائب الأخير للإمام المهدي علي بن محمد السمري المتوفى في(960م)والانتقال من الغيبة الصغرى إلى الغيبة التي امتدت 73 عاماً إلى الغيبة الكبرى. إلا أن الحضور الفاعل والتحفيز المؤثر لهذا الدور بدأ كنتيجة لعاملين:

الأول: بروز الدولة الصفوية في إيران عام 1501 وتبنى المذهب الشيعي والسعي الصفوي لتشكيل مؤسسة دينية تكون قادرة على احتواء المذهب وتكون بنفس الوقت مؤسسة بديلة ومقارنة للمؤسسة السنية ولا سيما لمواجهة الدولة العثمانية والتي تتبنى المذهب السني.

على أن تماهي الصفويون في التشيع كان في أجلى مقاصده إيجاد هوية سياسية للدولة وإضفاء مشروعية على السلطان الصفوي ولذلك فإن الأحياء الصفوي للتشيع طال أدوات الإثارة والتعبئة لا أدوات التوعية في المذهب الشيعي الأمر الذي أفقد التشيع صورته الأصلية وأضفى ليه وشاحاً من التعصب والخرافة والغيبوبة من أجل تحصين الدولة وضمان استغلال إيران وتحويلها في مرحلة لاحقة إلى أداة للتوسع وعليه فالتشيع الصفوي كان سياسياً بدرجة أساس(19).

وهذه الصيغة الصفوية للتشيع انعكست فيما بعد على مضمون الفكر الشيعي كما خلقت ردود أفعال عديدة اعتبرت هذه الصيغة الجديدة بأنها مخالفة لمضمون الفكر الشيعي وطارئه عليه.

وجعلته خليطاً من فلسفة النظام الحاكم والروح القومية والتصوف، وإن هذا الخليط الكيمياوي الذي غطى بلواء التشيع واسمه يدفع نحو الانحطاط ويبرره وهو أعدى أعداء التشيع العلوي نفسه(20).

وأما العامل الثاني فتمثل ببروز أطروحة ولاية الفقيه على يد المولى أحمد النراقي(ت1245م)والذي تبعه فيما بعد من المحدثين محمد بن جمال الدين مكي الجزيني(الشهيد الأول)في كتابه اللمعة الدمشقية، لقد ذهب النراقي إلى:

(1) كل ما للنبي والإمام من الولاية للفقيه أيضاً كذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرها.

(2) وإن كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم ودنياهم فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به ضمن أمرين أساسين هما الأمور الحسية والأمور الولائية.

فالأمور الحسبية تشمل(1)الإفتاء (2)القضاء (3)إقامة الحدود والتعزيرات (4)أموال اليتامى (5)أموال السفهاء والمجانين (6)أموال الغيب المسافرين (7)الانكحة (8)ولاية السفهاء والأيتام في إجارتهم (9)استيفاء حقوقهم المالية.

وأما الأمور الولائية فتشمل: (1)التصرف في أموال الإمام (2)جميع ما ثبت مباشرة الإمام له من أمور الرعية (3)كل فعل لا بد من إيقاعه.

وبالشكل الذي يدشن لمرجعية دينية سياسية جديدة تعوض غياب مرجعية الإمام المعصوم وهي الصيغة التي ستشهد تنظيرها السياسي على يد الخميني ومحمد باقر الصدر.

ولقد استعانت هذه الأطروحة ببعض المرويات التي وردت في كتب الأصول لترويج هذه الفكرة وتثبيتها.

(1) قول للإمام المهدي(وأما الحوادث الواقعة فأرجوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).

الصدوق كمال الدين

الطوسي الغيبة

الطبرسي الاحتجاج

(2) قول لأمير المؤمنين علي أنه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم)اللهم ارحم خلفائي، قيل يا رسول ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون بعدي ويرون حديثي وسنتي(الشيخ الصدوق، معاني الإخبار وما لا يحضره الفقيه).

(3) مقولة عمر بن حنظلة عن الإمام العسكري(من كان منكم قد روى حديثنا وننظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا راد على الله وعلى حد الشرك بالله.

(4) رواية عن الإمام الحسين(رضي الله عنه)وفيها بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه.

تحف العقول

لقد استعان الخميني بهذه المرويات للتكلم عن هذه الفكرة وكما ورد ذلك في كتابه كشف الأسرار والحكومة الإسلامية ، لقد أخرج الخميني في روايته هذه الفقيه من دائرة الدين والإفتاء ليكمل إليه دور المشرف والمهيمن والضابط لتدابير السلطة وأجهزتها وتشريعاتها على نحو لا تخل فيه السلطة بالشريعة ولا يكون فيه الفقيه رثيث أو وزيراً أو قائداً عسكرياً وإنما يقصد بحسب تعبيره إشرافه التام والنافذ على القوى التشريعية والتنفيذية للبلاد تحت إطار الدين الإسلامي(21).

كما عبر محمد باقر الصدر من تصور مماثل عندما تصور وظيفة الفقيه:

(1) المحافظة على الشريعة والرسالة والرد على شبهات الكافرين.

(2) أن يكون المرجع في بيان أحكام الإسلام ومفاهيمه مجتهداً وأن يكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية الإسلامية.

(3) أن يكون مشرفاً ورقيباً على الأمة وتفرض عليه هذه الرقابة إعادة الأمور إلى نصابها.

(4) المرجع الشهيد هو معين من قبل الله تعالى بالصفات والخصائص(22).

ورغم أن هذا التصور قد عرف له أنصار داخل الواقع الشيعي إلا أنه من جهة ثانية لم يمنع من ولادة انقسام داخلي رفض هذه الفكرة واستبعدها حيث ذهب البعض من فقهاء الأمامية بأن تأصيل هذه الفكرة يكفل الولاية الإلهية ومن أهم انتقاداتهم:

(1) اعتقاد هؤلاء الفقهاء أن هناك قصوراً في الأدلة على أولوية الفقيه بالناس كما هي ثابتة للأئمة وعليه لا يجوز المساواة بين ولاية المعصوم والفقيه من حيث العموم والشمول.

(2)قد يتدخل الصراع الشخصي بين الفقهاء كسبب في رفض بعضهم لشرعية الحكومة الإسلامية وقد رأوا صعود نجم واحد منهم إلى قيادة الدولة والمجتمع.

(3) يلمح بعض رافضي ولاية الفقيه المطلقة إلى أن قيام حكومة الفقيه قد تتسبب في مصادرة حرية الأشخاص وقيام حكومة مستبدة.

(4) حرص بعض الفقهاء على أن لا يتحمل علماء الدين المجتهدين مشكلات السياسة اليومية.

(5) غموض النظرية وعدم وضوحها لا سيما فيما يتعلق بطبيعة سلطة الفقيه وآلياتها وحدود علاقة الفقيه بالدولة وعلى العموم فإن الفقيه اعتمد في اتساع ولايته أو تضييقها على المصلحة التي لا يقدر على تشخصيها أو إدراك مضمونها وحدودها سوى الفقيه نفسه(23).

لقد بقيت مسألة علاقة الفقيه بالدولة تثير الكثير من الاعتراضات وفي ظل مزيد من السجال بين الدولة والفقيه.

ولد هذا النموذج إشكالية جديدة لدى الفكر الشيعي لم يستطع احتوائها وهي طبيعة العلاقة بين المرجع وبين ولي أمر المسلمين من خلال كون الأولى وظيفة دينية ومن حيث كون الثانية وظيفة السياسة وهو الأمر الذي يفرض محدودات معينة تتعلق بسمات المرجع أولاً وثانياً احتمالات الخطأ الذي ربما يقع فيه الفقيه وهذا الأمر يوضح طبيعة العلاقة بين الفقه والولاية بالمعنى السياسي والسلطاني وبغياب ضمانات حقيقية في هذا المجال تغدو مسألة إعداد المرجع وتأهيله مثيرة للعدد من الإشكالات والالتباسات التي ربما تضعف من النمط السياسي كما تسمح له وفي ظل هذا الغياب إلى تهميش دور الولي لحساب قوى أخرى سواء الفقيه أو رئيس الجمهورية وهذا النمط هو لإبراز في الواقع الإيراني. وبقدر تعلق الأمر بسلطات الفقيه فهناك من ذهب إلى الفصل وعدم المقاربة بين ولاية الفقيه وولاية النبي باعتبار أن الفقيه ليس له ولاية مطلقة في عصر الغيبة كالولاية الثابتة للنبي والأئمة عليهم السلام على أن ذلك لا يمنع من ظهور اتجاه وسطي سلطة الفقيه التشريعية ويمنحه دوراً تنفيذياً أكبر وطبقاً لقاعدة لا ضرر ولا ضرار فالولاية ثابتة له في الأمور العامة لحفظ النظام الاجتماعي وهذا يؤدي إلى نزع شرعية ولاية الفقيه على الناس ويجعله ليس في مصافي النبي والإمام ما دام ليس هناك نص قطعي وصريح على ولاية الفقيه المطلقة وإنما وظيفة الفقيه ترد إلى الميز التنفيذي تأسيساً على الإدراك العقلي لا الفعلي وبكل الأحوال فإن تماهي الفقيه في الولاية أو السلطة سيؤول إلى إيجاد نظام معياري جديد يؤدي إلى شرعنة مصادرة حق تمثيل الناس في النظام العام والمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة والمراقبة الشعبية على الحاكمين وبعبارة أخص هو نبذ ولاية الأمة على نفسها.

إن أطروحة ولاية الفقيه أو المرجع قد اصطدمت بالواقع أولاً والقصور في النظرية ثانياً خاصة فيما يتعلق حول عدم الاتفاق على طبيعة هذه السلطة ومدى صلاحيتها من ناحية ثانية وإذا كان شبه اتفاق على دور الفقيه أو المرجع في قيادة الأمة وسد الفراغ التشريعي وإشباع حاجات الأمة المتجددة فإن الأمر سينعكس فيما بعد ليظهر من جديد علاقة الفقيه بالأمة والدور المنوط للأمة لتمارسه مع الفقيه وهو الأمر الذي سيعود في نهاية المطاف ليحدد علاقة جديدة بين الأمة والفقيه وصورة جديدة من صور العلاقة السياسية وليحيل الفقيه من امتلاك الوصاية على النص إلى إجازة التصور العقلي والتحول من مبدأ الشراكة في السلطة إلى الانفراد بها تأسيساً على فحوى القيادة العامة وبالشكل الذي يجعل سلطة الفقيه بعيدة من الجماعة وعن أية صيغة اختيارية شعبية وبالشكل الذي يجعل من هذه السلطة مسلوبة الشرعية.

المبحث الثاني: المرجعية الدينية في العراق...أدوار ومواقف

لم تكن المرجعية الدينية بعيدة عن متغيرات الواقع العراقي وأحداثه كما أن هذه الأحداث لم تكن بعيدة عن المرجعية وتوليد آثار وضغوط على سلوكها ودورها الديني وعليه فقد تأثرت هذه المؤسسة بهذا الواقع وتعاطت مع الوقائع والأحداث التي مرت به.

ويمكن القول أنه مع بداية القرن العشرين بدأ علماء الشيعة يشعرون مدى حاجتهم إلى العديد من التصورات والأفكار التي تؤمن تعاملهم مع مشاكل العصر التي بدأت تواجه المجتمعات الإسلامية وخاصة دول الجوار وحفزت النقاشات والسجالات حول طبيعة هذه الأحداث والتعامل معها. وعلى هذا فإن تعاطي فقهاء الدين في العراق مع الثورة الدستورية المشروطة في إيران واستثمار أدوارهم الدينية للتأثير على الشاه وإقناعه بتشكيل مجلس للشورى(عبر فتوى المرجع كاظم الخراساني)كل ذلك اعتبره البعض المظهر الأساسي لنشوء الوعي السياسي الشيعي وانعكاس تأثيره علة الواقع العراقي ولا سيما المدن الشيعية وعلى الرغم من حجم التأثير الذي تركته هذه الحركة وما ترتب عليها من استدراج علماء الدين الشيعة في العراق للمشاركة في الأحداث التي جرت في إيران إلا أن ذلك لا يعد كافياً كتحديد لبداية تبلور الوعي السياسي الشيعي. سيما وأن المنطلق الأساسي لبروز هذا لاوعي وتجليه والإسهام التاريخي لرجال الدين فقد تمثل بدخول دول الحلفاء للعراق باعتباره من توابع الدولة العثمانية وقد استنفر هذا الحدث الوعي العراقي ودفع به إلى القيام بأدوار متعددة حينما قام شيعة العراق إلى جانب إخوانهم السنة في التصدي لهذا الاحتلال وقد تجلت أدوارهم بالآتي:

(1) إصدار فتاوى توافقاً مع فتاوى شيخ الإسلام في الدولة العثمانية تدعو للمقاومة والجهاد ومقاومة الاحتلال وتأييد العثمانيين في الحرب.

(2) قيامهم بتعبئة سكان المدينة والعشائر وحثهم على الجهاد ومن ثم تعظم تطوع المجاهدين وقايدتهم إلى الحرب ومشاركتهم العملية في القتال. ودخولهم في معارك عديدة أبرزها معركة الشعبية التي شاركت فيها فصائل من المجاهدين والعلماء فضلاً عن مشاركة وحدات من الجيش العثماني. وعلى الرغم من تمظهر الوحدة والتآزر بين أبناء القبائل العراقية والجيش العثماني إلا أن هذا التوحد لم يستمر طويلاً وانتهى إلى خلاف ما ابتدأ به سيما بعد أن غيرت المراكز الدينية التي اشتركت في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية باسم الجهاد الديني ضد دولة مسيحية فقد اختلف موقفها بعد خسارة الأتراك معركة الشعيبة حتى أن أعمال عنف قامت ضد الأتراك في النجف في نسيان 1915 وحذت كربلاء حذو النجف في حزيران 1915 وطردت الموظفين الأتراك منها(24).

على أن انفراط عقد الوحدة بين الدولة العثمانية وبين العشائر الشيعية جدد من جديد ذلك الأثر التاريخي الراكد في الوعي الشيعي من خلال طبيعة ونمط العلاقة ع الدولة العثمانية وهو نمط حددته بشكل طبيعة العلاقة مع الدولة الصفوية ومن ثم فإن هذا التآزر والتوحد لم يستمر طويلاً ليبرز من جديد مظهر الخلاف الطائفي. لقد مثل اندحار العثمانيين في العراق ودخول قوات الحلفاء تجدد للمشروع الشيعي بقصد استثمار هذه المرحلة وبناء دولة مستقلة وعلى هذا فقد كان الوعي الشيعي حاضراً في صناعة الواقع العراقي وصياغة مستقلة حتى تجلى بظهور العديد من الندوات التي أخذت على عاتقها تنمية الوعي الشيعي وإعداد المطالب الشيعية بقصد تنفيذها ومن أبرز هذه الندوات ندوة الشيخ جواد الجزائري ومحمد عبد الكريم الجزائري وندوة آل شبيب ويديرها الشيخان محمد رضا ومحمد باقي الشبيبي(25)والتي أثمرت فيما بعد عن نتيجتين أساسيتين:

(1) تأسيس جمعية إسلامية سرية باسم جمعية النهضة الإسلامية وذلك في تشرين الثاني 1917.

(2) قدوم الشيخ محمد تقي الشيرازي من سامراء إلى النجف بهدف الإعداد لزعامة الشيخ الشيرازي بعد أن تبين أن موقف المرجع الأعلى السيد كاظم اليزيدي غير مؤيد للسياسة والعمل السياسي وقد أخذت هذه الجمعية على عاتقها القيام بدور دعوي وتحريضي ضد الاحتلال على أنه سرعان ما دبت الفرقة بين أعضاء الجمعية بين تبارين أساسين الأول: كان يحبذ انتظار انسحاب العثمانيين بهدف الإعداد للقيام بالثورة وبقصد توظيف الثورة لصالحهم في حال نجاحها. الثاني: التعجيل في أحد انطلاق الثورة وإذا كان الاتجاه الأول هو الغالب على أن هذا الاتجاه قد عرف الازدياد بعد نشر التصريح الانكليزي الفرنسي حول مصير الولايات المتحدة العربية المنسلخة من الدولة العثمانية في الثامن من تشرين الثاني 1918 وإجراء الاستفتاء حول شكل الحكم وطبيعته الشخصية التي سوف يناط إليها مهام الحكم والواقع أن المؤسسة الدينية اختلفت فيما بينهما إزاء الخيار المطلوب فهناك من أيد وسوغ الحكم البريطاني المباشر وهناك من طالب بحكومة إسلامية.

وإذا كان الاتجاه الأول هو المعوم والأكثر واقعية فإن هذا الأمر قد دفع المرجعية للتدخل وتحسم هذا الأمر مصدرة فتوى لا تجيز انتخاب واختيار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين وقد دعمت هذه الفتوى أيما دعم خاصة بعد أن تولى الشيرازي مهام المرجعية العليا في النجف كبديل عن السيد كاظم اليزدي الذي أثر الانعزال عن المجال السياسي وقيّد نفسه في المجال الإفتائي وهو الأمر الذي قدم خدمة كبيرة لبريطانيا(26)لقد مثل وصول الشيرازي حل إشكالية الانقسام والتجزئة في التوجه الشيعي عندما وحد نظرتها عموماً، وبدأ يزاول نشاطاً سياسياً عندما فتح قنوات الاتصال مع الشخصيات العربية طالباً منها دعم تطلعات العراقيين في الاستقلال وبناء دولة عربية مستقلة وملك مسلم مقيد بمجلس وطني على أن المماطلة الانكليزية للاستجابة للمطالبة الشيعية مثلت أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع ثورة العشرين وإن كان من المشكوك فيه بأن المجتهدون والعلماء هم الذين خططوا للقيام بالثورة أو التخطيط لها فقد كانوا يفضلون العمل السياسي وهذا فيما بعد بأن المجتهد الشيرازي لم يعط موافقته وتأييده للثورة بعد وقوع الضغوط عليه من الوطنيين المتشددين بزعامة نجله الأكبر وفي الوقت الذي أصدر منه فتواه في جواز استخدام القوة خاصة بعد بروز ملامح المشروع البريطاني في العراق وصعوبة تشكيل الدولة الشيعية التي كان المجتهدين يخططون لقيامها كانت الثورة المسلحة قد بدأت أصلاً في حزيران1920(27).

وبقدر ما حققت الثورة نتائج كبيرة بقدر ما مثلت ضربة لسلطة رجال الدين الذين لم يشاركوا إلا نتيجة الضغط الشعبي.

ولقد تعددت الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة العشرين.

العوامل الخارجية:

(1) الثورة العربية في الحجاز عام 1916.

(2) ثورة مصر عام 1919.

(3) طموح العراقيين في تأسيس حكومة وطنية كما في سوريا.

(4) الثورة الروسية عام 1917.

العوامل الداخلية:

(1) سوء الإدارة المحتلة الحكم البريطاني المباشر للعراق.

(2)موقف علماء الدين من الاستعمار البريطاني وعدم جواز شرعية القبول بحكم أجنبي كافر على العرب المسلمين.

(3) تنبيه رجال القبائل وتناسي خلافاتهم العشائرية من أجل وحدة الصف.

(4) سياسة الإرهاب التي اعتمدتها الحكومة البريطانية ضد أبناء الشعب العراقي(28).

ولقد تحددت طبيعة الثورة المسلحة عسكرياً باعتبارات عدة سيما وإن العمليات العسكرية كانت في الغالب عفوية ومحلية وغير منسقة استراتيجياً إضافة إلى ثمة المعدات والمؤن عند العشائر وبالشكل الذي لم تعن على تحقيق نتائج مادية كبيرة ورغم ذلك فقد أسفرت الثورة عن نتائج كبيرة على صعيد الواقع العراقي ومستقبله كما أثبتت عمق الوحدة الوطنية وأكدت أن المنطلق الأساسي كان وطنياً حميمياً. لقد أسفرت المرحلة القادمة نتائج مهمة على صعيد الواقع العراقي سيما بعد أن بدأت الحكومة البريطانية بإيجاد حكومة عربية وبقيادة أحد القادة بولائه للإمبراطورية البريطانية وعلى هذا كشفت الأيام القادمة الدخول في مرحلة جديدة تدور في قوامها حول طبيعة الحكم في العراق والشخصية التي سوف تتولى الحكم وكان اختيار فيصل حلاً مناسباً للإنكليز وكانت البواعث عديدة(29)باعتباره الشخصية التي تحوز على رضاهم وتستطيع أن تحقق أهدافهم وتكون أمينة على مصالحهم على أن هذا الاختيار لم يحض بذات القبول من قبل رجال الدين الذين نظروا إليه نظرة شك وارتياب وبأنه لا يمثل أغلبية السكان كما تضمن ذلك والدعوة إلى انتخاب حكومة منتخبة من قبل الشعب(30)وعلى هذا فلم يجد هذا الاختيار إلا الرفض قبل رجال الدين بلغ حداً إلى ترشيح أخر لقيادة العراق وهو شيخ المحمرة والذي على الرغم مكن أنه من المؤيدين للسياسة البريطانية إلا أنه من الإيرانيين(31).

عكست مسألة الاختيار هذه انقساماً داخل البيت الشيعي فالاتجاه الأول بقيادة الأصفهاني والنائيني كان يعارض هذا الاختيار بينما ذهب تيار آخر إلى تأييده هو التيار الذي يقوده مقتدى الصدر ومهدي الخالصي وإن كان الأخير قد ربط هذا الاختيار والبيعة له بشروط معقدة وربما يمكن القول بأن هذا الاختلاف قد عكس آثاراً جانبية فيما بعد على الجبهة الشيعية أدت إلى تضعضع الجبهة الداخلية ويسّرت فيما جهود الحكومة في اختيار فيصل، هذا الاختيار الذي كان معارضاً لأحلام زعماء الشيعة الدينية في إقامة دولة إسلامية وعلى الأخص شيعية. فبواعث بريطانيا في اختيار فيصل كانت عديدة منها:

(1) تعزيز سمعة بريطانيا العظمى.

(2) كونه مقبولاً دينياً لدى كافة الطوائف الإسلامية على السواء.

(3) تعوده على الأساليب البريطانية في الإدارة.

(4) عداؤه الطائفي.

(5) ودعم الاستقرار في الشرق الأوسط(32)وباختيار فيصل غدت الأحلام الشيعية في خبر كان. وكان يمكن أن تكون مصدراً لظهور حركة سياسية جديدة بيد أن المطامع الدينية ليست كافية لخلق حركة سياسية إضافة إلى الحاجة إلى مناخ سياسي متأزم يستطيع فيه المجتهدون والعلماء الشيعة أن يوفروا زعامة عقائدية وأدبية معاً وإزاء ذلك فقد مثل خط المعارضة الأساس الذي سيميز موقف رجال الدين من المرحلة القادمة ساء إزاء المعاهدة العراقية البريطانية أو إزاء انتخابات المجلس التأسيسي. ليعرف هذا الخط تصاعداً كبيراً بلغ أعلى درجاته بإصدار الفتاوى بمقاطعة الانتخابات ورد الحكومة بإبعاد بعض القيادات الدينية إلى إيران إلا أن التوحد في موقف علماء الدين قد انحزم بقبول بعض المراجع (من المراجع الإيرانيين)التعهد الخطي بالتخلي عن العمل بالسياسة وهو الذي تمارسه أثار خلافاً حاداً بينهم وأدى إلى نتائج كبيرة انعكست على طبيعة الدور السياسي الذي يمكن أن تمارسه المرجعية في العراق وأسفر عن نتائج عديدة منها:

(1) أسست لغياب قاس للمرجعية التي سميت فيما بعد مرجعية عليا هاربة عن الميدان والسياسة والمجتمع وحتى الإرشاد والاقتصاد كزعامة روحية.

(2) أسست تلك الأحداث إلى شكل القائد الأصل إذ ينبغي أن يكون وفق تلك المواصفات وإلا عـُدّ مارقاً أو خارجاً من الدولة والكيان معاً.

(3) أسست لنمط معين العلامة بين الفقيه والسلطة وهو نمط خط وعي ينطوي على حيز محدد من الصلاحيات التي لا تتجاوز قضايا إدارية المدارس الدينية والتجنيد والتسفير.

(4) مثلت ضربة قاصمة مادية ونفسية لما تبقى من أشكال العمل المعارض في الساحة العراقية.

(5) بات المرجع اللا عربي الذي لا يتدخل في السياسة هو المطلوب من قبل الحكومة لأنه استطاع أن يوجد الحل لها فيما المرجع العربي الذي يؤمن بالسياسة هو المستهدف من قبل الحكومة.(33).

لقد حاولت المرجعية فيما بعد أن تعيد لنفسها دورها وتأثيرها في المجال السياسي عندما أصدر بعض رجال الدين فتوى بعدم جواز محاربة المسلم للأتراك إذا ما هاجموا العراق وهي محاولة أريد منها إضعاف موقف الحكومة إلا أنه ضاع في ظل مساعي الحكومة حركتها الدؤوبة عندما استطاعت أن تعقد توافقاً مع شيوخ العشائر وبالشكل الذي أدى إلى تفكيك قوى المعارضة(العشائر+المؤسسة الدينية)عبر ضرب بنيتها الاجتماعية وجذب الركائز الأساسية التي يستند إليها العلماء(34).

كما مثل ذلك فرصة ذهبية تيسرت فيما بعد توجيه ضربة قوية إلى القيادة الدينية(35).

من جهة ثانية التطور الذي عرفته أجهزة الدولة ومؤسساتها المستندة إلى قاعدة اجتماعية سياسية تشمل أغلبها من النخب السياسية الحديثة والمتغربة أو من نخب أخرى تقليدية لكنها تكيفت مع التحديث المتغرب وقدمت نفسها على أنها قائدة الفكر والمجتمع والتي راحت تمارس نشاطها في إطار المؤسسات الحديثة والتي تشكلت منها الدولة المحلية المنتدبة. كل ذلك أضعف الدور السياسي للمؤسسة الدينية وجعلها تبتعد عن ميدان السياسة وصراعاتها إلى الاقتصار بالعمل الإفتائي والديني.

كما إن انقسام هذه المؤسسة وخضوعها لمطالب الحكومة قد انعكس على نظرة الجماهير لهذا الدور وخلق إدراكاً عاماً لدى أبناء الشعب بأن المؤسسة غير جديرة على مطاولة السلطة، وهذا أدى إلى ترسخ الاعتقاد بان مزاولة العمل السياسي من قبل رجال الدين إنما هو مركب غريب لا يتوائم مع طبيعة الدين ومضمونه وجوهريته وهو الطور الذي شمل عمل المرجعية في المرحلة القادمة وعلى هذا بقيت إستراتيجية الانعزال هي المفصل لدى رجال الدين والتي لن تتغير مع بروز الأحزاب السياسية في الخمسينات والتي حفز المرجعية للعب الدور السياسي من جديد وهو ما تجسد بعد ثورة تموز 1958.

المرجعية الدينية بعد ثورة تموز 1958 أي تأخير على أنصار الحزب الشيوعي من الشيعة سجل مسار المرجعية الدينية الشيعية في العراق سلوكاً هادئاً ومستقراً على امتداد مرحلة ما بعد الدولة العراقية ورغم الرؤية التي اتخذها رجال الدين بالابتعاد عن السياسة فإن ذلك لم يمنح قيادات شيعية من تولي مهام عديدة أثناء الحكم الملكي الذي طالما وهم بالحكم السني.

وبسقوط الملكية على أثر ثورة تموز وتمكن الجيش من إسقاط السلطة فقد عاودت المرجعية الآمال والتطلعات لدور أكثر تأثير في الإطار العراقي موظفة الخطاب الوطني الذي أعلنت الثورة عنه بغية الانفتاح على الواقع العراقي واحتوائه سواء من خلال شخوص الثورة وقادتها والمؤسسات التي تشكلت فيما بعد على أنه مع ذلك لم تبرز المرجعية وجهتها ورأيها حول ما يجري في العراق ونظرتها إلى الثورة سواء بالتأييد أو المعارضة وهو الأمر الذي لم يجعل إلا فيما بعد على أن المتغير الأهم الذي واجه المرجعية في تلك الفترة هو نمو التيار الشيوعي والإعداد لمواجهته وتحدي الطروحات والحركات العلمانية وعرض الإسلام الشيعي كبديل سيما وإن هذه الأفكار وجدت أرضاً خصبة لدى إطار الجسد الشيعي حتى أن اغلب قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي كانوا ينتمون إلى الشيعة(36)على الرغم من صدور الفتاوى من رجال الدين الشيعة حول حرمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي إلا أنها لم تجد صدى يذكر ولم يكن.

لقد أسفرت هذه المواجهة عن ظهور نسقين أساسيين من الخطاب الشيعي الأول هو الخطاب المرجعي التقليدي والثاني الخطاب الحزبي المولود من الرحم المرجعي وبالنسبة للخطاب الأول فقد بدا بأن موقف المرجعية متأخراً كثيراً عن التغييرات والتحولات السياسية والاجتماعية كما أظهر ذلك رجال الدين كسولين ومتخاذلين ومتواكلين بعيداً عن معايشة الواقع وتحسس الآلام أبناءه وعلى النحو الذي أضعف كثيراً ذلك الارتباط بين جماهير الشيعة ودور علمائهم وبالشكل الذي أفقدهم أهميتهم السياسية ومستوى الأداء والتبشير الديني الذي يقومون به وبالشكل الذي أدى إلى إهمالهم بناء المؤسسات الدينية والمساجد.

وقصر مستوى النفوذ والتأثير على المناطق الريفية فقط وإضافة إلى التحدي العلماني الذي كان أحد العوامل الحاسمة وراء بروز العديد من الحركات الشيعية محاولة صياغة أفكار والقيام بأدوار سياسية لتقوم كإطار ديني وسياسي كبديل عن الطور المرجعي على أثر ابتعاد رجال الدين عن الأمور والمسائل التي تشغل بال الشعب خاصة تلك المتعلقة بالأمور السياسية هذا من جانب ومن جانب آخر ولربما مبعث ذلك كون أغلب العلماء في تلك الفترة كانوا ذوي أصول إيرانية ولذلك كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بإيران(37)وهكذا أظهرت إلى الوجود أحزاب إسلامية تحمل الطرح الإسلامي الشيعي وكرد على تغيب المرجعية عن القيام بأدوارها والرغبة في صيانة المجتمع العراقي ومواجهة تلك الأفكار والتيارات وعلى هذا الأساس مثل ولادة حزب الدعوة الإسلامية مرحلة مهمة في تاريخ الواقع السياسي الشيعي على الصعيد الفكري من خلال صياغة برنامج وأيديولوجية سياسية وفق الثوابت الشيعية وعلى طبيعة في إطار الجبهة السياسية الشيعية ذلك لأن المرجعية كانت تعد نفسها هيئة أساسية وربما من الأسباب الأخرى هو مراعاة رأي المحافظين والذين ارتأوا في تنصيب الحكيم كمرجع للشيعة حيث يعده أنصاره مجدداً(38). لقد ترك التصور حول عقدة الثنائية بين الحزبية والمرجعية أثراً على واقع الأداء الشيعي العام في العراق فالإطار الحزبي بشكل عام بقي غير مستقر وبحاجة إلى شرعنة من قبل رجال الدين وعلى الرغم من انتماء الصدر كرجل دين بلغ مرتبة المجتهدين إلا أن ذلك لم يفعل حاجة الحزب إلى الدعم المرجعي ولقد حظي الحزب بهذا الدعم انطلاقاً من أن أغلب مؤسسين الحزب من آل الحكيم وهو الأمر الذي أضفى إلى أفعال الحزب إطاراً شرعياً ودينياً إلا أن هذه الثنائية بقيت عائقاً قائماً خصوصاً في ظل مرجع مثل الحكيم عمد إلى تحديث المؤسسات الدينية بإنشاء المساجد والمراكز الدينية لقد كان للحكيم وجهة نظر خاصة في إطار العلاقة مع السلطة فقد كان يعتقد أن المرجعية لا تقوى على مواجهة الدولة وفي ظل الوجود الشيوعي في تلك الفترة على أنه يجب أن لا تغفل حرك السلطة إزاء المرجعية فقد كان عبد الكريم قاسم متقبلاً للحكيم بصدر رحب وطبقاً للاعتبارات السياسية والمذهبية فإنه لم يكن هناك سبب يجعل الشيعة يعارضون نظام قاسم في الحكم ومع ذلك فإن المرجعية لم تستثمر هذا التلافي وهذا الرضا من قبل السلطة بل بقيت عاجزة وبعيدة عن هموم الشارع وإدارة الصراع السياسي مع الحزب الشيوعي الذي وجد أنصاراً عديدين من الشيعة سيما وأن الراضي هو السكرتير العام كان من أصل شيعي(39).

على أن التوليفة الفكرية التي أدت إلى ذلك الامتداد في إطار الوسط الشيعي هو المساواة بين الشيوعية والشيعة. حفز ذلك المرجعية من خلال الانفتاح على الشارع الشيعي ومحاولة استيعابه واحتوائه ومواجهة التيار العلماني آنذاك، مثل هذا الحزب امتداداً لحركات إسلامية في بلدان العالم الإسلامي سبقته في مجال التنظير والتأسيس كما انعكس هذا الأمر إلى النمط القيادي له الذين كانوا بعضهم أعضاء في هذه التيارات وعلى هذا فقد كانوا مجزين بالكفاءة التنظيمية ولذا فقد استطاعوا خلال فترة قليلة من جمع العديد من الأتباع كما أخذوا على أنفسهم أن يقوموا بدور الطليعة المناضلة وأرادوا أن يمثلوا المؤسسات الشيعية الموجودة بروح جديدة لا تعرف التواكل والإعداد لقيام دولة إسلامية طالما إن وجود مثل هذه الدولة هو الضمانة لتبيان تعاليم الإسلام ولتطبيق أحكام الدعوة(40)*.

لقد أدرك هذا الحزب أن نمو الأحزاب العلمانية مبعثه عجز المؤسسة الدينية وتواكلها وعجزها عن قيادة المجتمع على أن هذا الانتقاد الموجه للمؤسسة الدينية لم يمنع من إدراك عمق تأثيرها والدور الذي يمكن أن تقوم به باعتبارها تتمتع بالشريعة الدينية وإذا ما توافر لها الوعي والإدراك لمتغيرات الواقع وعلى هذا فقد حاول حزب الدعوة استقطاب عدد من رجال المؤسسة ليكونوا ضمن قيادة الحزب وقد وجدت ضالتها في شخص السيد محمد باقر الصدر الذي جمع بين الأعلمية الدينية والعقلية العلمية الرصينة في الوقت الذي كان فيه فهوم الحزبية محل أخذ ورد داخل الرؤية الشيعية نفسها المتجسدة في المرجعية الدينية التي اتخذت موقفاً ثنائياً تراوح بين الرفض والقبول فيما بعد وكان سبب الرفض هو ضرورة أن تكون القيادة مقلدة من قبل الجماهير بمعنى أنها قد بلغت مصاف المرجع ويحتمل أن السبب الأساسي وراء الرفض في البداية هو أن يؤدي وجود الحزب السياسي إلى حدوث ثنائية على أن عدم القبول الشيعي والرضا من أداء ثورة تموز كان أحد العوامل الحاسمة التي أضعفت السلطة وكذلك الحزب الشيوعي ويسرت لقيام انقلاب رمضان فيما بعد لقد مثل هذا الانقلاب بداية مرحلة جديدة على صعيد تعاطي رجال الدين مع الواقع العراقي خصوصاً بعد وصول التيارات القومية والعروبة وانحسار سلطة الشيعة وهو أمر حددته إنما غلب قيادات الانقلاب كانت سيئة وقد ادعى عبد السلام عارف هذه الإشكالية فسعى إلى التقرب منهم لا سيما من المرجعية الدينية التي اقترنت زعامتها بالمرجع محسن الحكيم منذ عام 1961 لقد حاولت السلطة كسر حاجز الخوف والشكوك بينها وبين المرجعية فتمثلت هذه المساعي في تقريب السلطة من عائلة الخالصي واستطاعت أن تحرز نجاحات عديدة في هذا المجال على أن هذا النجاح لم كين كاملاً، فحوزة النجف لا زالت غير راضية عن أداء السلطة ونظرتها للشيعة وهذا التقرب كان يمكن استثماره بشكل كبيير لولا ضعف المرجعية وعدم قراءتها الواقع السياسي واستبعاد الرؤية السياسية فغاب عنها التكتيك والإستراتيجية في علاقتها مع السلطة، ففي الوقت الذي أقامت فيه السلطة جسراً تواصلياً مع بعض رجال الحوزة خصوصاً عائلة البغدادي والخالصي عدا الحكيم المعروف بعلاقته الشهيرة مع الشاه، لقد خشيت حوزة النجف من هذا التقارب ولذا سعت إلى إفساده بكل الطرق مدعية أن حكم عبد السلام كان طائفياً مع أن هذه الشعارات كانت تعد وتصاغ داخل أروقة السفارتين الشاهية والبريطانية(41)، كما أنها تصدر أي السذج والجاهلين عبر العمائم المتعاونة مع هذين الإخطبوطين.

وعلى هذه فقد وقفت حوزة النجف بالضد من إجراءات عبد السلام عارف خاصة فيما يتعلق بقرار تأميم التجارة والصناعة 1964 والذي اعتبرته بأنه يؤدي إلى استبعاد الشيعة من الاقتصاد(42)وقانون الجنسية العراقية الذي أقر بأن رئيس الدولة لا بد أن يكون من أبوين عراقيين يحملون الجنسية العثمانية عام 1900 والذي اعتبره الشيعة بأنه استبعاد لم عن أهم منصب في الدولة سيما وإن الكثير منهم كان يحمل الجنسية الفارسية وأضاف إلى هذا الموقف المتأزم إصدار قانون الجنسية الجديد 1964 عندما منح لوزير الداخلية حق الجنسية من حاملها إذا ما أظهر عدم الولاء للجمهورية العراقية وإخضاع الأوقاف الشيعية لسيطرة الدولة هذه الإجراءات اعتبرتها حوزة النجف بأنها إجراءات تحمل نفس طائفية وتهدف إلى إقصاء الشيعة واستبعادهم، ولذا فقد أزمت الحوزة الوضع مع السلطة بشكل أكثر سيما عندما اعتبرت الحرب ضد الأكراد محرم دينياً عن طريق إصدار فتوى بذلك، لقد ضيعت المرجعية فرصاً كبيرة لبناء علاقة طيبة مع السلطة وكان دافع ذلك هو ضغوط الخارج التي كانت لا تميل إلى علاقة مع السلطة وخاصة حوزة النجف في مقابل بعض حوزة بغداد التي حالت التحالف مع السلطة والتعامل معها وتبنت مشروعاً تقريبياً كان من شأنه أن يقوي نمط العلاقة بين الطرفين لكل مسار هذه العلاقة سرعان ما اصطدم بنعت أسرة الحكيم المرتبطة بالشاه وعلى هذا فقد ارتضت الحوزة الارتباط بنظام خارجي وعدته أمراً طبيعياً في مقابل أن التنسيق مع السلطة والتعامل معها مثلت تهمة سعت إلى التهرب منها(43)* وعلى هذا فإن ضياع هذه الفرصة كان دافعه وف هذه الأسرة من اقتحام الواقع السياسي خشية من التهم والتشهير وأما حرصاً على وحدة المؤسسة الدينية عندما بلغ البعثيون السلطة عام 1968 لم يكن للشيعة أدنى تأثير لا في المعارضة أو حتى التأثير في مسار العملية السياسية مقارنة بالأكراد الذين كانت وتائر تأثيرهم تزداد يوم بعد يوم بفعل الدعم من قبل بعض القوى الإقليمية وحتى الدولية(إيران،أميركا، إسرائيل)** وكتكتيك سياسي عملت الحكومة الجديدة على مد جسور العلاقة مع القيادات الدينية الشيعية بجس النبض وإيجاد نوع من التقارب معها، بيد أن هذه الخطوة تعرقلت بفعل الانقسام داخل البيت الشيعي ذاته بين من يؤيد هذه العلاقة وبين من يرفضها لكن رغبة الحكومة كانت شديدة في تلك الفترة لأن من شأن هذه العلاقة أن تؤمن الجبهة الداخلية هو أمر تحتاجه كل حكومة حديثة العهد علاوة على توظيف العلاقة الوثيقة التي تجمع المرجعية بقيادة الحكيم مع شاه إيران في تحقيق المشكلة الكردية خاصة في ظل الدعم الذي كان يلقيه الأكراد من قبل الشاه، على أن سياسة الانفتاح التي اتخذها البعثيون لم تلق آذاناً صاغية لدى المرجعية الدينية وبالشكل الذي أدى في النهاية إلى دخول هذه العلاقة مرحلة الصراع والمواجهة سيما بعد أن اتخذ حزب البعث إجراءات صارمة ضد مؤسسات المرجعية الشيعية سواء بإغلاق أو إخضاع الأوقاف الشيعية إلى سيطرة الحكومة، هذه الإجراءات جعلت المرجعية تفكر جدياً في اتخاذ موقف صارم ضدها، فعملت أولاً على توحيد صفوفها ولتدعو ثانياً إلى عقد مؤتمر في خريف 1969 يصدر مجموعة من التوصيات لعل من أهمها:

(1) العراق بلد مسلم وعلى هذا الأساس ينبغي على القوانين أن تضع في اعتبارها أسس التشريع الإسلامي.

(2) محاكمة مرتكبين الفضائح والاعتقالات واعتداءات الحكومة المسلحة ضد الشعب.

(3) الأماكن الشيعية المقدسة ملك لجميع المسلمين والحكومة، وأية حكومة غير مسموح لها بمنع الزائرين من زيارة هذه المقدسات.

(4) مدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء مراكز للمدارس العلمية والدينية ويجب أن تظل مفتوحة أمام جميع الطلاب بغض النظر عن جنسيتهم(44).

وكتعبير عن قمة الصراع والمواجهة فقد اتخذت المرجعية قراراً بالذهاب إلى بغداد وهي محاولة أريد منها نوع من إظهار القوة أمام السلطة وليس من المستغرب وفق هذا المنحى من الصراع لم يكن من المستغرب أن تحاول السلطة إثارة الإشكالات أمام المرجعية وربما فكرت المرجعية بمحاولة خلق المشاكل والعقبات أمام الحكومة: فالحكومة اعتقدت أن المرجعية الدينية لا زالت ترفض الحوار ولا زالت تثير المشاكل كما أن علاقاتها مع الشاه تخلق العديد من علامات الاستفهام، بينما اعتقدت المرجعية أولاً بأن حكم البعث هو قبل كل شيء حكماً سنياً يعد امتداداًَ للحكومات السنية السابقة ومن شأن هذا الحكم وفق وجهة نظرها أن يقوم على استبعاد الشيعة من السلطة وربما فكرت المرجعية أو بعض أبنائها في محاولة تغيير نظام الحكم ولذا جاءت حركة السلطة سريعة عندما اتهمت مهدي الحكيم النجل الأكبر للمرجع محسن الحكيم بالتجسس وأحست السلطة بأنها في مواجهة خصم عنيد وفي طريقه نحو زيادة العنف والمواجهة على أن وفاة السيد الحكيم كانت بمثابة ضربة قوية للمرجعية فمن ناحية فقد فقدت مرجع قوي كان قادراً على إدارة الصراع مع السلطة استطاع تحريك الشارع الشيعي وأوجد قدراً من الحركة فيه، ومن ناحية ثانية فإن المرجع الجديد أبو القاسم الخوئي يختلف اختلافاً عميقاً عن الأول وكان أقرب إلى رجال الدين الذين لا يشهدون العمل السياسي ولا يحبون العمل مع السلطة وقد مثل ذلك تراجعاً في النسق القيادي الشيعي باعتباره ارتداد إلى القيادة التقليدية.

بدأت المرجعية مع قدوم المرجع الجديد على تغير جديد في الطرح والفكرة فالمرجع الجديد عرف كأحد رجال الدين المعروفين إلى أن الانتقاد الذي وجه إليه هو قلة الوعي السياسي ورؤيته الفكرية التي تميل إلى الابتعاد عن السياسة وشؤونها وهذا الأمر ولد رد فعل قوي لدى مقلدي المرجع السابق الذين اعتقدوا بان البقاء على هذا المسار سيعطّل جهود الشيعة ويحجمهم ويعيدهم من جديد إلى نقطة البداية سيما وأن أتبع المرجع السابق قد شعروا بأن الفترة الماضية قد نجحت في تثبيت بعض حقوق الشيعة السياسية واستطاعت أن تحقق نوع من التقارب بين الشيعة والسلطة ولا سيما في عهد عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن عارف.

فبروز المرجعية الجديدة بتصورها هذا شخص أزمة كبيرة داخل الساحة الشيعية قوامها عدم قدرة المرجعية على احتواء الساحة الشيعية التي بدأت تميل إلى المطالبة بالحقوق السياسية والمشاركة في السلطة وهذا ما خلق فجوة بين المرجعية والجماهير الشيعية أدت فيما بعد ألى بروز مرجعيات شابه قادرة على التعاطي مع رغبات الجماهير وإيصال صوتها إلى السلطة والتأسيس لتفكير جدي بإصلاح المرجعية وهو ما تمثل ذلك بدعوة السيد محمد باقر الصدر ومن خلال اطروحته المرجعية الموضوعية التي بموجبها تتحول المرجعية من إطار فرداني مرتبط بشخصية الفقيه إلى مؤسسة متكاملة.

بلغت المعارضة الشيعية أوجهاً عندما أصبحت بقيادة محمد باقر الصدر الذي رغم خروجه عن قيادة حزب الدعوة إلا أنه بقي بشكل أو بآخر يشرف على خط الحزب ورغم إصداره فتوى عدم الانتماء إلى حزب سياسي(45).

إلا أن واقع هذه الفتوى ودوافعها هو دافع سياسي صدر تقية في إطار المواجهة مع السلطة ولذا فقد ظل الصدر يدير الحزب الذي اتبع في تلك الفترة منهجية تقوم على إعداد القواعد والكوادر الحزبية بقصد احتواء الساحة الشيعية وتنظيمها وقد تبدى ذلك في توظيف الشعائر والطقوس الدينية إضافة إلى بروز الأثر الذي تمارسه القيادات الدينية غير العراقية.

وهو الأمر الذي دفع السلطة كرد فعل على ذلك باتخاذ إجراء احترازي يمنع أفواج الزائرين إلى كربلاء هذا من جهة ومن جهة ثانية ضرورة إبعاد القيادات الدينية غير العراقية والتخلص منهم وخاصة في تلك الفترة الخميني (46).

لقد وجهت الثورة الإيرانية دفعة قوية للقوى الإسلامية الشيعية، فالأثر النفسي الذي ولدتنه التجربة والشعور ببناء أول نموذج شيعي جاء للعراق أدى بهذه القوى إلى تصعيد لمطالبها وفي نفس الوقت ولدت لديها الرغبة في تغيير نظام الحكم في العراق بصورة مقاربة للثورة الإيرانية واعتماداً على الجارة إيران ويمكن القول بن الصدر حمل في وعيه هذا التصور ولذا فقد نزع إلى تأييد إيران بصورة مطلقة كما عمل على الاعتراف بالخميني كمرجع ديني على العراقيين الشيعة وهذا التحرك كان بلا شك مرصوداًَ من قبل السلطة التي اعتبرته نتيجة ذلك العدو الأول لها، وربما كان الصدر مدركاً أن تبينه المسار الإيراني سوف لن يجعل إيران تخلى عنه بعد أن تبنى العلاقة الوثيقة معها وزيادة خط مواجهته مع السلطة والتي توجهت بإصدار فتوى تحريم الانتماء إلى حزب البعث(47).

والتي أدت فيما بعد إلى تلك النهاية المأساوية له خصوصاً بعد ورود الرسالة الشهيرة من قبل الخميني والتي تدعوه بضرورة البقاء في العراق(48)*.

التزمت المؤسسة الدينية بعد مقتل الصدر الثاني الرؤية التي تقول إن عملية التغيير في العراق لن تمر إلا بمساندة خارجية ودعم وإسناد دولي، لأنها تعتقد أن منطلقات التغيير لم تكن متواترة داخل الواقع العراقي علاوة على أن هذا الواقع كان منقسماً في إطاره بين مراجع متعددة كما أن التيار الإيراني كان ذو علاقة متأزمة مع قطاعات واسعة من الشيعة بعدما وجهت إلى إيران اتهامات بمسؤوليتها عن اغتيال الصدر أو حتى محاربته وشن حملة التشويه الإعلامي والفكري عليه، وعلى هذا فقد كان واقع المرجعية منقسماً بين تيار إيراني مدعوم مالياً من قبل إيران وتيار عربي شيعي لم يستفيق بعد من هول الضربة التي وجهت إليه وهي اغتيال الصدر.

وعلى هذا أدرك التيار الإيراني بأن الصراع مع السلطة لن يكون في صالحها لا سيما الجبهة الداخلية الضعيفة الواهنة وعلى هذا مثلت حرب الكويت فرصة مهمة للمرجعية حاولت توظيفها واستثمارها إلى أبعد حد، ومبعث ذلك سببان:

(1) فشل المعارضة الشيعية العراقية في إقامة جهة فاعلة تضم كافة الأطياف العراقية.

(2) الاعتراف بتعددية أركان المعارضة الشيعية وتجاوز الطرح الإيراني القائم على تسيّد المجل لا على الذي يمثل وفق رواية المعارضة الجهد التي تمثل طهران سياسياً وفكرياً وفشل المجلس في تنشيط دوائر المعارضة داخل العراق وفي الاتجاه الذي تريده طهران إضافة إلى ضعف التنسيق مع القوى العراقية الأخرى وحتى مع الموقف الإيراني والدولي الأمر الذي انعكس على ا داء القوى الشيعية الساعية للتغيير فالتجاذبات والتباينات السياسية بين الأطراف كانت واسعة حول رؤيتها لعراق ما بعد صدام خاصة فيما يتعلق بالمسائل الجوهرية كمستقبل النظام السياسي في العراق وحل المسألة الكردية وموقف المعارضة من القوى الأجنبية. وعلى هذا فقد مثلت أحداث 1991 فرصة مواتية لأضعاف النظام السياسي وتغييره. ولذا فقد تدخلت المرجعية بكل قواها في هذه المواجهة سواء من خلال الفتوى أو على صعيد مستوى الدعم المالي الذي كان يأتي عن طريق إيران وبقيادة المجلس الأعلى الذي أدخل قوات ومليشيات عن طريق الجنوب سرعان ما انتشرت في المناطق الشيعية إلا أن العمل لم يسفر عن شيء فمن جهة لم تكن هناك قيادة مركزية موحدة والأوامر كانت تأتي من إيران فحسب كما أن النظام السياسي لم يكن ضعيفاً إلى هذا المستوى بل بقيت العديد من الوحدات العسكرية بكامل قدراتها وإمكانياتها العسكرية وعلى هذا لم تكن الانتفاضة بحسب الشيعة قادرة على تغيير النظام السياسي بقدر ما خلقت الفوضى وخربت مؤسسات الدولة. هذا من جانب ومن جانب آخر لم تستطع هذه الانتفاضة أن تتجاوز البعد الطائفي وإشراك الأطياف الاخرى بل تجسد فيها البعد الطائفي ولم يفلح إنكار المراجع وحتى الحكومة الإيرانية والذي طالما وصم بأنه يعرض النموذج الشيعي وهكذا شخصت المرحلة السابقة المأزق الذي وقع فيه التيار الإيراني عندما بدت إيران والتيارات المرتبطة بها(المجلس الأعلى، حزب الدعوة، والعديد من التنظيمات الأخرى مسؤولة عن فشل حركة التمرد، شخصت فشل هذه الحركات في احتواء الشارع الشيعي لتخلق أكثر من تساؤل أمام الجماهير الشيعية حول صدقية هذه الحركات وطبيعة علاقتها بإيران وصدقية الأخيرة معها(49).

مثل ظهور الصدر الثاني مرحلة جديدة في صيرورة العمل الإسلامي والذي استطاع بكفاءته الخاصة احتواء عجز المؤسسة الدينية من خلال أطروحة المرجعية الناطقة المقابلة للمرجعية الصامتة واستيعاب الشارع الشيعي لكن هذا النجاح جوبه بمعارضة كبيرة من داخل الحوزة لا سيما من قبل فقيه آخر لينتهي هذا الصراع في داخل أروقة الحوزة العلمية التي شهدت صراعاً بين خطين أساسين الأول الخط العراقي المعبر عن آمال وتطلعات الشارع العراقي وبين الخط المرتبط فكرياً وروحياً على السلطة مع أن المعطيات المادية تؤشر ضلوع قوى شيعية في عملية الاغتيال مثلت عملية الاغتيال فرصة ذهبية لعودة الخط الإيراني من جديد لتعود القيادة من جديد للمرجع الآخر وهو الأمر الذي أدى إلى فراغ داخل الساحة الشيعية فلا المرجعية مارست دور القيادة ولا هي سمعت لأي شكل من أشكال القيادة لرموز آخرين مارستها، وصناعة النموذج الإسلامي الشيعي العراقي وعلى هذا شهدت الفترة المقبلة سعي الخط الإيراني إلى محاولة تشويه النظام العراقي عبر تأجيج الرأي العام العالمي وتعظيم مخاوفه من خطر النظام البعثي في العراق واتهامه بحيازة الأسلحة الذرية ولقد لقي هذا الطرح قبولاً لدى الطرف الأميركي لينتهي هذا التنسيق بين الطرفين في رعايا أميركا للأطراف العراقية بقصد الإطاحة بالنظام البعثي الذي اعتبرته بعد 11 أيلول العدو الرئيس لها لينتهي هذا الصراع في النهاية في شن الحرب الأخيرة على العراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003.

الفصل الثالث: العوامل المؤثرة على المرجعية

المبحث الأول: الدور الإيراني

يمثل المدخل الطائفي مدخلاً أساسياً وضرورياً لفهم العلاقة بين الشيعة في كل من العراق وإيران سيما ما يخلقه هذا المدخل من إيجاد مشاعر وأحاسيس تجمع الأفراد وفيما بينهم وتجسد إحساساً أممياً بينهم يتجاوز الرؤية القطرية وحتى الإقليمية.

وعلى هذا وجدنا هذا الرابط قد لعب دوراً أساسياً في خلق درجة الآصرة والتوحد بين شيعة العراق وإيران وهو توحد امتد منذ تشكل المذهب وبروزه وامتد على مسار التاريخ، فهناك توحد في الرؤية وتأثير متبادل وانعكاس للأحداث على كلا الطرفين، وعلى العموم يمكن أن نحدد ثلاثة أسس أساسية لفهم طبيعة العلاقة بين الطرفين.

أ-الجانب التاريخي: وهذا الأمر يقترن كدلالة زمانية بعهد دولة البهويين 945هـ والتي قدمت أقصى دعم لفقهاء الإمامية وليبرز منهم خلال ذلك العهد فقهاء مؤسسون لعبوا دوراً أساسياً في إيجاد المذهب ودعمه، ومن أمثال الشيخ المفيد والشيخان الطوسي والكليني وكانت فيها بغداد مقراً للمرجعية الشيعية وقد ظلت كذلك باستثناء فترات قصيرة كان ينتقل فيها مقر المرجعية والتدريس إلى مدن أخرى أما المرجعية في إيران فقد اتخذت أصفهان مقراً لهم تم في قم على أن التطور الأساسي والذي دعم هذه العلاقة إلى مد أبعد وأوجد جسوراً من العلاقة الوثيقة بينهما فقد تجسدت بتأسيس الدولة الصفوية في إيران 1508م على يد إسماعيل الصفوي وما استتبع ذلك من اتخاذ الأمامية مذهباً رسمياً للدولة وعندما عينه الشاه طهماسب الشيخ علي بن عبد العالي الكركي نائباً للإمام الغائب بفرمان بعد استقدامه من النجف وقد مثل ذلك التطور الأكثر أهمية في تاريخ الشيعة الإمامية، كل ذلك أوجد نوع من التوحد بين الشعبين، فإيران مثلاً لم تكن غائبة أو بعيدة عن اهتمام مراجع الدين والعلماء في النجف الأشرف وعندما احتل الروس إيران فقد دفع ذلك المرجعية الدينية التي كانت بقيادة الشيخ حسن الشيرازي نحو إعلان التضامن مع إيران ومناوئة السلطة الإيرانية كما أنه لا ينكر دور الشيرازي القيادي في قضية التنباك1891 واستمر اهتمام المرجعية بمسار الأحداث في إيران كما تفاعلت مع هذه الأحداث وأصدرت بيان واتخذت مواقف وتبنت مبادئ الحركة كما أن هذه المرجعية هي التي قادت الحركة الدستورية في إيران 1905-1911 متمثلة في الشيخ كاظم الخراساني الملقب بالاخوند والشيخ عبد الله المازندراني كل ذلك يلقي قدراً من النشوء على طبيعة العلاقة التاريخية والتفاعل بين مرجعيات الدين وبين الواقع الإيراني هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن للأثر دور في تعميق هذه العلاقة فأغلب المصادر المالية(خمس وزكاة)والتي ترد الحوزة العلمية كانت ترد من إيران أو الهند.

كما كان للدور الصفوية دور في إحياء الشعائر الشيعية.

فكانت إيران الممول الرئيسي لنشاط الحوزات الدينية خاصة أنها مستقلة عن إدارة السلطة ولا تتعامل معها.

البعد الفكري:

فلقد أدى تبني إيران للمذهب الشيعي الاثنى عشري أن تلعب الدور الأبرز في تشكيل مفاهيم وقيم هذا المذهب وتبلور الصياغة الصفوية للمذهب الشيعي وكما ذهب إلى ذلك علي شريعتي هذا على صعيد الفكر وأما على صعيد الآلية المتمثلة بالمرجعية أي المؤسسة الدينية فهناك ثمة اتفاق أساسي على أن هذه المؤسسة كانت وتكاملت على يد التوجه الفارسي وعلى هذا فإن أغلب مطبوعاتها وكتبها المنهجية كانت فارسية كما أتاح نظام الدراسة فيها لغير العرب فرصاً كبيرة وبالشكل الذي كون من هؤلاء طائفة من العلماء والمجتهدين الذين لم ينخلعوا تماماً عن أصولهم غير العربية وقد انعكس ذلك على مشاركة شيعة العراق وقلة مساهمتهم وضعفهم العددي والنوعي وبالشكل الذي برز إلى الوجود علماء ومراجع بلغت نسبتهم أكثر من 95%(50)وقد انعكس ذلك على دورهم السياسي حيث عمدوا إلى مغازلة السلطات الحاكمة من جهة ومن جهة ثانية عدم التعاطي مع متغيرات الواقع العراقي والتأثير فيه.

وهو الأمر الذي جعل أغلبهم بعيدين عن هموم وتطلعات الشعب العراقي وإمالة وقص دورهم على المجال الإفتائي الديني والابتعاد عن الدور السياسي وذلك ما يخلق علامة استفهام حول طبيعة علاقتهم مع أبناء العراق والشعور بحقيقة الانتماء إلى العراق دور علماء الدين.

الدور السياسي:

تمثل الجغرافية بعداً آخر من الأبعاد التي تحكم نمط العلاقة بين الشيعة بين العراق وإيران فجغرافية إيران الكبيرة والتي تعادل ثلاث مرات مساحة العراق وتبني الهوية الشيعية كهوية عليا هو خلق لها تماسكاً بنوياً كبيراً مقارنة بالعراق فهناك تكامل بين المعتقد وبين الجغرافية وعلى النحو الذي يخلق ظروفاً أفضل للعمل السياسي والاجتماعي مقارنة بالعراق الذي يبدو قلقاً في الهوية والمواطنة وعلم تنوعه الداخلي الطائفي والقومي الديني وهذا الإدراك الإيراني عمق التدخل الإيراني في الشأن العراقي محاولاً تغذية الانقسامات وتعميق الخلافات والحيلولة دون توافر التماسك الاجتماعي والوحدة العقيدية وهذا الاهتمام ينبع من أن العراق يمثل مركز القلب للمشروع الإيراني فهو القاعدة لانطلاق المشروع لمواجهة الفيض السني.

لقد كانت الجغرافية حاضرة لدى رؤية المرجعية الدينية في إيران التي سعت ساعية نحو توظيفها في صراعها مع السلطة التي حاولت التي تنال من مرجعية قم للتقرب من مرجعية النجف وهو السلوك الذي تبناه الشاه لسنوات عدة كما أن هذا كان مدركاً لدى المرجعية الدينية العراقية إزاء السلطة وكثيراً ما استقوى الحكيم بالشاه في مواجهة السلطة أو الدولة في العراق كما أن إيران مثلت في ملجأ للحركات السياسية لسنوات طويلة وهذا التواجد خلف مشكلة كبيرة تواجهها هذه الحركات حول طبيعة العلاقة مع غيران وعلى النحو الذي حملها عبئاً كبيراً أن إيران عرفت كيف تستخدم العراق كساحة احتياطية استطلاع العقل القيادي الإيراني استثمرها بشكل ناضج لإدارة الأوضاع في إيران(51).

إن التاريخ والجغرافية والهوية وطبيعة المكان والخصائص المجتمعية كلها أمور تتداخل ولو من بعيد في الكشف عن نقاط الأزمة أو تلعب دور الإضاءة لبعض جوانبها أو تكمل الفهم العام.

وفي ظل تداخل هذه السمات والمعاني تكن عناصر أساسية يمكن تمييز العلاقة بين الطرفين وتدفعها إلى علاقة وتدخل أوسع لإيران في الشأن العراقي وهو دور تجيده إيران أيما إجادة في تعاطيها مع الجار العراقي لكن هذا التدخل يصطدم بالخشية الإيرانية من انتقال المرجعية من قم إلى النجف لتكون مقراً للمرجعية الدينية الشيعية فالإيرانيون قد استفادوا ورغم عدائهم لحكم البعث فقد جعل ذلك قم مركز شبه رصد لحوزة وهذا ما مكنهم من احتواء المراجع عبر أقنية كثيرة بولاية الفقيه أو من انتزاع هدنة قصرية خصوصاً أن عدداً من المراجع الشيعة الإيرانيين وغير الإيرانيين لا يؤمنون بها لا يعترفون بمرجعية الولي الإيراني خامنئي(52).

لقد استفاد الإيرانيون من ذلك عندما أصبحت قم المركز الوحيد لطلاب الحوزة هذا من جهة ومن جهة ثانية هو تحول الدولة في إيران بأجهزتها ومواقع القوى فيها إلى دولة ملالي دافعين باتجاه احتكار الفتوى وحصرها بالولي الفقيه وربما ستشكل عودة طلاب الحوزة من قم إلى النجف استئنافاً لعمل وتقاليد مرجعية لا تناسب الحوزة الإيرانية التي فصلت على قياس ولاية الفقيه.

المبحث الثاني: العلاقة بين المرجعية والحزبية

تمثل الأحزاب السياسية أحد العناصر الأساسية التي ترتبط بالظاهرة السياسية وتزداد أهمية هذا الدور بخاصة ف يدول العالم الثالث حيث تكن منطلقات هذه الأحزاب متعددة كما أن أغلب هذه الأحزاب ليست أحزاباً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة(53).

علاوة على كونها منظومات تعبر عن الولاءات المحدودة(55)والأحزاب الشيعية تقع ضمن إطار هذا المنحى، فرغم طرحها العام بقيت هذه الأحزاب أسيرة منطلقاتها المذهبية وبقيت بعيدة عن الطرح العراقي العام وهذا لم يسهل لها التغلغل في بنية المجتمع العراقي فهي طائفية المكون والغاية.

ومن المتفق عليه أن الأوساط الشيعية لم تدرك ظاهرة الحزب السياسي حتى العقد الأول من القرن العشرين وكان ذلك دافعه أسباب: الأول: النمط الذي حكم الوعي الشيعي بضرورة الابتعاد عن السياسة، والثاني: لم تكن هناك أحداث سياسية ربما تمثل سبباً لنشوء مثل هذه الآليات.

الثالث وهو الأهم: إن فكرة الأحزاب السياسية لم تكن مرشحة في العقلية الشيعية، فالشارع الشيعي بشكل عام ينأى عن أي إطار قيادي غير إطار المرجعية فهي القيادة الروحية والدينية وبموجب ذلك فالفرد الشيعي لم يكن مسعداً لتقديم فروض الطاعة إلا للمرجعية وأما العلاقة مع الأنظمة وحكمتها فكرة التقية والعشية على النفس والروح وعلى هذا لم يعرف الواقع الشيعي صيغة الأحزاب السياسية حتى منتصف القرن العشرين وكل ما قيل عن نشوء هذا النمط في الواقع الشيعي هو أن هذه المؤسسات لم تبتعد عن إطار الجمعيات والمنتديات المعنية بالجانب الثقافي علاوة على عدم امتلاكها خطاباً سياسياً أو حتى برنامج سياسي متكامل كالذي كانت تتمتع به الأحزاب السياسية في ذلك الوقت ولذلك بقي تأثيرها محصوراً في مناطق قليلة ولم تتجاوز هذا البعد الجغرافي.

إن فهم اللآلية الحزبية في الوعي الشيعي يشخص إشكالية هامة ألا وهي طبيعة العلاقة بين المرجعية كآلية دينية ومصدر للفتيا وبين الحزب آلية سياسية فهناك من وجد أن التحولات السياسية والفكرية التي شهدها العراق كانت من الخطورة بمكان لأن تعدل من سيرورة المرجعية لمواكبة التغييرات شديدة السرعة في العراق والساحة العربية وبقاء المرجعية ضمن الإطار الديني حفز التوجه بشكل كبير، فضراوة المواجهة الفكرية خلق نوع من الأزمة داخل الشارع الشيعي لا سيما من قبل التيار الشيوعي الذي تغلغل في الشارع كبير وبدأ يدق ناقوس الخطر بالنسبة لوجود الشيعة عموماً إضافة إلى بروز تباين داخل المرجعية نفسها حول تحرك المواجهة مثل هذا التيار الذي أدى بالتالي إلى بروز انفصال بين قمة المرجعية وبين طلبتها الذين طالبوا بأن التحرك السريع والمنظم لمواجهة مثل هذا التيار(54)وهو الأمر الذي دفع إلى تشكل أول حزب سياسي شيعي في العراق(55)جعل من تجربة الإخوان المسلمون وحزب التحرير مصدر إلهام وانموذج متقدم كما غدت كتابات الشهيد حسن البنا وسيد قطب مصدر اهتمام الدعاة وقد انعكس ذلك عليه في الفكر والتغيير(56)* على أن تقبل هذه الفكرة من قبل الأوساط الشيعية مثل أزمة كبيرة فلا زالت الحوزات العلمية غير مدركة أو متفهمة لهذه الآلية كما أن رأيها قد حفل يعدو من التصورات منها:

(1) إن الأحزاب السياسية هي نتاج غربي استعماري وعليه فهي لا تتواءم مع منطلقات الإسلام وقيمه.

(2) الأحزاب لا تمثل إلى جانب من الفوضوية السياسية التي ى تعبر إلى عن شهوة الحكم في النفوس المناقصة والمتاجرة بشعارات المظلومين، وعليه فإن المرجعية هي القيادة الحقيقية لقيادة المجتمع الشيعي لأنها:

(1) المرجعية تحقق مبدأ الوحدة الذي يحفظ وحدة الإسلام ووحدة الأمة ووحدة الكلمة الإسلامية.

(2) المرجعية المؤسسة تملك الإطار القيادي البديل عن صراعات الأحزاب ومنافساتها وهو تصور يعضده الموروث الفكري الشيعي الذي يقصر القيادة الشرعية بعد الأنبياء والأوصياء بالفقهاء العدول الذين يمثلون التسلسل القيادي وهو يمثل التزام ديني بموجب فكرة التقليد فعدم تقليد المكلف للفقهاء يجعله تابعاً لشهواته وأهوائه(57).

لقد استفزت الانتقادات التي وجهت من قبل المرجعية أنصار الحزب السياسي فالحزبية بنظرهم لم تظهر إلا تعبير عن عجز المرجعية عن أداء دورها السياسي وإدارة الصراع في الساحة السياسية، كما أن الحزبية وفي ظل ضراوة الواقع ستمثل الإطار المناسب القادر على احتواء الجماهير وقيادتها نحو تحقيق أهدافها ومطالبها السياسية في ظل فشل المرجعية في تحقيق ذلك وهو الأمر الذي يفرض الإصلاح كسبيل نحو حسن الأداء والوظيفة ورغم ذلك لم تبتعد قيادات الأحزاب عن المرجعية بل بقيت المرجعية حجر الزاوية في شرعية أي عمل دنيوي ومنه العمل السياسي بل سعت إلى شرعنة عملها سياسي عندما اختارت فقهياً دينياً ليكون قائدها الروحي والفكري كما اختارت ضمن قيادتها السياسية ابن المرجع الديني في ذلك الوقت السيد مهدي الحكيم وعلى هذا فإن هذا التوحد كان ضرورة لا بد منها لضمان سير الحزب السياسي ونجاحه وعلى هذا استنتج من هذا أن العمل الحزبي لم يكن خياراً للمرجعية ولا هو نشأ تحت رعايتها وإشرافها، إن هناك أن يفهم مسار تلك العلاقة فهماً تكاملياً في إطار المشروع الإسلامي وهو المنحى الذي ساد فيما بعد وفي ظل توافر الإدراك بأن هذه الأحزاب لن تتغلغل في دائرة الواقع الشيعي مع لم تتماس مع المرجعية وتتوسل بها بوصفها مصدراً وحيداً للشرعية في المحيط الشيعي هذا من جهة ومن جهة ثانية أنها الآلية الوحيدة القادرة على استيعاب مجاميع كبيرة من الأفراد(58)إن حالة التوحد بين الطرفين قد تستمر لفترة طويلة ولكن ما يعكر صفو هذه العلاقة إذا ما اتخذت الأحزاب سياسات بعيدة عن المرجعية أو حاولت تهميشها صحيح أن كلا طرفي المعادلة هما متوحدان في الهدف والغاية ولكن تبقى الأجندة الخاصة لكل منهما سيما إذا خرجت أحزاب أخرى تتجاوز الطرح المرجعي وتعبر عن خطاب وطني صميم، كما أن السلبيات التي ستنشأ عن أداء الأحزاب السياسية ستعود بطبيعة الحال بشكل سلبي على وعي الشارع الشيعي الذي سيوجه سهام انتقاداته إلى المرجعية بوصفها المسؤولة عن هذا التوجه وهو الأمر الذي سيضعف للمرجعية استقلاليتها ودورها ويجعل مصداقيتها في الميزان.

الفصل الرابع: مستقبل المرجعية في العراق

مثلت المرجعية الدينية في العراق التركيب القيادي البديل عن قيادة الإمام المعصوم خاصة بعد وفاة آخر سفارئه أو وكلائه وعلى هذا فقد عرفت مراحل متعددة على امتداد التاريخ الشيعي بشكل عام وبقدر تعلق الأمر بالواقع العراقي فقد انخرطت المرجعية في هذا الواقع وعبرت عن مشاكله وآماله وطموحاته موظفة الأثر الطائفي الذي تستخدم في سبيل التعاطي مع الجماهير وصياغة الواقع وطالما أن المرجعية تحاول أن تستخدم الوجود الشيعي لتحقيق أهداف ووضع خطط ورسم استراتيجيات متعددة تكفل السيطرة على البنية العراقية ومن ثم بعد ذلك امتداد الجسد الشيعي ليشمل دولاً أخرى كجزء من مشروعها العام.

ويجب أن لا ننكر أنه ربما غاب عن المرجعية البرنامج السياسي المتكامل والرؤية الإستراتيجية الكامل والتصور العام لكن المرجعية بقيت أسيرة الهدف الأساسي والمهم وهو حمل لواء الشيعة في العراق والتنسيق مع الجارة إيران سعياً نحو مأسسة كيان سياسي شيعي يحقق المطامع الشيعية في بناء الدولة وهو مطمع طالما راود الكثير من قياداتها وعلمائها واليوم وبعد سقوط النظام السابق واشتراك الشيعة بكل ثقلهم في العملية السياسية سواء في مجلس الحكم ومروراً بالانتخابات وتشكيل الحكومة تبقى مسألة أساسية هو طبيعة الدور الشيعي القادم وهل هناك آفاق ورؤى تسمح بتحقق النموذج الشيعي في العراق وهل يسمح الواقع العراقي بتطبيق نظرية ولاية الفقيه على شاكلة ما مطبق في النموذج الإيراني أم أن الواقع العراقي وما يموج من متغيرات عديدة ببنية وهيكلية خارجية يمنع التصدي لمثل هذا المشروع ويكبت الرغبة الشيعية في تجسيده.

إن التصورات المتعلقة بدور المرجعية الدينية في العراق تدور حول ثلاثة خيارات الأول: تجاوز المرجعية الدينية الطرح السياسي والبقاء ضمن دائرة الدور الإفتائي والاستدلالي بمعنى تقييد الدور المرجعي بالدور الديني فحسب وتجاوز البعد البعد السياسي وهذا الأمر يتناغم مع الرؤية الأميركية في بناء عراقي ديمقراطي يتجاوز التشكيلات الأثنية والعرقية والطائفية والتأكيد على السمة العلمانية للدولة ولأبعاد المرجعية عن خضم مسارات ومراهنات العملية السياسية.

الخيار الثاني: اقتصار الدور المرجعي عن دور الإشراف على العملية السياسية دون التدخل المباشر فيها والتأثير بحيثيات السياسية وإشكالياتها وهو الدور الذي تجسده واشنطن وترغب فيه وترى فيه متناغماً ومتسقاً مع المشروع الديمقراطي في العراق فأميركا ترى في المرجعية إطاراً يكفل قدراً من التهدئة والليونة إزاء الأطراف الشيعية وطالما نظرت واشنطن إلى المرجعية بأنها الإطار الذي يكفل احتواء الساحة الشيعية وتجاوز إشكالياتها عبر خطتها العقلاني في التعامل مع الواقع أو مع الأميركان.

الخيار الثالث: وهو خيار تبني انموذج ولاية الفقيه في العراق، فهذا الخيار تدعمه العديد من القوى السياسية الشيعية وهو يمثل أسمى درجات الطموح وبناء دولة شيعية على غرار الحكومة الإيرانية مسترشدة بتصورات الخميني والصدر في بناء الحكومة الإسلامية وهذا الخيار مدعوم بقوة من قبل إيران والقوى التابعة لها باعتبار أن تحقق ذلك سيكفل تحقيق الوحدة الطائفية بين البلدين يقوي الجسد الشيعي ويحفزه ويقويه بيد أن هذا الخيار يبدو هو هدف متوسط المدى حالياً والذي يقصيه بشكل عام التوازنات الداخلية والإقليمية والرؤية الأميركية أن بناء النموذج الديني في العراق في كل الأحوال يمثل تضاداً بين طرفين يتباينان من حيث الفكرة والرؤية ومن حيث القوة والمساحة ومن حيث رؤية العراق الجديد وعلى هذا فأنت لا بد أن تبحث الرؤية الأميركية في العراق.

تنطلق الرؤية الأميركية اتجاه العالم العراق كجزء من رؤية عالمية لبناء النظام العالمي بشكل عام والشرق الأوسط خاص من خلال الترويج لمجموعة من المفاهيم والقيم تدور حول الديمقراطية والتعليم والطموح الاقتصادي وتقوية المجتمع المدني وكجزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير* الذي يدور حول المحور السياسي.

(1) بناء نموذج سياسي تعددي ويمثل بداية لسلسلة من التغييرات الأخرى في المنطقة وعبر نظرية الدومينو الشهيرة.

(2) الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للعراق ضد الأخطار التي يمكن أن يواجهها الأمن والمصالح الأميركية وممارسة أشكالاً مختلفة من الأفعال ضد دول المنطقة تجزئة تفتيت، تشجيع اضطرابات، دعم أقليات وأخيراً ممارسة القوة العسكرية.

(3) تأمين الأمن الإسرائيلي ضد كافة الأخطار التي يمكن أن يواجهها.

(4) عقد تحالفات ومحور سياسية بين العراق وإسرائيل بهدف مواجهة الإرهاب وتحقيق الأمن العالمي ومواجهة الحركات الدينية بقصد تصفيتها وتجفيف منابعها.

(5) استخدام العراق كعامل حاسم لإجهاض أي فعل عربي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق نوع من التضامن العربي أو حماية الأمن القومي العربي.

المحور الاقتصادي:

(1) السيطرة على النفط العراقي والاستفادة منه لدعم الاحتياطي الأميركي مع توفير نفط رخيص لإسرائيل عن طريق خط أنابيب الموصل حيفا.

(2)الاستفادة من الثروات العراقية الممتدة من خلال إتاحة المجال أمام الشركات الإسرائيلية للقيام بمشاريع مشتركة وفتح الأسواق العراقية أمام المنتجات الإسرائيلية ويكون العراق والدول المحيطة سوقاً مشتركة لتصريف المنتجات الإسرائيلية.

(3) بناء منظومات ومناطق للتعاون الاقتصادي وبناء مؤسسات مركزية على غوار السوق الأوربية المشتركة.

المحور الثقافي:

(1) اتخاذ العراق كقاعدة لبث الأفكار والقيم الأميركية والسعي إلى نشر الأنظمة العلمانية المعارضة للتصورات الدينية.

(2) تغريب المجتمعات العربية والإسلامية وإضعاف القيم والتقاليد السائدة فيها.

وضمن إطار هذه المحاور ستبدو الرؤية الأميركية للعراق القادم وهو رؤية يمكن أن تلخص في الرغبة في بناء حكومة علمانية ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن وهي حكومة ستبعد الإطار العربي والإسلامي لترتبط بالإطار الإقليمي أي الشرق الأوسط.

(3) ربما يكون العراق المخرج والجسر الذي سيؤمن التفاهم المشترك بين طهران وواشنطن طالما بقيت ضربات المقاومة العراقية متتالية وهنا ستزداد حاجة الأخيرة إلى الدعم الإيراني الذي سيكون بدون شك نصراً كبيراً لكن ذلك لا يبعد الرغبة الإيرانية في أن يكون العراق تحت سلطة سياسيين شيعة يدينون بالولاء للمؤسسة الدينية في إيران والعراق والوضع المثالي بالنسبة لهم إيجاد عراق مستقر ذي حكومة شيعية صديقة معارضة للاحتلال.

الرؤية الإيرانية:

قضية علاقة إيران بالشيعة في العالم العربي لم تتقيد بأمر معين بل ترجع إلى الدولة الصفوية كما تعد الحوزة الدينية في النجف مركزاً دينياً وفقهياً وأحياناً سياسياً مهماً يتوجه إليها الشيعة من كل أنحاء إيران حيث قلما نجد عالم دين إيرانياً بارزاً لم يدرس في هذه الحوزة العريقة والخميني عد النجف قاعدة فاعلة ومنطلقاً لتوسيع دائرة نفوذه في معارضة النظام البهلوي قبل إقدام السلطة العراقية السابقة على ترحيله من العراق. وبعد وصوله إلى السلطة فقد تبنى الإيرانيون سياسة تصدير الثورة واتخاذ المنهج العدائي اتجاه الحكومة في بغداد ويمكن القول بأن هذه التفاعلات والاختلافات الفكرية وخطة إيران في نشر ملصقاتها في المناطق المجاورة وخاصة العراق كانت أحد الأسباب الرئيسة وراء اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 وبعد وفاة خميني سنة 1989 وجدت إيران نفسها بعد فترة من المقاطعة الغربية لها أن سياسات تصدير الثورة لم تعد ذات جدوى وانتقلت إلى سياسة أكثر دهاء وحكراً تحت قيادة هاشمي رفسنجاني لتقوم بتصدير الثورة بطريقة سلمية متبعة اسلوب الحوار والتهدئة خلافاً لأسلوب العنف والارهاب والتطرف من جانب آخر كانت المعارضة العراقية التي مثل مقسم منها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية قد عدت إيران منطلقاً أساسياً لإدامة زخم هجومها على النظام السابق ومن ثم فإن هذه التبادلية في الأدوار التي وظفتها المراحل الجغرافية والأيديولوجية في كلتا الدولتين لا بد أن ينظر إليها بجدية وإذا ما اريد لإيران أن تقوم بدور فاعل(59)ولا شك أن إيران هي أكثر المستفيدين من إسقاط أميركا لألد عدوين إقليمين لإيران هما حكومة طالبان الأفغانية ونظام صدام والتي تم بمساعدة إيرانية(60)على أننا لا يمكن أن نفعل الأثر الذي يتركه احتلال العراق على الدور الإيراني في المنطقة طالما أن طهران تريد بإلحاح تأمين حدودها الغربية وبالشكل الذي يجعل منها القوة الإقليمية المهيمنة(61)هذا الدور الذي سيصطدم بدون شك بسياسة الولايات المتحدة الراغبة في تغيير خريطة المنطقة وتغيير عقائدها وسلوكها وضرب الوحدة الوطنية والقضاء على الهوية القومية والدينية هذه المنطقة وبدون شك فإن ثمة إدراكاً إيرانياً متنامياً يجعل من إيران الهدف التالي بعد العراق لقد وجدت الإدارة الأميركية نفسها بعد 20شهراً من غزو العراق واقعة في دوامة شيعية فهي من جهة تخطط لدولة علمانية شيعية تشكل عاملاً أساسياً في زعزعة استقرار نظام الملالي الإيراني ولكنها اكتشفت بأن هذا الدعم هو في ضياع طهران ومع ذلك لا تستطيع إيقاف الدعم للشيعة لأنهم الحليف الرئيس لها في مواجهة العرب السنة(62).

ونتيجة ذلك وبفعل إدراك الإيرانيين لهذه الدينامية فقد بدت بالمراهنة على الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه في الساحة العراقية وإظهار مقدرتها على تحريك الأحداث للتوصل إلى فرض قناعتها على الإدارة الأميركية بشكل غير مباشر من خلال إحراجها داخل الساحة العراقية وتوظيف تداعيات الأحداث لخدمتها. وبدأت واشنطن تخشى من هذا التدخل ومن هذا الاندفاع والنموذج الشيعي الذي بدأ بالتشكل والذي بدأ يؤرق راحة واشنطن طالما أن هذا النموذج لن يخرج عن ثلاثة احتمالات:

(1) إن الشيعة على الرغم من الخلافات المذهبية مع المرجعيات الدينية الإيرانية سيفرضون جمهورية إسلامية تماثل الجمهورية الإيرانية(كما ان الحزبين الرئيسين حزب الدعوة قد ظلا على الدوام وثيقي الصلة بطهران هذا من جانب آخر رغم تأكيدات المرجع الديني علي السيستاني لأي دور سياسي رجال الدين ولكنه أصبح خلف الكواليس واحداً من سماسرة السلطة الرئيسي في العراق(64).

(2) إن الشيعة في المدى البعيد سيقعون تحت نفوذ أو سيطرة إيران ويصبحون دائرين في الفلك الإيراني.

(3) إن حكومية شيعية لا تستطيع أن تجمع العراق معاً إنما ستسعى إلى ثلاثة نظم حاكمة منفصلة.

(4) حرص إيران على توطيد علاقاتها مع المراجع الدينية الشيعية ويدفعها في ذلك الرغبة في أن لا تقوم على تخومها دولة علمانية تدخر قدراً كافياً من العداء لمنهجها الإسلامي:

أولاً: كما أنه ليس لديها الرغبة في عودة الاقتتال مجدداً فيما ضوء ما توفره الفرص المتاحة لإمكانية نجاح المشروع الأميركي في العراق

ثانياً: لقد تحالف الشيعة مع الاحتلال الأميركي من أجل تحقيق أربعة أهداف هما إسقاط نظام صدام حسين، وتثبيت الأغلبية الشيعية وإقامة انتخابات يفوز بها الشيعة وتأسيس دولة شيعية على الرغم من تحقيق الأهداف الأولى يبقى تحقيق الهدف الأخير بعيداً سيما وهو يتعارض مع المشروع الأميركي في بناء دولة ديمقراطية علمانية تستبعد النموذج الديني وتكون قادرة على أن تكون نموذجاً للتعايش بين السياسة والدين في الشرق الأوسط عندئذٍ يكن تحقيق هذا الهدف وبناء نموذج ولاية الفقيه مستبعداً للأسباب التالية:

(1) فبدون شك إن تأسيس دولة شيعية فيها العراق من شأنه أن يجعلها منافسة لإيران على زعامة الشيعة في العالم كما أن إيران تخشى من انتقال المرجعية الشيعية في حوزة قم إلى حوزة النجف مما يضعف النظام الحاكم في إيران.

(2) الاتجاهات الشيعية المتعددة، فالقيادات الشيعية البارزة في بغداد والنجف وكربلاء تتنافس فيما بينها على من تكون له الكلمة العليا في أوساط شيعة العراق.

(3) النموذج الإيراني لا يعد مطلباً شعبياً لشيعة العراق ورغم بروز التيار الديني بعد الاحتلال ومطالبته بتأسيس دولة دينية في العراق إلا أن التصور السائد هنا يبتعد كثيراً عن نموذج الحكم الديني الإيراني وركيزته(ولاية الفقيه).

(4) التجربة الشيعية في الحكم ومن خلال الفترة الماضية والممارسات والأفعال التي تاهت بها بعض التيارات الشيعية خلفت استياءً وتذمراً داخل الواقع العراقي من هذه التصرفات ومن أبناء الطائفة الشيعية بالذات حيث أحست هذه المجموعات وخاصة طبقة النخبة بأن تطبيق هذه النموذج هو من شأنه أن يقيد الحريات ويلجم الحقوق ويحدد دور المرأة كما انه سيهمش دور مؤسسات المجتمع المدني.

(5) طبيعة المجتمع العراقي الديمغرافية وتكويناته البشرية المتعددة تحول دون تطبيق هذا النموذج فأحد المهمات الأساسية للواقع العراق هي سمة التعدد والتنوع وبتوافر هذه السمة تجعل من الصعوبة تأسيس هذا النموذج على أن الفيدرالية تمثل خطورة نحو تحقق هذه الفكرة*.

(6) المغازلة القائمة اليوم بين الشيعة والإدارة الأميركية لن تستمر طويلاً وطالما يتدخل الأميركان في جميع تفاصيل إدارة الدولة العراقية وهذا ما شأنه أن يخلق الأخطاء ويجعل الحكومة في مشاكل عديدة كما أن هذه التدخلات ستجعل الشيعة يضيفون به وقد ينتهي ربيع العلاقة بينهما في الوقت يدعمون الامتداد الشيعي وبناء الدولة في العراق.

(7) إن إيران وأميركا يتبادلان تحريك تياراته حسب رؤية كل منهما ولمصالحه وفي الفترة الحالية كان تقاطع المصالح بين الشيعة وكلا الدولتين متحققاً بوضوح وكلما اقترب الشيعة من تحقيق مشروعهم السياسي فإن افتراق المصالح يبدو قريباً، وفي حال بقي نظام طهران قوياً فإنه لن يسمح أبداً بدولة شيعية مستقلة عنه وفي حال نجح الأميركان في إسقاط نظام الملالي وإقامة نظام علماني فستفقد أحزاب الشيعة ذات الأجندة الدينية مصدر دعمها الرئيس وتتحول الدفة إلى الأحزاب العلمانية التي توالي الإدارة الأميركية ولا يتوقع أن تقوم إدارة أميركية مهما كان توجهها بتكرار التجربة الإيرانية مرة ثانية.

(8) وفق هذه الحقائق والتصورات يبدو لنا بأن الخيار الثاني هو الأقرب والذي يعني أقصر دور المرجعية الدينية على دور الإشراف على العملية السياسية دون التدخل المباشر فيها والتأثير بمساومات السياسة وإشكالياتها وهو الخيار الذي يبدو على الأمد القريب والذي ترغب فيه واشنطن باعتبار أن المرجعية ستمثل الإطار الذي يحتوي كافة التنظيمات والتيارات السياسية ويلجمها عن الخروج عن مسار المداهنة والتعاطي مع قوات الاحتلال ورفض أسلوب المقاومة المسلحة كخيار للتعامل.

وهذا الدور المزدوج غير الملحوظ في العملية السياسية وغير المبتعد عنها هو ما يميز النموذج الشيعي القادم وهو الأقرب إلى تصور السيستاني الذي يتعامل بحذر كبير وفي الوقت الذي دان فيه الاحتلال فإنه لم يصدر قط أي فتوى ضده على أنه يجب أن نغفل بأن تحقق الدولة الشيعية سبيقى هدفاً وأملاً سيسعى الشيعة إلى تحقيقه ولد على المدى المتوسط وإذا صُيغ الوضع العراقي لقيام الدولة الدينية فلن تجد المرجعية عندئذٍ أمامها سوى التدخل وتأسيس نموذجها الديني في العراق وفي هذا فإن الدعوة إلى الفيدرالية تندرج ضمن هذا النسق من خلال الإعداد نحو تحقق الحلم الشيعي وبناء الدولة الشيعية التي تتجاوز الإطار العراقي بيد أن هذه الدعوة ستقترن بالمتغيرات التالية:

(1) زيادة حدة الصراع بين USAوإيران حول الملف النووي خصوصاً في حالة عدم التوافق على تسوية النزاع فيكون الحل تشديد الضغط الأميركي على إيران مقابل كسب ود شيعة العراق.

(2) ازدياد ضربات المقاومة العراقية في العراق وذلك يمنع من تكرار أخطاء أميركية جديدة في العراق قد يكون من ضمنها إقرار الفيدرالية كمطلب شيعي.

(3) بقاء فكرة الصراع بين إيران وأميركا سيجعل الواقع الشيعي متأثراً بطبيعة الحال بالواقع الإيراني وسينعكس هذا الصراع بالضرورة عليه وعلى قواه السياسية ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة وسيجعل فكرة الأزمة هي النسق الغالب.

(4) إضعاف إيران سيجعل من المؤسسة الدينية في العراق وإيران راغبة في تقوية الجسد أو النموذج الشيعي في العراق ليكون النموذج البديل عن إيران وجعله محور الحركة الشيعية في العالم.

(5) استثمار الأزمة الأميركية الإيرانية يتم من خلال ظهور الطرف السني كطرف قوي وبديل قادر على التاثير والتلاعب بالعديد من الأوراق ومن ضمنها المقاومة علاوة على توظيف أخطاء المرحلة السابقة والتي كان للشيعة الإسهام الأكبر فيها والتي أوصلت البلاد إلى شفير الحرب الأهلية.

خلاصات واستنتاجات

(1) انطلقت المرجعية من جذور وأصول الفكر الشيعي التي جعلت الفقيه يمثل التركيب القيادي لما بعد النبوة والإمامة وهذا يعزى إلى مكانة الفقيه أو المرجع في الفكر الشيعي، فالمذهب تأسيس وتشكل على يد الفقهاء وهم الذين حددوا أسسه وأصوله كما أنهم هم الذين يعبرون عن الفهم العلماني للنصوص الشرعية وعلى هذا فهناك علاقة جدلية بين المذهب والفقيه وكلاهما يكمل الآخر والقيادة الدينية أو الروحية قادت هذا الفقه استجابة لأزمة الدولة الإسلامية ما بعد الإمام الثاني عشر إلى طرح القيادة السياسية كإطار مضاف إلى القيادة الديني. إن هناك ثمة ظواهر حفزت العلاقة بين الفقهاء وبين مقلديهم قوامها الطقوس الدينية وحياة التعشف والبساطة التي وضعت في المخيال الشيعي للفقهاء جعلتهم مصدر القدسية التي تصل إلى حد العصمة التكوينية أو الإعداد الإلهي لمثل هذه المنزلة وهذا الدور.

(2) عرفت المرجعية مراحل متعددة على صعيد تطورها التاريخي وبخصوص الصراع بين المدارسة الإخبارية(دعاة النص).

وبين المدرسة الأصولية التي ظهرت فيما بعد هذا المجال الذي انتهى إلى انتصار الأخيرة ليوسطها لمدرسة فقهية تمنح العقل الأولوية في إطار فهم النص ولتمثيل القاعدة التي يتأسس عليها الفكر الشيعي المعاصر.

(3) بقيت المرجعية مقتنعة أن ميدانها الأساس هو المزار الديني أي دور الفتيا والوعظ والإرشاد والذي حمل لها المرجعية عن الآلام ومشاعر الناس سوف يضعف من صدقيتها ودورها في إطار المجتمع فاضطرت أحياناً مستجيبة لرغبة الجماهير للتعبير عن أفعال وآراء لم ترتق إلى المستوى المطلوب.

(4) إن هذه المرجعية استثمرت الإطار العراقي موطأً ومركزاً أساسياً لانطلاق دعوتها وفكرتها مستوظفة الأحداث التاريخية والمراقد المقدسة كسبيل نحو صياغة مشروع ديني مذهبي يهدف إلى نشر المذهب وتعميمه بين الدول الإسلامية.

(5) لم يتحدث التاريخ عن دور فاعل لهذه المؤسسة منذ الغزو البويهيي وحتى بداية القرن العشرين حيث أشركن تحت ضغوط عديدة للتعبير عن رأيها حول الدستور الإيراني.د

(6) شخص الواقع المرجعي في العراق تيارين اثنين: الأول تيار الانعزال والانكفاء والابتعاد عن كل ما هو سياسي وهو الطور الذي استمر على امتداد النظم السياسية التي حكمت العراق واعتبرته هذه الأنظمة هذا الدور عوناً وسنداً لها في حكم الشيعة.

الثاني: وهو التيار الرافض للانعزال والساعي إلى المشاركة بقوة على صعيد الحياة السياسية والذي ابتدأ منذ أيام مرجعية الخالصي ليتوقف ليعود ثانية في عهد محمد باقر الصدر وهو تيار رغم حملة لواء المعارضة للسلطة لكن لم يتجسد لديه مشروع أو برنامج سياسي متكامل بقدر الدفاع عن مصالح الشيعة وحتى الصدر فلم يزيد دوره عن التنظير لحزب الدعوة ولم يدفع إلى المواجهة مع السلطة إلا بعد انتصار الخميني في إيران وهو طور وضع فيه مرغماً لينتهي تلك النهاية المأساوية.

(7) لم يبتعد الشيعة عن مدار الحكم في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، فقد شهد العهد الملكي تولي العديد من القيادات الشيعية لمناصب هامة كما أن العديد من الوزارات شكلت من قبل زعماء شيعة كمحمد الصدر وصالح جبر. وحتى في العهد الجمهوري فلم تخلوا أية قيادة سياسية من وجوه شيعية بارزة.

(8) ثمة خطة إستراتيجية حكمت التحرك الشيعي على امتداد تاريخي ألا وهي الابتعاد عن السياسة وفي نفس الوقت التحرك وبشكل سريع إذا ما سنحت الفرصة لذلك.

(9) وظفت المرجعية الورقة الطائفية والمظلومية كآلية للتوحد ولملمة الشمل الشيعي إزاء التحديات، وعلى هذا فقد وظف هذا السلاح إزاء معارضيها بدعوى اضطهادها للشيعة وإبادتهم.

(10) يجب أن تتجاوز حقيقة قائمة وهي أن التوحد الطائفي بين شيعة العراق وإيران قد خلق تركيباً غير موحد داخل إطار هذه المؤسسة كما جعل همومها تتجاوز الواقع العراقي وهو ما خلق لها اضطراباً كبيراً حول محور حركتها السياسية وطبيعة الأهداف التي تسعى إليها.

(11) بين المرجعية والأحزاب السياسية ثمة سجال قائم بينها إذا ما توحد الطرفان باعتبارها يصبان في صالح الفكر الشيعي فإن هذا التوحد لا يمكن القول بدوامه واستمراره لا سيما اختلاف طبيعة كل منهما والأهداف التي يسعى كل طرف لتحقيقها علاوة إذا ما استخدمت هذه الأحزاب كأداة من قبل بعض القوى المجاورة للعراق لتحقيق أهدافها، فالمرجعية تمارس دكتاتورية متسلطة ولا يمكن أن تقبل بالخضوع لأية أجندة لأي قوى أخرى.

(12)إن المرجعية الدينية شأنها شأن المؤسسات الاجتماعية اتسمت بفترات من النشاط والحركة وقد يتنازع بعض رجالها على المال أو الشهرة أو قد يدعي البعض علميتهم أو عدالتهم في الوقت الذي تنقصهم تلك الصفات وبالشكل الذي ينعكس على رجال الدين وعلماء الحوزة الذين ستبرز لديهم نزعات وتوجهات اجتماعية ومصالح قد تكون ضيقة أو شخصية.

(13) هناك العديد من الطروحات حول مستقبل المرجعية في العراق وهي طروحات تعكس معادلة تعتمد على ثلاث قوى رئيسية هي دولة الاحتلال(أميركا)وإيران، والطرف السني خاصة قواه المقاومة، فالفشل الأميركي المتصاعد والضعف الإيراني دون شك سيقوّض هذا المشروع ويضعفه إلى حد كبير كما أن الضعف الأميركي مع الاستفراد الإيراني للعراق وإضعاف المقاومة سينشط هذا المشروع ويقويه وعليه فإن سبل إفشال هذا المشروع تتحدد بالنقاط التالية:

(1) مزيد من الضعف الأميركي من خلال زيادة هجمات المقاوم مع تنمية الشعور الأميركي من الداخل بهذه الخسائر.

(2) تشديد الضغط على إيران سواء تأجيج الرأي العام العالمي بسبب مشروعها النووي أو بدعوى اضطهاد الأقليات أو الطوائف الدينية فيها، مع إثارة القلاقل داخل إيران ويتم ذلك بالتنسيق مع بعض القوى الإيرانية المعارضة للنظام الحالي.

(3) خلق ودعم مرجعيات دينية جديدة في العراق تعتمد الطرح والخطاب الوطني وتتجاوز الطرح الطائفي القديم.

(4) ضرورة التفكير جدياً بتطوير المرجعية من إطار مؤسسة متكاملة سيما وإن قدرتها على الإنجاز تقترن اقتراناً كلياً بشخص المرجع وطريقة تفكيره، وعليه تبدو عملية الإصلاح والتطوير ضرورة ملحة وصياغة المرجعية وفق أسس علمية وموضوعية ترتقي بمستواها إلى الواقع وتستبعد الظروف والضغوط المحيطة بها إضافة إلى تطوير وعي الشارع الشيعي في النظرة إلى المرجع، فلا زالت نظرة التقديس هي السائدة والتصور بأن المرجع فوق أن يخترق.

(5) ضرورة دعم القوى المعارضة للخط الطائفي في العراق.

(6) خلق فجوة بين الجماهير الشيعية والمرجعية من خلال نشر الفضائح والإشاعات التي تدور حول فساد هذه المؤسسة وابتعادها عن مصالح الجماهير وخاصة السرقات والاختلاسات التي تدور داخل كواليس المرجعية وعدم القيادة بأية أدوار إغاثية أو تنموية للمجتمع.

(7) ضرورة إبقاء الطرف السني قوياً على صعيد الإطار العسكري(المقاوم)وحتى السياسي، فالمكاسب التي استحصلها الشيعة خلال الفترة الماضية ليست هينة وهي تتطلب لإضعافها ومواجهتها المزيد من الصبر وبعد النظر والنفس الطويل حتى يتكرس المشروع الوطني ويترسخ وليعود العراق من جديد إلى توازنه السياسي وفي ظل هويته العربية الإسلامية.

------------------------------------------

(1) عبد الحليم الرهيمي، الحركة الإسلامية في العراق، د م بيروت، 1982.

(2) حسين بركة الشامي، المرجعية من الذات إلى المؤسسة، مؤسسة دار السلام، لندن، 1999.

(3) موسى الموسوي، الثورة البائسة، بيروت، 1981ص18.

(4) ابراهيم الحيدري، تراجيديا كربلاء، سوسولوجيا الخطاب الشيعي، دار الساقي، بيرت لبنان، 1999ص88.

*يمنح الفقه الشيعي الاجتهاد أهمية كبرى وهو في هذا الجانب يتجاوز النص بحيث يمنح المجتهد قدرة الاستنباط من النص دون الالتزام بحرفيته أي وفق قراءة المجتهد للنص مع أن هناك العديد من القضايا والمسائل التي اتفقت عليها الامة والنصوص بحيث لا يجوز الاجتهاد فيها وهي المسائل قطعية الدلالة إلا أن هذا الفكر حاول أن يؤصل مسائل غاية في الأهمية كصلاة الجمعة وحتى ولاية الفقيه، انظر فؤاد ابراهيم الفقيه والدولة.

(*) يقوم النظام التدريسي في الحوزة(المدرسة الدينية)على ثلاث مراحل تتمثل المرحلة الأولى بمرحلة السطوح أو المقدمات يتلقى فيها الدارس دروس أولية في اللغة العربية والمنطق والفقه. بينما تتمثل المرحلة الثانية بمرحلة الفضلاء يدرس فيها الدارس مراحل متقدمة ويتم التركيز على المنهج والفقه. بينما تتمثل المرحلة الأخيرة بمرحلة البحث الخارج ويؤهل فيها الباحث للفتيا والقدرة على إصدار الاحكام من خلال امتلاك القدرة على استنباط الاحكام الشرعية ويلقب عندئذٍ بحجة الإسلام ومن ثم اية الله ومن ثم اية الله العظمى.

**يمكن القول أن قوة المرجعية تعتمد بشكل كبير على اتساع دائرة المقلدين والمرجع الأعلى هو الذي يتمتع بأعلى نسبة مقلدين في العالم كما أن دائرة التقليد تضمن للمرجع حصانة قضائية وقوة مالية كبيرة بفعل إيرادات الخمس التي تصل إلى المرجع والتي تقدر بالمليارات والتي تمثل في نفس الوقت ورقة ضغط كبيرة تؤدي به إلى كثير من الأحيان إلى السياسة والمجادلة خوفاًَ من هياج مقلديهم وإذا ما سكت العلماء ولم يزجروا العامة غلبت زوائد الدين على أصوله ويدعه على حقائقه حتى يمسي ذلك الدين شريعة وتنية همجية تهزأ بها الأمم، انظر السيد هبة الدين الشهرستاني في علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، مطبعة العاني، بغداد، 1965 ص232.

(5) فهمي هويدي، ايران من الداخل، مركز الاهرام للترجمة والنشر، القاهرة، مصر 1988.

(6) ابراهيم الحيدري، مصدر سبق ذكره، ص203.

(7) نفس المصدر نفس الصفحة.

(8) علي محمد الصلابي، أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دار الإيمان للطباعة والنشر والتوزيع، اسكندرية 2003 ص716-724.

(*)من الضروري عند البحث في قضايا الفكر الشيعي التمييز بين الفرق الشيعية تبعاً لعقائدها فلا يجوز الربط بين الشيعة والرافضة وإن كانا يشتركان في بعض العقائد باعتبار أن بعض عقائد الرافضة تصل إلى حد عقائد الكفر المخرجة من الملة ولعل من أهم هذه العقائد:

(أ) الإمامة من أصول الدين وكفر من جحد بها.

(ب) تكفير خلفاء المسلمين وحكوماتهم.

(جـ) الحكم على الأمصار الإسلامية بأنها دار كفر.

(د) قضاة المسلمين من الطواغيت الذين لا يجوز الرجوع إليهم.

(هـ) الاعتقاد بتحريف القرآن.

(9) فؤاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره ص11.

(10) نفس المصدر نفس الصفحة.

(11) احمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، عمان الاردن 1997.

(12) فؤاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره ص112.

(13) فرهاد ابراهيم، الطائفية والسياسة في العالم العربي، نموذج الشيعة في العراق، مكتبة مديولي،1996 ص210.

(*)ومثل الملا اردبيلي احد دعاة هذه المدرسة والذي دعا في كتابه زبدة البيان إلى ضرورة تقليد العامة للمجتهدين.

(14)فؤاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره 114.

(15) فهمي هويدي مصدر سبق ذكره ص83.أيضاً شبلي الملاط، تجديد الفقه الاسلامي، محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم، ترجمة غسان الغصن-دار النهار/بيروات شباط1998 ص39-43.

(16) فؤاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره ص57.

(17) نفس المصدر ص67.

(18) فاضل رسول علي، هكذا تكلم علي شريعتي، دار الكنوز-بيروت لبنان 1982 ص134.

(19) نفس المصدر نفس الصفحة.

(20) فؤاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره ص111.

(21) روح الله الخميني، كشف الاسرار، طهران1980.

روح الله الخميني، الحكومة الإسلامية-تقديم د.حسن حنفي 1979 ص176.

(22)محمد باقر الصدر، الاسلام يقود الحياة، كتاب الثقلين دم دت ص90.

(23) حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية، دار الثقافة للطباعة والنشر، قم-ايران.

(24) فؤاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره ص64.

(25) عبد الحليم الرهيمي، مصدر سبق ذكره، ص65.

(26) غسان العطية، العراق نشأة الدولة، لندن 1988.ص432- 433.

(27) وميض عمر نظمي، الجذور الفكرية السياسية والاجتماعية للحركة الاستقلالية في العراق، مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت-لبنان 1988.

(28) يونس محمد الذرب، ثورة العشرين في العراق، دم. دت ص1-2.

(29) حسن العلوي، مصدر سبق ذكره ص45.

(30) غسان العطية، مصدر سبق ذكره ص432-433.

(31) كاظم هاشم نعمة، الملك فيصل والانكليز والاحتلال الدار العربية للموسوعات، بيروت-لبنان دت ص46.

(32) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة، المركز العراقي للاعلام والدراسات، دمشق-سوريا 2003 ص49.

(33)حنا بطاطو، الكتاب الثالث، دم بيروت-لبنان 1984 ص33.

(34) المصدر السابق ص269.

(35) فرهاد ابراهيم مصدر سبق ذكره ص242.

(36) غسان العطية مصدر سبق ذكره ص243.

(37) عادل رؤوف، العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية، المركز العراقي للاعلام والدراسات دمشق-سوريا 2004 ص248.

(38) حنا بطاطو، مصدر سبق ذكره ص350.

(39) صلاح الخرسان، حزب الدعوة الإسلامية، حقائق ووثائق، مطبعة الوسام-بغداد 2003 ص51.

(40) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة، مصدر سبق ذكره ص200.

* يتخذ تشكيل الدولة الإسلامية في الفكر السياسي لحزب الدعوة أربعة مراحل تبدأ من المرحلة التغييرية ومن ثم السياسية ومن بعد الانطلاق إلى المرحلة الثورية، وأما المرحلة الأخيرة فهي وفقا له تسمى المرحلة الحكمية وهي مرحلة تسلم السلطة، ولا ندري إذا كان حزب الدعوة إذا اخذ بهذه المراحل في الواقع العراق الان أو عمل على القفز عليها وعليه فبلوغه مرحلة السلطة جعلته أمام أزمة فكرية وسياسية داخلية وخارجية. داخلية حول المشروع السياسي الذي ينبغي تبنيه، وخارجية هي نظرة الأحزاب الأخرى المشتركة في الائتلاف لهذا الامر، فليس هناك نموذج سياسي موحد لدى الجميع بقدر ما يجمعهم هدف مشترك وهو تحقق الدولة الشيعية بغض النظر إذا كانت وفق نموذج ديمقراطي ليبرالي أم ضمن نموذج ولاية الفقيه الإيراني.

(41) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة، مصدر سبق ذكره ص203.

(42) فرهاد ابراهيم، مصدر سبق ذكره ص295.

(43) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة، مصدر سبق ذكره ص185.

* لعلل من أهم المسلمات الأساسية التي اقترنت بالحركة الشيعية في العراق هي تلك الإشكالية بين وطنية المذهب وقوميته والاستعداد المكثف نحو تغليف الثاني على حساب الحس الوطني والانتماء للبلد، فالمرجعية الدينية في النجف انحازت في مواقفها في كثير من الأحيان إلى إيران باعتبار أن الأولوية لديهم تقوم على نصرة المذهب على حساب نصرة الوطن والقومية فانخرطو في صراع مع السلطة في العراق مدعين أنها تحرم الشيعة من حقوقهم وبسبب اتجاهاتها العلمانية، انظر حسن خليل غريب، المرجعية الشيعية في العراق أخذت تفقد أهميتها منذ أن مزقتها التيارات السياسية الشيعية الأممية، موقع التجديد العربي 2003 ص25-26.

** اغلب الدراسات والبحوث التي تصدر عن المعاهد والمؤسسات المختصة في أميركا واوربا قد خلقت إطاراً ذهنياً مشبعاً بالعداء التقليدي للدولة في العراق وباعث ذلك أسباب عديدة لعل أهمها ضرب النسيج الداخلي العراقي وتجزئته وتفتيت إلى كيانات عرقية طائفية. وقد تراوحت القوة التي حظيت بدعم الغرب بين الشيعة والأكراد. فالرؤية الغربية كانت تعرض دوماً أن ثمة جماعة مقهورة ومضطهدة في الجنوب، وفي الشمال كان هناك صورة موازية لجماعة أخرى مهددة بالإبادة وهم الأكراد، انظر حنا بطاطو مصدر سبق ذكره ص77.

(44) فرهاد إبراهيم، مصدر سبق ذكره ص46.

(45) صلاح الخرسان، الإمام السيد محمد باقر الصدر في ذاكرة العراق، مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع-بيروت-لبنان2004 ص497/498.

(46) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة، مصدر سبق ذكره، ص118.

(47) عادل رؤوف، بين المرجعية والحزبية، مصدر سبق ذكره ص133 أيضا صلاح الخرسان-حزب الدعوة الاسلامية/ مصدر سبق ذكره ص267. أيضاً صلاح الخرسان الامام السيد محمد بقار الصدر في ذاكرة العراق، مصدر سبق ذكره ص531.

(48) جاء في نص الرسالة التي أذيعت من راديو طهران-القسم العربي:

سماحة حجة الاسلام والمسلمين الحاج السيد محمد باقر الصدر-دامت بركاته-

علمنا أن سماحتكم تعتزمون مغادرة العراق بسبب بعض الحوادث، إنني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف الأشرف مركز العلوم الإسلامية، وإنني قلق من هذا الأمر، آمل إن شاء الله إزالة قلق سماحتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

روح الله الخميني

وتثير هذه الرسالة العديد من التساؤلات لعل اهمها:

1-إن الخميني قد خاطب الصدر بلقب حجة الإسلام والمسلمين مع إدراكه من قبل أن الصدر قد بلغ مرتبة المرجع(آية الله العظمى).

2-إن الرسالة سيكون لها بعد أمني مباشر من قبل السلطة على تحرك الصدر.

3-إن الرسالة ستثبت إثباتاً كلياً على مدى التعامل والتنسيق بين الخميني والصدر ورغبتهما في تغيير نظام الحكم في العراق، لمزيد من الاطلاع انظر عادل رؤوف، العمل الإسلامي بين المرجعية، مصدر سبق ذكره 141-142.

(49) عادل رؤوف، محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين، المركز العراق للإعلام والدراسات، دمشق-سوريا 2003 ص450.

(50) تشير إحدى الإحصائيات القديمة إلى مجموعة الطلبة والبلدان التي ينتمون إليها الدارسين في الحوزة العلمية في النجف والتي تشخص الأغلبية الإيرانية فيها، علما أن الإحصائية تعود على عام 1957، فكيف الحال الان:

إيران 869 طالب

العراق 326 طالب

الباكستان 324 طالب

التبت 270 طالب

الهند وكشمير 71 طالب

سوريا لبنان 47 طالب

الحساء والقطيف والبحرين 20 طالب

المجموع: 1954 طالب، انظر عبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، دار النهار للنشر والتوزيع، بيروت-لبنان 1973 ص51.

(51) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة، مصدر سبق ذكره ص142.

(52) المرجعية الشيعية، مجلة القدس العربي، العدد 4487 23/10/2003.

(53) اسامة الغزالي حرب، الأحزاب السياسية في العالم الثالث، عالم المعرفة الكويت دت ص9.

(54) نفس المصدر ص169.

(55) عادل رؤوف عراق بلا قيادة، مصدر سبق ذكره ص331.

(56) عادل رؤوف بين المرجعية والحزبية، مصدر سبق ذكره ص99 أيضا صلاح الخرسان السيد محمد باقر الصدر في ذاكرة العراق مصدر سبق ذكره ص206.

* تستقي الأحزاب الشيعة جذورها وفكرها الأول من الأحزاب السنية خاصة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، بل نجد أن مؤسس حزب الدعوة وقائده التنظيمي عبد الهادي السبيتي كان مسؤولاً رفيعاً في حزب التحرير عن إقليم العراق، ولكن نتيجة تبلور دور الأحزاب السياسية برزت في الأفق الشيعي دعوة إلى تشكيل أحزاب سياسية وإن لم تجد هذه الفكرة أصولاً أو دعما للفكر الشيعي في البداية، لكن هذا الفكر بدأ يتقبل هذه الفكرة، وعلى هذا توسعت هذه الأحزاب مع التأكيد على دور المرجعية الدينية الذي لا يمكن أن يتقبل وجود منافسة له، وعلى هذا تبقى الأحزاب السياسية الشيعية في ظلال المرجعية ما كانت ولن تخرج عن أطرها.

(57) صلاح الخرسان حزب الدعوة الإسلامية، مصدر سبق ذكره ص52.

(58) حسن الشيرازي، كلمة الإسلام، دار كربلاء للنشر والاعلام-لندن دت ص82.

* لمزيد من الاطلاع حول مشروع الشرق الاوسط الكبير، انظر ORAIZI الحلم للشرق الاوسط الكبير، عرض شهد العزاوي، مجلة العلوم السياسية ع30 كانون الثاني 2005 ص177. مشروع الشرق الأوسط الكبير، جريدة الغد ع16 الاربعاء 23 حزيران 2004. ايضا مهدي النجار قراءة ثقافية في مشروع الشرق الأوسط الكبير، صحيفة الصباح ع362 الخميس 16 ايلول 2004 ص4. ايضا سيد عبد المجيد، تركيا، مشروع الشرق الوسط الكبير، ع10491 26/3/2004.

(59) حسين حافظ تداعيات احتلال العراق على الساحة الايرانية، مجلة اوراق عراقية ع22 2/5/2005 ص28.

(60) رود نورلاند، الشيء الذي يريده السيستاني، مجلة نيوز ويك اللغة العربية، دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر 15/شباط2005 ص16.

(61) محمد السعيد عبد المؤمن الحياد الفعال لإيران تجاه أحداث العراق، مختارات إيرانية مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية 2003 ص87.

(62) محمد السعيد عبد المؤمن، مصدر سبق ذكره ص6.

* نجد الإدراك الشيعي واعياً بالخروج من هذا المأزق بالدعوة إلى تشكيل الأقاليم الفيدرالية وهذا الطرح يجد قبولاً لدى الدوائر المرتبطة بإيران وهو يمثل بنظرها خطوة أولى نحو تشييع العراق بالكامل أو على مستوى الوسط والجنوب، ورغم الرفض الذي تجابه به هذه الرؤية إلا أنها اعتبرت في كل الأحوال خطوة إستراتيجية لا يمكن الرجوع عنها سيما أنها ستنطلق من الدستور المكرس للتفرقة والتجزئة كما أنها ستتيح للشيعة تشكيل دولة مستقلة في المستقبل سيما إذا استمر التضاد مع الأطراف الكردية والسنية.

وعلى هذا ستجد هذه الأطراف ولا سيما المجلس العلى بقيادة الحكيم وبعض قيادات الدعوة هذا الأمر ضرورة لازمة لإنجاح المشروع الشيعي في العراق وفي حالة تحقق هذه الرؤية لا سامح الله فلا مانع عندئذ من صياغة اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي بأي صيغة مع إيران.


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: