كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
قــــــراءة في نهـــج البلاغـــــة --- ملخصـــــــــــــات --- موسوعة الرشيد
ملخصـــــــــــــات
قــــــراءة في نهـــج البلاغـــــة
اضيف بتأريخ : 06/ 06/ 2009

عنوان الكتاب : قــــــراءة في نهـــج البلاغـــــة

 

الكاتب : الدكتور طه حامد الدليمي

 

فهرس المواضيع

المقدمة
موقف سيدنا علي (رض) من الصحابة رض)
موقف سيدنا علي (رض) من الخلافة
موقف علي من عثمان رضي الله عنهما
موقفه (رض) من مخالفيه
سيدنا علي (رض) ينفي علم الغيب عن نفسه
انقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم
إقامة الحجة على الخلق بالرسل وإتمامها بمحمد صلى الله عليه وسلم
سيدنا علي (رض)  ينفي العصمة عن نفسه
علي ( رض) ينفي الوسائط بين الخالق والمخلوق
الوسيلة هي الإيمان والعمل الصالح
الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع
إنكار النياحة والنهي عن اللطم
المحب الغالي والمبغض القالي
الوصية بالقرآن الكريم والتفقه فيه
الزكاة والصدقة والصلة محرمة على أهل البيت
أوقات الصلوات الخمس
توليته (رض) لأقاربه
شكوى الناس من بعض عماله وذمه (رض) لهم
تبرم سيدنا علي (رض) بشيعته وذمه لهم وشكواه إلى الله منهم

        

 

المقدمـــة

 

الحمد لله رب العالمين . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . وبعد ..

فهذه جمل مختارة من جواهر الكلام المنقول عن سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  رضي الله عنه ، انتقيتها من كتاب (نهج البلاغة).

دعاني إلى اختيارها ، وأغراني بانتقائها أن هذه الكلمات المباركات تصحح كثيراً من الأوهام الفاسدة والمفاهيم الباطلة التي تنسب إلى سيدنا علي نفسه بوصفها مسلمات لا تخطر مناقشتها على بال ، ولا يدور شك في صحتها على خيال ؛ لكثرة ما ترددت على الأسماع ، ولقنت في الأذهان.

ولقد كنت أقرأ القرآن الكريم ، وأقف عند آياته المحكمات ودلائله البينات ، فأجد مصادمة واضحة بين تعاليمه وما يدعو إليه ، وبين تلك المفاهيم ! فتأخذني الدهشة ، ويعتريني الريب لهذا الذي اقرأ وذاك الـذي يتردد ويلقن ! .

ولم لا ؟! وداعي الهدى مازال يدعو ، ويقول (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103) .

فلنعتصم بحبل الله .. ولنعد إلى كتاب الله : فنأخذ بكل ما وافقه ونطرح ما سواه . فإنك واجد أقوالاً أخرى منسوبة إلى علي  رضي الله عنه ، إلا أنك إذا وزنتها بميزان القرآن طاشت كفتها ، وبان زخرفها !. وقد روي عن أبى عبد الله جعفر الصادق (رحمه الله تعالى) أنه قال : (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) وعنه يرفعه : (كل ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه) . وأما سيدنا علي فيقول عن القرآن : (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، وهو الذكر الحكيم وهو حبل الله المتين وهو الصراط المستقيم ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ) وصدق سيدنا علي رضي الله عنه  : فلو رجع المسلمون إلي كتاب الله ، وتحروا عن كل قول أو عمل فأخذوا بما وجدوا له شاهداً فيه وإلا ردوه على من جاء به لما بقي بينهم خلاف ، ولا حصل بينهم شقاق . والله الهادي إلى سواء السبيل .

 

موقف سيدنا علي  (رضي الله عنه )من الصحابة رضي الله عنهم

 

قرأت في القرآن الكريم قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110) فعلمت أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم المعنيون بها ؛ إذ أن هذه الآية عليهم نزلت ، وعليهم قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صلواتهم تليت ، والخطاب فيها موجه إليهم ، والأمة -زمن نزولها- لم تكن إلا مجموع الصحابة . فهم إذن (خير أمة أخرجت للناس) . وهم خيرة هذه الأمة .

وقرأت كذلك في القرآن آيات يصعب عدها في مدحهم والترضي عنهم والشهادة لهم بالجنة ، منها :                               

(وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100) . 

ومنهـا: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(الفتح:18).

وكانوا ألفاً وأربع مائة ، منهم الخلفاء الراشدون وبقية العشرة المبشرة بالجنة . قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم  : (كلهم مغفور لهم) .

بل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم  بالعفو عنهم والاستغفار لهم فقال : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران: 159) .

هذا باختصار شديد موقفنا من الصحابة  رضي الله عنهم  مستندين في ذلك إلى القرآن الكريم الذي يقول فيه تعالى : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) (الطارق:13،14).

مفاسد الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

إضافة إلى أن الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيه من المفاسد العظيمة ما لا يمكن أن يقول بها مسلم !. ولو تنبه إليها من وقع فيها لكان أصلح حاله وترك مقالة السوء تلك فيهم .

فمن هذه المفاسد ..

* أن الطعن فيهم تكذيب صريح لكتاب الله ..

* وطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأنه معلمهم ومربيهم .

* وهو قنطرة للقول بتحريف القرآن ، إضافة إلى السنة النبوية لأنهم هم الذين رووا ذلك كله ، وعن طريقهم نقل . والطعن في الراوي طعن في روايته ولا بد .

* ثم هو مدعاة لتفريق المسلمين وإلقاء العداوة والبغضاء في صفوفهم كما هو مشاهد .

لهذا وغيره قلنا في الصحابة بقول ربنا وقول رسولنا .

فماذا كان قول سيدنا وإمامنا علي  رضي الله عنه فيهم ؟ وموقفه منهم ؟

هل صحيح أنه كان يبغضهم ويبغضونه ؟ وأنهم آذوه وظلموه ؟ وأنه كان يسبهم ، ويبطن لهم غير ما كان يظهر لهم ؟!!

تعالوا بنا إلى بعض المواضع في كتاب (نهج البلاغة) لنرى ثم نجيب بعد ذلك :

* من خطبة له يعنف بها أصحابه يمدح فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

(وقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم (منكم) لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا وقياما يراوحون بين جباهم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء الثواب)1  .

ومن كلام له ذاكرا حاله وحال الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم  :

(ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم وصبرا على مضض الألم وجدا في جهاد العدو ولقد كان الرجل منا وآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا فلما رأى الله صدقنا أنزل في عدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه ومتبوئا أوطانه ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضر للإيمـان عود ، وأيـم الله لتحتلبُنَّها دما ولتتبعُنها ندما)2  .الطاعن (ما قام للدين عمود ولا اخضر عود) بشهادة علي رضي الله عنه  .

* وقال ذاكرا عمر بن الخطاب رضي الله عنه  :

(لله بلاء فلان ، فقد قوّم الأوَد وداوى العمَد خلف الفتنة وأقام السنة ، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها ، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه) 3 .

قال ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) (وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب ، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضي أبي الحسن جامع (نهج البلاغة ) وتحت فلان عمر . وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي : هو عمـر فقلت له : أثنى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فقال نعم)4 .

* وقال ذاكرا عمر بن الخطاب أيضا : (ووليهم والٍ فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه)5.

قال الميثم البحراني شارح (نهج البلاغة) : إن الوالي عمر بن الخطاب6.

وقال ابن أبي الحديد : وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب ، وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة يذكر فيها قربه من النبي صلى الله عليه وآله واختصاصه به وإفضاءه بأسراره إليه حتى قال : فأختار المسلمون بعده بآرائهم رجلا منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه ثم وليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه)7.

ولقد كانت العلاقة بين علي وعمر رضي الله  عنهما وثيقة والمحبة شديدة إلى درجة أن سيدنا عليا زوج ابنته أم كلثوم بنت فاطمة رضي الله عنها من سيدنا عمر أثناء خلافته ، وسمى ثلاثة من أبنائه باسمه: عمر الأكبر الذي تسميه العامة (عمران بن علي) وله قبر ينسب إليه في بابل معروف ،  وعمر الأوسط وعمر الأصغر الذي قتل في موقعة الطف . كما أنه سمى ثلاثة من أولاده أحدهما باسم أبي بكر واثنين باسم عثمان فتأمل !

 

موقف سيدنا علي (رضي الله عنه ) من الخلافة

 

وهذه نصوص جلية من كتاب (نهج البلاغة) تثبت أن سيدنا عليا رضي الله عنه  كان يرى أن الخلافة تثبت بالشورى ، وأن أهل الشأن هم المرجع في ذلك . فإن اختاروا رجلا وسموه إماما وجب على الجميع التسليم له بالأمر والإيفاء بالميثاق ، وإن كان فيهم من يرى نفسه أحق بها من غيره . بل فيها التنصيص على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم

. وإليك بعضاً من هذه النصوص :-

* من كتاب له إلى معاوية :

(إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد . وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا فان خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فان أبى  قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى)8.

في هذا النص جملة أمور، منها :

* أن عليا رضي الله عنه  كان يرى أن الخلافة تتم بالشورى.

* وهذا يعني أن (النص الإلهي) ليس شرطا فيها.

* أن الشورى للمهاجرين والأنصار.

* أن إجماع المهاجرين والأنصار حجة شرعية لا يجوز مخالفتها.

* استدلاله بهذا الإجماع على رضا الله ، وأنهم إذ اجمعوا على أمر (كان ذلك لله رضا).

* ولذلك فان خلافة الأئمة الثلاثة قبله شرعية ومرضية لله تعالى.

* استدلاله على صحة بيعته بصحة بيعة الخلفـاء الذين سبقوه ؛ إذ أنها تمت على النحو الذي تمـت به البيعات السابقة.

* أن مثل هذه البيعة لا يعتبر فيها قول من خالف وشذ ممن حضر أو غاب.

* أن الطاعن بخلافتهم متبع غير سبيل المؤمنين وخارج عن أمر المسلمين ، يُرد إلى ما خرج منه فان أبى قاتلوه على ذلك وولاه الله ما تولى.

* من خطبة له :

(أيها الناس أن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه ، واعلمهم بأمر الله فيه ، فان شغب شاغب استعتب ، فان أبى قوتل ولعمري لأن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل ، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم لم يكن للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار )9.فالإمامة إذن تنعقد بالشورى وليست بالنص .

* (والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها)10.

فقال : (ولكنكم دعوتموني إليها ..) ولم يقل : (ولكن الله خصني بها ، أو نصص علي فيها).

* ومن خطبة له لما أريد على البيعة بعد عثمان:(دعونـي والتمسوا غيري ... وان تركتمونـي فأنـا كأحدكم ولعلي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً )11.

فتمَنعه من البيعة  –كما في النصوص السابقة يتناقض مع كون إمامته منصوصا عليها ؛ إذ لو كانت كذلك لما أجاز له أن يرفضها ويقول : (دعوني والتمسوا غيري) ، ويقول : (ولعلي أسمعكم  أي أكثركم سمعا واستجابة وأطوعكم لمن وليتموه أمركم) . إنما عليه أن يطالب بها ، ويعلن أن إمامة غيره باطلة . فهذا السمع والطاعة دليل على صحة إمامة من يسمعه ويطيعه ، بل هو اكثر الناس سمعا وطاعة له ! فلو كانت إمارة غيره باطلة لكان أولى الناس بمعصية ذلك الغير هو ، لا أن يكون اسمع الناس وأطوعهم له. ثم كيف تكون وزارته خيرا من إمارته إذا كانت إمارة غيره مع وجوده باطلة والإمارة لا تصلح الإله ؟!

 

موقـف علي من عثمـان رضي الله عنهما

 

أولاً : تبرؤه من دمه

وذلك في مواضع عدة من الكتاب منها :

* (ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان)12 .

* ويقول عن أهل الشام أنه لا خلاف بينه وبينهم إلا ما كان من اتهامهم إياه بقتل عثمان : (الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء )13 .

ثانياً : محاولته نصر عثمان

وقد رفض عثمان رضي الله عنه  جميع العروض التي قدمها الصحابة لنصرته والدفاع عنه ، مختاراً الصبر على قضاء الله والرضا بحكمه صوناً لدماء المسلمين :

 * فمن كتاب له إلى معاوية :

( ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتلته ؟ أمن بذل له نصرته14 فاستقعده واستكفه15 ؟ أم من استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أقدر عليه؟)16.

ولقد كان ولده الحسن رضي الله عنه  آخر من خرج من دار عثمان رضي الله عنه  قبل أن يقتل ، وذلك بأمره حين صرف عنه الناس واستقبل أمر الله صابرا محتسبا .

 

موقفه (رضي الله عنه ) من مخالفيه

 

كان المسلمون على عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه  ثلاث فرق :

* فرقة معه .

* فرقة عليه .

* فرقة اعتزلت لا له ولا عليه .

أما الفرقة التي عليه فقاتلها وقاتلته ، ولكن لم يكفر أحد منهم صاحبه ، إنما كانوا يعلمون أن قتالهم هو قتال الطائفتين المؤمنتين

إلا الخوارج فإنهم كفروه رضي الله عنه ولم يكفرهم !

وأما الفرقة التي اعتزلت فقد تركها وما اختارت ولم يعرض لها بشيء . وهذا كله ثابت عنه ، معلوم بالضرورة من سيرته . وإليك البيان من كتاب (نهج البلاغة) :

1.      أصحاب الجمـل

* من خطبة له عند خروجه لقتال أهل البصرة (في وقعة الجمل) :

(ما لي ولقريش ! والله لقد قاتلهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين )17 .

ففرق رضي الله عنه وغاير بين حالهم في الجاهلية حين قاتلهم كافرين، وبين حالهم يوم ذاك إذ سماهم مفتونين، ولم يسمهم كافرين . أي أصابتهم الفتنة لاشتباه الأمور عليهم .

 

2. أهل الشـام
* من كتاب له إلى معاوية جوابا :
(أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الأُلفة والجماعة ففرق بيننا أمسِ أنا آمنا وكفرتم ، واليوم أنا استقمنا وفتنتم)18 .
ففرق رضي الله عنه بين الكفر الذي كانوا عليه قبل الإسلام . وبين الفتنة -وليس الكفر التي وقعوا فيها بعد مقتل عثمان رضي الله عنه    .
* ومن كتاب له إلى أهل الأمصار يقص فيها ما جرى بينه وبين أهل صفين :
(وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد ، ودعوتنا في الإسلام واحدة ، لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله (صلى الله عليه وآله) ولا يستزيدوننا ، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء19 .

فهذا بيان لا غموض فيه ، وإقرار بأن الدين الذي كان عليه معاوية هو الدين نفسه الذي كان عليه علي ، وهو الإسلام . وكذلك الدعوة . ما يدل دلالة واضحة -وبشهادة سيدنا علي رضي الله عنه - على أن الخلاف بين الفريقين لم يكن خلاف عقيدة ودين ؛ فلم يكن هناك مذهبان ولا ملتان كان على إحداهما علي وعلى الأخرى معاوية . ولم يظهر من معاوية إلا الإسلام . فـ(الدعوة واحدة والأمر واحد) . ويؤيد هذا الحكاية الآتية :

* وقال –وقد سمع قوما مـن أصحابه يسبون أهل الشام أيام حرب صفين- ينهى عن سبهم ويدعو لهم :

(إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالكم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم أحقن دماءنا ودماءهم واصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)20 .

3. الخـوارج

وأما موقفه رضي الله عنه من الخوارج فيظهر من النصوص الآتية :

* (لا تقتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه )21 .

ولو كانوا كفارا لما نهى عن قتالهم ، وجعلهم متأولين في الوقوع في الخطأ ، واعتذر لهم بأنهم طلبوا

الحق فأخطأوه .

* ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم :

(يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون : قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يقتلن بي ألا قاتلي)22. فسمى الخوارج مسلمين وصرح بذلك تصريحا لا يقبل التأويل ، ونهى عن الخوض في دماءهم .

* وقال رجل من الخوارج مشيراً إلى علي : قاتله الله كافرا ما أفقهه ! فوثب القوم ليقتلوه فقال : (رويدا .. إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب)23 .

 4. الفرقة التي اعتزلت 

* جاء  في  كتاب  له  إلى طلحة  والزبير (رضي الله عنهما)

دعوته لهما إلى التحاكم إلى الذين اعتزلوا الفريقين . ولو كان من اعتزلوه مرتدين بعدم طاعتهم له لما جاز التحاكم إليهم :(وقد زعمتما إني قتلت عثمان وبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل)24 .

 

سيدنا علي رضي الله عنه  ينفي علم الغيب عن نفسه

 

علم الغيب من العلوم التي اختص الله بها فلا يعلم أحد الغيب إلا الله . وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة .  وجاءت الآيات القرآنية قاطعة في الدلالة على ذلك ، وكذلك الأحاديث النبوية .

* قال له بعض أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك عليه السلام وقال للرجل  وكان كلبياً : (يا أخا كلب ليس هو بعلم الغيب ، وإنما هو تعلم من ذي علم ، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدد الله سبحانه بقوله : (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان:34) فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون في النار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله ، وما سوى ذلك فعِلمٌ علمه الله نبيه فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي )25 .

ومع هذا كله نجد من ينسب إلى علي و(الأئمة) أنهم يعلمون متى يموتون ، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم ، ويعلمون علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة ، وما يحدث في أقطار السماوات والأرض ما دون العرش إلى ما تحت الثرى ، وما في الأنفس وما تخفي الصدور . وعندهم أسماء أهل الجنة وأهل النار، بل يعلمون جميع العلوم الدينية والدنيوية وجميع لغات أهل الأرض من الجن والإنس والطير والهوام ومن دون تعلم على ذي علم !. ومما يؤسف له أن هذا موجود في الكتب الموثقة مثل كتاب (الكافي) للكليني !.

وأنا انقل نتفا يسيرة منه للتمثيل فقط :

* (باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم) عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله (ع) : أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحاجة لله على خلقة )26 .

* (باب أن الأئمة عليهم السلام لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه) عن عبد الواحد بن المختار قال : قال الصادق : (لو كان لألسنتكم أوكية لحدثت كل امرئ بما له وعليه )27.

 

انقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم

 

* من كلام له عليه السلام قاله هو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتجهيزه :

(بأبي أنت وأمي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء)28.

تأمل في هذا الكلام الواضح ، وقارن بينه وبين ما مضى من الروايات التي في كتاب (الكافي) ، وهذه الروايات أيضا :

* عن أبي عبد الله (ع) قال : (الله اكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساءا)29.

* وعن أبي الحسن عليه السلام ( الأئمة علماء صادقون مفهمون محدثون )30 أي يحدثهم ملك ينزل عليهم .

 

إقامة الحجة على الخلق بالرسل وإ تمامها بمحمد صلى الله عليه وسلم

 

قال تعالى : (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء:165) .

* ويقول سيدنا علي رضي الله عنه كما جاء في (نهج

البلاغة) : (بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه ، وجعلهم حجة له على خلقه ، لئلا تجب الحجة لهم بترك الأعذار إليهم)31 .

فالوحي إذن مخصوص بالرسل الذين هم حجة الله على خلقه بما عندهم من اختصاص بهذا الوحي . ولو كان غيرهم حجة لما تمت حجة الله على خلقه بهم، ولبطلت هذه الآية وما في معناها .

 * ويقول رضي الله عنه في موضع آخر : (فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيرة من خلقه ، وليقيم الحجة به على عباده ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحملي ودائع رسالته قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجته وبلغ المقطع عذره ونذره)32.

فإذا كانت الحجة قد تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلا حجة بعده إذن ، وإلا فالحجة لم تتم . بلى لقد تمت الحجة فهذا سيدنا علي يقول : إن الحجة (تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ) ، وربنا جل وعلا يقول : (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فلا حجة بعدهم . فكيف بعد كل هذا البيان يوصف غير الأنبياء عليهم السلام بأنهم حجج الله ؟!

 

سيدنا علي (رضي الله عنه) ينفي العصمة عن نفسه

 

 

* من خطبة له بصفين :

(لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكف الله من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره)33 .

فهذا كلامه رضي الله عنه  وخطابه على رؤوس الملأ وعامة الناس أنه ليس بفوق أن يخطئ في قول أو فعل. إلا إذا تدخلت العناية الربانية فمنعته من الوقوع في الخطأ . وهو أمر عام لجميع المؤمنين ليس خاصاً بأحد بعينه ؛ فإن كل مؤمن مرشح للوقوع في الخطأ ما لم يكفه الله بعنايته عنه . ولذلك يصح من كل مؤمن أن يقول : (فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكف الله من نفسي ما هو أملك به مني) ، ولا يمكن لأحد أن يعترضه ليقول : هذا خاص بالمعصوم . ومن هنا جاءت خاتمة الكلام تنص على أن (فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره) . وتبين أن علياً وغيره (أنا وأنتم) سواء في هذا لأنهم (عبيد مملوكون لرب لا رب غيره) . فمتى شاء الرب المالك أن يكف عبده المملوك عن الخطأ كفه عنه، ومتى لم يشأ ذلك له وتركه ونفسه وقع فيه . 

 

* وقال أيضاً :

(ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى أصلي ركعتين)34 .

في هذا الكلام ينفي سيدنا علي العصمة عن نفسه من الذنب ، وأنه إذا أذنب صلى ركعتين ، فإذا صلى لا يحمل هم ذلك الذنب الذي أمهل بعده فصلـى

تلك الركعتين .

* ومن كتاب له إلى أهل الكوفة :

(أما بعد فأني خرجت من حيني هذا : إما ظالما أو مظلوما ، وإما باغيا وأما مبغيا عليه . وإني أذكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلي ، فإن كنت محسنا أعانني ، وأن كنت مسيئا استعتبني)35 .

 وهذا الكلام موجه إلى اتباعه وأنصاره وهو يخاطبهم في صيغة من لا يعتقد في نفسه ولا يعتقد فيه أصحابه العصمة ، ولو كانت عصمته أمرا معلوما لكان أعرف الناس بها أصحابه وأتباعه وأنصاره ، ولكان الخطاب إليهم موجهاً بصيغة الجزم والقطع أنه مظلوم مبغي عليه ، وليس التردد .

وإذن فكون علي غير معصوم أمر مفروغ منه، مسَلم به من القريب والبعيد والأنصار والأعداء ، حتى أوامره رضي الله عنه  ونواهيه لم تكن تصدر منه وأتباعه إلا على هذا الأساس .

 

علي (رضي الله عنه ) ينفي الوسائط بين الخالق والمخلوق

 

* (اعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفل لك بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه )36.

أما الوسائط والشفعاء الذين جعلهم الإنسان بجهله بينه وبين ربه فقد نفاها الله تعالى في مواضع لا تحصى من القرآن كما في قوله :

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس:18) .

(فلم يلجئك إلى من يشفع لك إليه) فادعُه فإنه قريب مجيب لا يحتاج إلى وسيط 

 

الوسيلة هي الإيمان والعمل الصالح

 

* (إن افضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله فانه ذروة الإسلام وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة واقام الصلاة فأنها الملة وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة وصوم رمضان فانه جنة من العقاب وحج البيت واعتماره فانهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب وصلة الرحم فإنها مثراة في المال ومنسأة في الأجل ، وصدقة السر فأنها تكفر الخطيئة وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء وصنائع المعروف فإنها تقـي

مصارع الهوان)37.

فهذه هي الوسيلة الشـرعية بنص الكلام السـابق المنقول عن سيدنا علي . فمن أراد التوسل إلي الله فعليه بهذا فإنه (أفضل ما توسل به المتوسلون إليه) ، وليدع ما سواها فإنه لم ينزل به من الله سلطان ، ولم يقم عليه دليل ولا برهان .

* وقال رضي الله عنه  عن القرآن :

(فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه . انه ما توجه العباد إلى الله بمثله . واعلموا انه شافع مشفع ، وقائل مصدق )38 .

 

الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع

 

يقول تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59) .

هذا تقرير الرب في كتابه الذي أنزله من عليائه على خاتم أنبيائه . واليك ما ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه  في (نهج البلاغة) من تفسير لهذه الآية طبقه على نفسه لما نازعه من نازعه : فردهم إلى كتاب الله ، ولم يردهم إلى نفسه :

* (ولما دعانا القوم إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله وقد قال الله سبحانه: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) فرده إلى الله : أن نحكم بكتابه ورده إلى الرسول : أن نأخذ بسنته)39 .

هكذا فعل سيدنا علي عند النزاع . ولو كان معصوماً لما قبل التحكيم وجوز لهم أن ينازعوه ، وإنما يقيم لهم الدلائل على عصمته فإذا فعل ذلك انتهى كل شيء .

 

إنكـار النيـاحة .. والنهي عن اللطـم

 

 

قال تعالى :(وبشر الصابرين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156) .

فأمر بالصبر عند المصيبة ، وذلك يستلزم النهي عن النياحة ولطم الخدود وشق الجيوب ؛ فإن هذا كله مما يناقض الصبر ويهيج العواطف ويثير الحزن . وإلا قل لي بربك : ماذا يفعل من جزع ولم يصبر أكثر من أن ينوح ويلطم ؟ فضلاً عن أن يشدخ رأسه ويشق ثوبه! ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) . ويقول: (النائحة إذا لم تتب ألبسها الله يوم القيامة درعا من جرب وثوبا من قطران) .

وبمثل هذا تماماً جاء التوجيه عن سيدنا علي (رضي الله عنه) في (نهج البلاغة) :

* (ينزل الصبر على قدر المصيبة . ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط عمله)40.

فكيف بمن ضرب يده بالقامة على هامته ؟!!!.

* وقال وهو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجهيزه : (لولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون)41 . فتدبر !.

المحـب الغالـي والمبغـض القالـي

 

 

* يقول سيدنا علي رضي الله عنه  : (هلك في رجلان محب غالٍ ومبغض قالٍ)42 .

* ويقول :

(وسيهلك في صنفان : محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق . وخير الناس في حالاً النمط الأوسط فالزموه . والزموا السواد الأعظم فان يد الله على الجماعة.  وإياكم والفرقة)43.

أما المبغض المفرط فهم الخوارج وأمثالهم مـن الذين كفروه أو عادوه وشتموه . وأما المحب المفرط الذي يذهب به الحب إلى غير الحق فقد مرت بنا بعض أحواله ومذاهبه التي أخرجه إليها الحب غير المقيد بالضوابط الشرعية مثل نسبة علم الغيب أو العصمة إليه ، وجعله واسطة بين الخالق وعباده : يدعى من دون الله ، وتنزل ببابه الحاجات وترصد له القربات ، واعتبار قوله كقول الله ورسوله لا يجوز مناقشته أو مخالفته ، بل كل من خالفه أو خرج عليه كافر أو مرتد كالخارج على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الوحي ينزل عليه ويحدثه ويملي عليه ، واتخاذ مواسم ومجالس ما انزل الله بها من سلطان للنياحة وإظهار الجزع ولطم الخدود وشق الجيوب وشدخ الرؤوس . فهذا كله من الغلو الذي نهى الله عنه ورسوله ، ولا يصلح الحب الذي يدعيه من يفعل ذلك مسوغا لإتيانه ؛ لأن الله تعالى يقول : (قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني) (آل عمران:31) . فاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم شرط قبول العمل وإن كان باعثه المحبة ، فإن خرج العمل عن جادة الاتباع لم تشفع له محبة ساذجة كمحبة النصارى للمسيح u . بل هذا كله من الغلو الذي وقع في مثله الأمم قبلنا كما أخبر تعالى فقال : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ)

(النساء:171)

وهذه أمثلة قليلة على الغلو الذي وقع فيه كثير من (المحبين) ، وقد شجعهم عليه أن هذا الغلو المذموم يجدونه منسوباً كذباً وزوراً إلى الأئمة الكرام !. من ذلك ما رواه الكليني من روايات يصعب إحصاؤها منها:

* عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) قال : نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا)44 .

* وعن أمير المؤمنين (ع) قال : (أنا عين الله وأنا يد الله وأنا جنب الله وأنا باب الله)45.

هذه أمثلة قليلة جدا مما وجدناه في تلك الكتب ! فإياك وهؤلاء وأولئك ممن ابغضوه ، (وعليك بالنمط الأوسط) الذين أحبوه الحب الشرعي فلم ينقصوه مرتبته أو ينزلوه فوق منزلته ، بل قالوا فيه ما قاله الله ورسوله ، وهم (السواد الأعظم) وأكثرية المسلمين في الأرض الذين أوصى علي رضي الله عنه  بهم وبلزوم جماعتهم ، وحذر من الفرقة عنهم (فإن يد الله مع الجماعة) .

 

الوصية بالقرآن الكريم والتفقه فيه

 

* (تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث ، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فانه أحسن القصص)46.

* (واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ولا لأحد من قبل القرآن من غنى فاستشفوا فيه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم فان فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال ، فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجهوا العباد إلى الله بمثله . واعلموا أنه شافع مشفع وقائل مصدق)47 .

فهذه وصية سيدنا علي رضي الله عنه  بالقرآن ، فالواجب على أحبابه وأتباعه أن يكونوا أكثر الناس التزاما بوصيته فيكونوا أكثر اهتماما بالقرآن ، لا أكثر إعراضا عنه وجهلا به ، وأقلهم فقهاً فيه !.

 

 

الزكاة والصدقة والصلة محرمة على أهل البيت

 

* (وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها فقلت : أصلة أم زكاة أم صدقة ؟ فذلك محرم علينا أهل البيت فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية . فقلت هبلتك الهَبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني)48.

هذا حكم الصلة والصدقة والزكاة لأهل البيت من نص كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وخيرة (أهل البيت) من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم . قارن بين هذا وبين حال الكثيرين ممن ينتسبون إلى هذا البيت الشريف كيف يستولون على أموال الناس باسم الزكاة والخمس وغيرهما ؟!!. وانظر إلى ما يروي الكليني في (الكافي) أيضاً إذ يقول :

عن أبي عبد الله (ع) قال : (ما من شـئ أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام وإن الله يجعل له الدرهم في الجنة مثل جبل أحد)49 .

وعنه أيضا قال : (درهم يوصل به الإمام أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواهما من وجوه البر)50. في حين أن سيدنا علياً رضي الله عنه  -كما في النص السابق- يحرم صلة أحد من أهل البيت أو تسليمه الزكاة أو التصدق عليه !.

 

أوقـات الصلـوات الخمـس

 

 

من المعلوم أن الصلوات الخمس ، وأوقات هذه الصلوات خمسة . إن كل وقت من هذه الأوقات يختلف عن الآخر لغة وعرفا وشرعا فوقت الظهر غير وقت العصر وكذلك وقت المغرب غير وقت العشاء وهكذا .  والله تعالى قد قسم الصلوات على هذه الأوقات وسماها

باسمها لفظا وعداً ، وهذا معروف لمن تدبر القرآن51 ، وقد قال تعالى : (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء:103) . وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أوقاتها ، ولم تكن عادته الجمع بينها لا هو ولا أصحابه ولا علي نفسه إلا عند السفر أو المرض أو الحرج . هذا متفق عليه بين الجميع. وقد ورد توقيت الصلوات الخمس عن سيدنا علي في (نهج البلاغة) واضحا لا لبس فيه إذ يقول في كتاب له إلى أمراء البلاد :

* (أما بعد فصلوا الظهر حتى تفـيء الشمس من مربض العنز ، وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية ... وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم ... وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل. وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه)52.

 

توليته (رضي الله عنه) لأقاربه

 

مثل : عبد الله بن عباس ، وعبيد الله بن عباس، وقثم بن عباس ، وعقيل بن أبي طالب ، ومحمد بن أبي بكر ربيبه ، ومحمد بن الحنفية ابنه53 .

ذكرت هذا لأن البعض يتخذ من تولية الأقارب مطعناً في سيدنا عثمان رضي الله عنه وغيره -ممن أسند ولاية إلى قريب من أقربائه- ليعلم أنه ليس في هذا من بأس ، ولا في الشرع ما يمنع منه ما دام يحقق المصلحة المقصودة ، وتقدير ذلك راجع لاجتهاد صاحب الأمر.

 

شكوى الناس من بعض عماله وذمه  (رضي الله عنه) لهم

 

 

* من كتاب له إلى بعض عماله :

(أما بعد فان دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقوة واحتقارا وجفوة)54.

* ومن كتاب له إلى زياد بن أبيه عامله على البصرة :

(وإني أُقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت في فيء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر ضئيل الأمر والسلام)55 .

* ومن كتاب له إلى بعض عماله :

(أما بعد فقد بلغني أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك . بلغت أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك فارفع إلي حسابك واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس)56 . وأكتفي بهذه النقولات عن بقيتها فإنها كثيرة .

 

تبرم سيدنا علي (رضي الله عنه) بشيعته وذمه لهم وشكواه إلى الله منهم

 

* (فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ! فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزَون ولا تَغزُون ، ويُعصى الله وترضَون . فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر ... يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال . لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم ، معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما . قاتلكم الله ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيظا ...)57 .

* (أيها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أمرائهم .. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم . يا أهل الكوفة مُنيتُ بكم بثلاث واثنتين : صم ذوو أسماع ، وبكمٌ ذوو كلام ، وعميٌ ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء . لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم (منكم) لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا ، وقد باتوا سجدا وقياما يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجـاء الثواب)58 .

هذا غيض من فيض مما ورد في الكتاب من ذمه لأصحابه وذكر خذلانهم له ومعصيتهم إياه حتى تمنى مفارقتهم فقال :

* (اسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا ألتقي بهم أبدا)59.

فإذا كان هذا حال السابقين من شيعته فكيف هو حال المتأخرين ؟! ولو لم يكن منهم إلا أنهم غروا الحسين رضي الله عنه  ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكيف أنهم وعدوه نصرتهم وما زالوا يكتبون له حتى إذا قدم إليهم ووصل أرضهم وديارهم خذلوه وأسلموه لكفاهم !.

والمتتبع للتأريخ يعرف أنهم كما قال سيدنا علي رضي الله عنه  مخاطباً إياهم :

* (المغرور والله من غررتموه ، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل . أصبحت والله لا أصدق قولكم ، ولا أطمع في نصركم ، ولا أوعد العدو بكم ! ما بالكم ؟ ما دواؤكم ؟ ما طبكم ؟!) .

ترى !…. هل تغيرت هذه الأخلاق والصفات بتغير الأيام والأحداث ؟

نسأل الله تعالى أن يستفيد اللاحق من تجارب السابق إنه على كل شئ قدير .

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.      1/189-190 .

2.      1/104-105 .

3.      2/222 .

4.      شرح نهج البلاغة المجلد 3 ص12 ج12 /عن الشيعة وأهل البيت ص96 لإحسان إلهي ظهير

5.        4/107

6.      شرح نهج البلاغة ج5 ص 463 / المصدر السابق ص 94 .

7.         شرح نهج البلاغة ج4 ص519 /المصدر السابق 95 .

8.        ج3 ص7.

9.      ج2 ص86 .

10. ج2 ص184 .

11.  ج1 ص181-182 .

12. ج3 ص7 .

13. ج3 ص114 .

14. يعني به نفسه .

15. يعني أن عثمان طلب قعوده والكف عن نصرته .

16. ج3ص34 .

17. ج1 ص 81 .

18. ج3 ص122 .

19. ج3 ص114 –115 .

20. ج2 ص185–186 .

21. ج1 ص108 .

22. ج3 ص77 .

23. ج4 ص98 –99 .

24. ج3 ص112 .

25. ج2 ص10 –11 .

26. أصول الكافي ج1 ص 258 .

27. الكافي ج1 ص264 .

28. ج2 ص 228 .

29. الكافي ج1 ص 261 .

30. الكافي ج1 ص 271 .

31. ج2 ص27 .

32. ج1 ص177 .

33. ج2 ص 201

34. ج4 ص72 .

35. ج3 ص114 . و(استعتبني) أي طلب مني أن أرضيه بالخروج عن إساءتي .

36. ج3 ص 47

37. ج1 ص215-216 .

38. ج2 ص91-92 .

39. ج2 ص5 .

40. ج4 ص34

41. ج2 ص 228 . والشؤون منابع الدمع من الرأس .

42. ج4 ص28 .

43. ج2 ص8 .

44. أصول الكافي ج1 ص143-144 .

45. أصول الكافي ج1 ص 145 .

46. ج1 ص216 .

47. ج2 ص91-92 .

48. ج2 ص 218 .

49. أصول الكافي ج1 ص537 .

50. أصول الكافي ج1 ص 538 .

51. راجع كتاب (مواقيت الصلاة في المصادر المعتمدة عند أهل السنة والشيعة) للمؤلف .

52. ج3 ص82

53. انظر ج1 ص18 ، 27، 58 ، 60 ، 43 .

54. ج3 ص18-19 .

55. ج3 ص19 .

56. ج3 ص64 .

57. ج1 ص69 .

58. ج1 ص188-190 .

وهو مصداق قوله تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح:29) .

59. ج3 ص6 .


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: