المرجعية الشيعية في العراق ...أدوار ومواقف --- من التاريخ --- موسوعة الرشيد
من التاريخ
المرجعية الشيعية في العراق ...أدوار ومواقف
اضيف بتأريخ : 29/ 06/ 2010

. 

موسوعة الرشيد /خاص

د.علي الغالب

 

لم تكن المرجعية الدينية بعيدة عن متغيرات الواقع العراقي وأحداثه كما أن هذه الأحداث لم تكن بعيدة عن المرجعية وتوليد آثار وضغوط على سلوكها ودورها الديني وعليه فقد تأثرت هذه المؤسسة بهذا الواقع وتعاطت مع الوقائع والأحداث التي مرت به.

ويمكن القول أنه مع بداية القرن العشرين بدأ علماء الشيعة يشعرون مدى حاجتهم إلى العديد من التصورات والأفكار التي تؤمن تعاملهم مع مشاكل العصر التي بدأت تواجه المجتمعات الإسلامية وخاصة دول الجوار وحفزت النقاشات والسجالات حول طبيعة هذه الأحداث والتعامل معها.

وعلى هذا فإن تعاطي فقهاء الدين في العراق مع الثورة الدستورية المشروطة في إيران واستثمار أدوارهم الدينية للتأثير على الشاه وإقناعه بتشكيل مجلس للشورى (عبر فتوى المرجع كاظم الخراساني) كل ذلك اعتبره البعض المظهر الأساسي لنشوء الوعي السياسي الشيعي وانعكاس تأثيره علة الواقع العراقي ولا سيما المدن الشيعية وعلى الرغم من حجم التأثير الذي تركته هذه الحركة وما ترتب عليها من استدراج علماء الدين الشيعة في العراق للمشاركة في الأحداث التي جرت في إيران إلا أن ذلك لا يعد كافياً كتحديد لبداية تبلور الوعي السياسي الشيعي.

سيما وأن المنطلق الأساسي لبروز هذا لاوعي وتجليه والإسهام التاريخي لرجال الدين فقد تمثل بدخول دول الحلفاء للعراق باعتباره من توابع الدولة العثمانية وقد استنفر هذا الحدث الوعي العراقي ودفع به إلى القيام بأدوار متعددة حينما قام شيعة العراق إلى جانب إخوانهم السنة في التصدي لهذا الاحتلال وقد تجلت أدوارهم بالآتي:

(1) إصدار فتاوى توافقاً مع فتاوى شيخ الإسلام في الدولة العثمانية تدعو للمقاومة والجهاد ومقاومة الاحتلال وتأييد العثمانيين في الحرب.

(2) قيامهم بتعبئة سكان المدينة والعشائر وحثهم على الجهاد ومن ثم تعظم تطوع المجاهدين وقايدتهم إلى الحرب ومشاركتهم العملية في القتال. ودخولهم في معارك عديدة أبرزها معركة الشعبية التي شاركت فيها فصائل من المجاهدين والعلماء فضلاً عن مشاركة وحدات من الجيش العثماني.

وعلى الرغم من تمظهر الوحدة والتآزر بين أبناء القبائل العراقية والجيش العثماني إلا أن هذا التوحد لم يستمر طويلاً وانتهى إلى خلاف ما ابتدأ به سيما بعد أن غيرت المراكز الدينية التي اشتركت في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية باسم الجهاد الديني ضد دولة مسيحية فقد اختلف موقفها بعد خسارة الأتراك معركة الشعيبة حتى أن أعمال عنف قامت ضد الأتراك في النجف في نسيان 1915 وحذت كربلاء حذو النجف في حزيران 1915 وطردت الموظفين الأتراك منها(24).

على أن انفراط عقد الوحدة بين الدولة العثمانية وبين العشائر الشيعية جدد من جديد ذلك الأثر التاريخي الراكد في الوعي الشيعي من خلال طبيعة ونمط العلاقة ع الدولة العثمانية وهو نمط حددته بشكل طبيعة العلاقة مع الدولة الصفوية ومن ثم فإن هذا التآزر والتوحد لم يستمر طويلاً ليبرز من جديد مظهر الخلاف الطائفي.

لقد مثل اندحار العثمانيين في العراق ودخول قوات الحلفاء تجدد للمشروع الشيعي بقصد استثمار هذه المرحلة وبناء دولة مستقلة وعلى هذا فقد كان الوعي الشيعي حاضراً في صناعة الواقع العراقي وصياغة مستقلة حتى تجلى بظهور العديد من الندوات التي أخذت على عاتقها تنمية الوعي الشيعي وإعداد المطالب الشيعية بقصد تنفيذها ومن أبرز هذه الندوات ندوة الشيخ جواد الجزائري ومحمد عبد الكريم الجزائري وندوة آل شبيب ويديرها الشيخان محمد رضا ومحمد باقي الشبيبي(25)والتي أثمرت فيما بعد عن نتيجتين أساسيتين:

(1) تأسيس جمعية إسلامية سرية باسم جمعية النهضة الإسلامية  وذلك في تشرين الثاني 1917.

(2) قدوم الشيخ محمد تقي الشيرازي من سامراء إلى النجف بهدف الإعداد لزعامة الشيخ الشيرازي بعد أن تبين أن موقف المرجع الأعلى السيد كاظم اليزيدي غير مؤيد للسياسة والعمل السياسي.

 وقد أخذت هذه الجمعية على عاتقها القيام بدور دعوي وتحريضي ضد الاحتلال على أنه سرعان ما دبت الفرقة بين أعضاء الجمعية بين تبارين أساسين :

 الأول: كان يحبذ انتظار انسحاب العثمانيين بهدف الإعداد للقيام بالثورة وبقصد توظيف الثورة لصالحهم في حال نجاحها.

الثاني: التعجيل في أحد انطلاق الثورة وإذا كان الاتجاه الأول هو الغالب على أن هذا الاتجاه قد عرف الازدياد بعد نشر التصريح الانكليزي الفرنسي حول مصير الولايات المتحدة العربية المنسلخة من الدولة العثمانية في الثامن من تشرين الثاني 1918 وإجراء الاستفتاء حول شكل الحكم وطبيعته الشخصية التي سوف يناط إليها مهام الحكم والواقع أن المؤسسة الدينية اختلفت فيما بينهما إزاء الخيار المطلوب فهناك من أيد وسوغ الحكم البريطاني المباشر وهناك من طالب بحكومة إسلامية.

وإذا كان الاتجاه الأول هو المعوم والأكثر واقعية فإن هذا الأمر قد دفع المرجعية للتدخل وتحسم هذا الأمر مصدرة فتوى لا تجيز انتخاب واختيار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين وقد دعمت هذه الفتوى أيما دعم خاصة بعد أن تولى الشيرازي مهام المرجعية العليا في النجف كبديل عن السيد كاظم اليزدي الذي أثر الانعزال عن المجال السياسي وقيّد نفسه في المجال الإفتائي وهو الأمر الذي قدم خدمة كبيرة لبريطانيا(26).

لقد مثل وصول الشيرازي حل إشكالية الانقسام والتجزئة في التوجه الشيعي عندما وحد نظرتها عموماً، وبدأ يزاول نشاطاً سياسياً عندما فتح قنوات الاتصال مع الشخصيات العربية طالباً منها دعم تطلعات العراقيين في الاستقلال وبناء دولة عربية مستقلة وملك مسلم مقيد بمجلس وطني على أن المماطلة الانكليزية للاستجابة للمطالبة الشيعية مثلت أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع ثورة العشرين .

 وإن كان من المشكوك فيه بأن المجتهدون والعلماء هم الذين خططوا للقيام بالثورة أو التخطيط لها فقد كانوا يفضلون العمل السياسي وهذا فيما بعد بأن المجتهد الشيرازي لم يعط موافقته وتأييده للثورة بعد وقوع الضغوط عليه من الوطنيين المتشددين بزعامة نجله الأكبر وفي الوقت الذي أصدر منه فتواه في جواز استخدام القوة خاصة بعد بروز ملامح المشروع البريطاني في العراق وصعوبة تشكيل الدولة الشيعية التي كان المجتهدين يخططون لقيامها كانت الثورة المسلحة قد بدأت أصلاً في حزيران1920(27).

وبقدر ما حققت الثورة نتائج كبيرة بقدر ما مثلت ضربة لسلطة رجال الدين الذين لم يشاركوا إلا نتيجة الضغط الشعبي.

ولقد تعددت الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة العشرين.

العوامل الخارجية:

(1) الثورة العربية في الحجاز عام 1916.

(2) ثورة مصر عام 1919.

(3) طموح العراقيين في تأسيس حكومة وطنية كما في سوريا.

(4) الثورة الروسية عام 1917.

العوامل الداخلية:

(1) سوء الإدارة المحتلة الحكم البريطاني المباشر للعراق.

(2)موقف علماء الدين من الاستعمار البريطاني وعدم جواز شرعية القبول بحكم أجنبي كافر على العرب المسلمين.

(3) تنبيه رجال القبائل وتناسي خلافاتهم العشائرية من أجل وحدة الصف.

(4) سياسة الإرهاب التي اعتمدتها الحكومة البريطانية ضد أبناء الشعب العراقي(28).

ولقد تحددت طبيعة الثورة المسلحة عسكرياً باعتبارات عدة سيما وإن العمليات العسكرية كانت في الغالب عفوية ومحلية وغير منسقة استراتيجياً إضافة إلى ثمة المعدات والمؤن عند العشائر وبالشكل الذي لم تعن على تحقيق نتائج مادية كبيرة ورغم ذلك فقد أسفرت الثورة عن نتائج كبيرة على صعيد الواقع العراقي ومستقبله كما أثبتت عمق الوحدة الوطنية وأكدت أن المنطلق الأساسي كان وطنياً حميمياً.

لقد أسفرت المرحلة القادمة نتائج مهمة على صعيد الواقع العراقي سيما بعد أن بدأت الحكومة البريطانية بإيجاد حكومة عربية وبقيادة أحد القادة بولائه للإمبراطورية البريطانية وعلى هذا كشفت الأيام القادمة الدخول في مرحلة جديدة تدور في قوامها حول طبيعة الحكم في العراق والشخصية التي سوف تتولى الحكم وكان اختيار فيصل حلاً مناسباً للإنكليز وكانت البواعث عديدة (29) .

باعتباره الشخصية التي تحوز على رضاهم وتستطيع أن تحقق أهدافهم وتكون أمينة على مصالحهم على أن هذا الاختيار لم يحض بذات القبول من قبل رجال الدين الذين نظروا إليه نظرة شك وارتياب وبأنه لا يمثل أغلبية السكان كما تضمن ذلك والدعوة إلى انتخاب حكومة منتخبة من قبل الشعب(30) .

وعلى هذا فلم يجد هذا الاختيار إلا الرفض قبل رجال الدين بلغ حداً إلى ترشيح أخر لقيادة العراق وهو شيخ المحمرة والذي على الرغم مكن أنه من المؤيدين للسياسة البريطانية إلا أنه من الإيرانيين(31).

عكست مسألة الاختيار هذه انقساماً داخل البيت الشيعي فالاتجاه الأول بقيادة الأصفهاني والنائيني كان يعارض هذا الاختيار بينما ذهب تيار آخر إلى تأييده هو التيار الذي يقوده مقتدى الصدر ومهدي الخالصي وإن كان الأخير قد ربط هذا الاختيار والبيعة له بشروط معقدة وربما يمكن القول بأن هذا الاختلاف قد عكس آثاراً جانبية فيما بعد على الجبهة الشيعية أدت إلى تضعضع الجبهة الداخلية ويسّرت فيما جهود الحكومة في اختيار فيصل، هذا الاختيار الذي كان معارضاً لأحلام زعماء الشيعة الدينية في إقامة دولة إسلامية وعلى الأخص شيعية.

فبواعث بريطانيا في اختيار فيصل كانت عديدة منها:

(1) تعزيز سمعة بريطانيا العظمى.

(2) كونه مقبولاً دينياً لدى كافة الطوائف الإسلامية على السواء.

(3) تعوده على الأساليب البريطانية في الإدارة.

(4) عداؤه الطائفي.

(5) ودعم الاستقرار في الشرق الأوسط(32) .

 وباختيار فيصل غدت الأحلام الشيعية في خبر كان. وكان يمكن أن تكون مصدراً لظهور حركة سياسية جديدة بيد أن المطامع الدينية ليست كافية لخلق حركة سياسية إضافة إلى الحاجة إلى مناخ سياسي متأزم يستطيع فيه المجتهدون والعلماء الشيعة أن يوفروا زعامة عقائدية وأدبية معاً وإزاء ذلك فقد مثل خط المعارضة الأساس الذي سيميز موقف رجال الدين من المرحلة القادمة ساء إزاء المعاهدة العراقية البريطانية أو إزاء انتخابات المجلس التأسيسي.

 ليعرف هذا الخط تصاعداً كبيراً بلغ أعلى درجاته بإصدار الفتاوى بمقاطعة الانتخابات ورد الحكومة بإبعاد بعض القيادات الدينية إلى إيران إلا أن التوحد في موقف علماء الدين قد انحزم بقبول بعض المراجع (من المراجع الإيرانيين) التعهد الخطي بالتخلي عن العمل بالسياسة وهو الذي تمارسه أثار خلافاً حاداً بينهم وأدى إلى نتائج كبيرة انعكست على طبيعة الدور السياسي الذي يمكن أن تمارسه المرجعية في العراق وأسفر عن نتائج عديدة منها:

(1) أسست لغياب قاس للمرجعية التي سميت فيما بعد مرجعية عليا هاربة عن الميدان والسياسة والمجتمع وحتى الإرشاد والاقتصاد كزعامة روحية.

(2) أسست تلك الأحداث إلى شكل القائد الأصل إذ ينبغي أن يكون وفق تلك المواصفات وإلا عـُدّ مارقاً أو خارجاً من الدولة والكيان معاً.

(3) أسست لنمط معين العلامة بين الفقيه والسلطة وهو نمط خط وعي ينطوي على حيز محدد من الصلاحيات التي لا تتجاوز قضايا إدارية المدارس الدينية والتجنيد والتسفير.

(4) مثلت ضربة قاصمة مادية ونفسية لما تبقى من أشكال العمل المعارض في الساحة العراقية.

(5) بات المرجع اللا عربي الذي لا يتدخل في السياسة هو المطلوب من قبل الحكومة لأنه استطاع أن يوجد الحل لها فيما المرجع العربي الذي يؤمن بالسياسة هو المستهدف من قبل الحكومة.(33).

لقد حاولت المرجعية فيما بعد أن تعيد لنفسها دورها وتأثيرها في المجال السياسي عندما أصدر بعض رجال الدين فتوى بعدم جواز محاربة المسلم للأتراك إذا ما هاجموا العراق وهي محاولة أريد منها إضعاف موقف الحكومة إلا أنه ضاع في ظل مساعي الحكومة حركتها الدؤوبة عندما استطاعت أن تعقد توافقاً مع شيوخ العشائر وبالشكل الذي أدى إلى تفكيك قوى المعارضة (العشائر+المؤسسة الدينية) عبر ضرب بنيتها الاجتماعية وجذب الركائز الأساسية التي يستند إليها العلماء(34).

كما مثل ذلك فرصة ذهبية تيسرت فيما بعد توجيه ضربة قوية إلى القيادة الدينية(35).

من جهة ثانية التطور الذي عرفته أجهزة الدولة ومؤسساتها المستندة إلى قاعدة اجتماعية سياسية تشمل أغلبها من النخب السياسية الحديثة والمتغربة أو من نخب أخرى تقليدية لكنها تكيفت مع التحديث المتغرب وقدمت نفسها على أنها قائدة الفكر والمجتمع والتي راحت تمارس نشاطها في إطار المؤسسات الحديثة والتي تشكلت منها الدولة المحلية المنتدبة. كل ذلك أضعف الدور السياسي للمؤسسة الدينية وجعلها تبتعد عن ميدان السياسة وصراعاتها إلى الاقتصار بالعمل الإفتائي والديني.

كما إن انقسام هذه المؤسسة وخضوعها لمطالب الحكومة قد انعكس على نظرة الجماهير لهذا الدور وخلق  إدراكاً عاماً لدى أبناء الشعب بأن المؤسسة غير جديرة على مطاولة السلطة ، وهذا أدى إلى ترسخ الاعتقاد بان مزاولة العمل السياسي من قبل رجال الدين إنما هو مركب غريب لا يتواءم مع طبيعة الدين ومضمونه وجوهريته وهو الطور الذي شمل عمل المرجعية في المرحلة القادمة وعلى هذا بقيت إستراتيجية الانعزال هي المفصل لدى رجال الدين والتي لن تتغير مع بروز الأحزاب السياسية في الخمسينات والتي حفز المرجعية للعب الدور السياسي من جديد وهو ما تجسد بعد ثورة تموز 1958.

المرجعية الدينية بعد ثورة تموز 1958 أي تأخير على أنصار الحزب الشيوعي من الشيعة سجل مسار المرجعية الدينية الشيعية في العراق سلوكاً هادئاً ومستقراً على امتداد مرحلة ما بعد الدولة العراقية ورغم الرؤية التي اتخذها رجال الدين بالابتعاد عن السياسة فإن ذلك لم يمنح قيادات شيعية من تولي مهام عديدة أثناء الحكم الملكي الذي طالما وهم بالحكم السني.

وبسقوط الملكية على أثر ثورة تموز وتمكن الجيش من إسقاط السلطة فقد عاودت المرجعية الآمال والتطلعات لدور أكثر تأثير في الإطار العراقي موظفة الخطاب الوطني الذي أعلنت الثورة عنه بغية الانفتاح على الواقع العراقي واحتوائه سواء من خلال شخوص الثورة وقادتها والمؤسسات التي تشكلت فيما بعد على أنه مع ذلك لم تبرز المرجعية وجهتها ورأيها حول ما يجري في العراق ونظرتها إلى الثورة سواء بالتأييد أو المعارضة .

 وهو الأمر الذي لم يجعل إلا فيما بعد على أن المتغير الأهم الذي واجه المرجعية في تلك الفترة هو نمو التيار الشيوعي والإعداد لمواجهته وتحدي الطروحات والحركات العلمانية وعرض الإسلام الشيعي كبديل سيما وإن هذه الأفكار وجدت أرضاً خصبة لدى إطار الجسد الشيعي حتى أن اغلب قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي كانوا ينتمون إلى الشيعة (36) على الرغم من صدور الفتاوى من رجال الدين الشيعة حول حرمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي إلا أنها لم تجد صدى يذكر ولم يكن.

لقد أسفرت هذه المواجهة عن ظهور نسقين أساسيين من الخطاب الشيعي الأول هو الخطاب المرجعي التقليدي والثاني الخطاب الحزبي المولود من الرحم المرجعي وبالنسبة للخطاب الأول فقد بدا بأن موقف المرجعية متأخراً كثيراً عن التغييرات والتحولات السياسية والاجتماعية كما أظهر ذلك رجال الدين كسولين ومتخاذلين ومتواكلين بعيداً عن معايشة الواقع وتحسس الآلام أبناءه وعلى النحو الذي أضعف كثيراً ذلك الارتباط بين جماهير الشيعة ودور علمائهم وبالشكل الذي أفقدهم أهميتهم السياسية ومستوى الأداء والتبشير الديني الذي يقومون به وبالشكل الذي أدى إلى إهمالهم بناء المؤسسات الدينية والمساجد.

وقصر مستوى النفوذ والتأثير على المناطق الريفية فقط وإضافة إلى التحدي العلماني الذي كان أحد العوامل الحاسمة وراء بروز العديد من الحركات الشيعية محاولة صياغة أفكار والقيام بأدوار سياسية لتقوم كإطار ديني وسياسي كبديل عن الطور المرجعي على أثر ابتعاد رجال الدين عن الأمور والمسائل التي تشغل بال الشعب خاصة تلك المتعلقة بالأمور السياسية هذا من جانب ومن جانب آخر ولربما مبعث ذلك كون أغلب العلماء في تلك الفترة كانوا ذوي أصول إيرانية ولذلك كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بإيران(37) .

وهكذا أظهرت إلى الوجود أحزاب إسلامية تحمل الطرح الإسلامي الشيعي وكرد على تغيب المرجعية عن القيام بأدوارها والرغبة في صيانة المجتمع العراقي ومواجهة تلك الأفكار والتيارات وعلى هذا الأساس مثل ولادة حزب الدعوة الإسلامية مرحلة مهمة في تاريخ الواقع السياسي الشيعي على الصعيد الفكري من خلال صياغة برنامج وأيديولوجية سياسية وفق الثوابت الشيعية وعلى طبيعة في إطار الجبهة السياسية الشيعية ذلك لأن المرجعية كانت تعد نفسها هيئة أساسية وربما من الأسباب الأخرى هو مراعاة رأي المحافظين والذين ارتأوا في تنصيب الحكيم كمرجع للشيعة حيث يعده أنصاره مجدداً(38).

 لقد ترك التصور حول عقدة الثنائية بين الحزبية والمرجعية أثراً على واقع الأداء الشيعي العام في العراق فالإطار الحزبي بشكل عام بقي غير مستقر وبحاجة إلى شرعنة من قبل رجال الدين وعلى الرغم من انتماء الصدر كرجل دين بلغ مرتبة المجتهدين إلا أن ذلك لم يفعل حاجة الحزب إلى الدعم المرجعي ولقد حظي الحزب بهذا الدعم انطلاقاً من أن أغلب مؤسسين الحزب من آل الحكيم وهو الأمر الذي أضفى إلى أفعال الحزب إطاراً شرعياً ودينياً إلا أن هذه الثنائية بقيت عائقاً قائماً خصوصاً في ظل مرجع مثل الحكيم عمد إلى تحديث المؤسسات الدينية بإنشاء المساجد والمراكز الدينية .

 لقد كان للحكيم وجهة نظر خاصة في إطار العلاقة مع السلطة فقد كان يعتقد أن المرجعية لا تقوى على مواجهة الدولة وفي ظل الوجود الشيوعي في تلك الفترة على أنه يجب أن لا تغفل حرك السلطة إزاء المرجعية فقد كان عبد الكريم قاسم متقبلاً للحكيم بصدر رحب وطبقاً للاعتبارات السياسية والمذهبية فإنه لم يكن هناك سبب يجعل الشيعة يعارضون نظام قاسم في الحكم ومع ذلك فإن المرجعية لم تستثمر هذا التلافي وهذا الرضا من قبل السلطة بل بقيت عاجزة وبعيدة عن هموم الشارع وإدارة الصراع السياسي مع الحزب الشيوعي الذي وجد أنصاراً عديدين من الشيعة سيما وأن الراضي هو السكرتير العام كان من أصل شيعي(39).

على أن التوليفة الفكرية التي أدت إلى ذلك الامتداد في إطار الوسط الشيعي هو المساواة بين الشيوعية والشيعة. حفز ذلك المرجعية من خلال الانفتاح على الشارع الشيعي ومحاولة استيعابه واحتوائه ومواجهة التيار العلماني آنذاك، مثل هذا الحزب امتداداً لحركات إسلامية في بلدان العالم الإسلامي سبقته في مجال التنظير والتأسيس كما انعكس هذا الأمر إلى النمط القيادي له الذين كانوا بعضهم أعضاء في هذه التيارات وعلى هذا فقد كانوا مجزين بالكفاءة التنظيمية ولذا فقد استطاعوا خلال فترة قليلة من جمع العديد من الأتباع كما أخذوا على أنفسهم أن يقوموا بدور الطليعة المناضلة وأرادوا أن يمثلوا المؤسسات الشيعية الموجودة بروح جديدة لا تعرف التواكل والإعداد لقيام دولة إسلامية طالما إن وجود مثل هذه الدولة هو الضمانة لتبيان تعاليم الإسلام ولتطبيق أحكام الدعوة(40)*.

لقد أدرك هذا الحزب أن نمو الأحزاب العلمانية مبعثه عجز المؤسسة الدينية وتواكلها وعجزها عن قيادة المجتمع على أن هذا الانتقاد الموجه للمؤسسة الدينية لم يمنع من إدراك عمق تأثيرها والدور الذي يمكن أن تقوم به باعتبارها تتمتع بالشريعة الدينية وإذا ما توافر لها الوعي والإدراك لمتغيرات الواقع وعلى هذا فقد حاول حزب الدعوة استقطاب عدد من رجال المؤسسة ليكونوا ضمن قيادة الحزب وقد وجدت ضالتها في شخص السيد محمد باقر الصدر الذي جمع بين الأعلمية الدينية والعقلية العلمية الرصينة في الوقت الذي كان فيه فهوم الحزبية محل أخذ ورد داخل الرؤية الشيعية نفسها المتجسدة في المرجعية الدينية التي اتخذت موقفاً ثنائياً تراوح بين الرفض والقبول فيما بعد .

وكان سبب الرفض هو ضرورة أن تكون القيادة مقلدة من قبل الجماهير بمعنى أنها قد بلغت مصاف المرجع ويحتمل أن السبب الأساسي وراء الرفض في البداية هو أن يؤدي وجود الحزب السياسي إلى حدوث ثنائية على أن عدم القبول الشيعي والرضا من أداء ثورة تموز كان أحد العوامل الحاسمة التي أضعفت السلطة وكذلك الحزب الشيوعي ويسرت لقيام انقلاب رمضان فيما بعد لقد مثل هذا الانقلاب بداية مرحلة جديدة على صعيد تعاطي رجال الدين مع الواقع العراقي خصوصاً بعد وصول التيارات القومية والعروبة وانحسار سلطة الشيعة وهو أمر حددته إنما غلب قيادات الانقلاب كانت سيئة وقد ادعى عبد السلام عارف هذه الإشكالية فسعى إلى التقرب منهم لا سيما من المرجعية الدينية التي اقترنت زعامتها بالمرجع محسن الحكيم منذ عام 1961 .

لقد حاولت السلطة كسر حاجز الخوف والشكوك بينها وبين المرجعية فتمثلت هذه المساعي في تقريب السلطة من عائلة الخالصي واستطاعت أن تحرز نجاحات عديدة في هذا المجال على أن هذا النجاح لم كين كاملاً، فحوزة النجف لا زالت غير راضية عن أداء السلطة ونظرتها للشيعة وهذا التقرب كان يمكن استثماره بشكل كبيير لولا ضعف المرجعية وعدم قراءتها الواقع السياسي واستبعاد الرؤية السياسية فغاب عنها التكتيك والإستراتيجية في علاقتها مع السلطة.

  ففي الوقت الذي أقامت فيه السلطة جسراً تواصلياً مع بعض رجال الحوزة خصوصاً عائلة البغدادي والخالصي عدا الحكيم المعروف بعلاقته الشهيرة مع الشاه، لقد خشيت حوزة النجف من هذا التقارب ولذا سعت إلى إفساده بكل الطرق مدعية أن حكم عبد السلام كان طائفياً مع أن هذه الشعارات كانت تعد وتصاغ داخل أروقة السفارتين الشاهية والبريطانية(41)، كما أنها تصدر أي السذج والجاهلين عبر العمائم المتعاونة مع هذين الإخطبوطين.

وعلى هذه فقد وقفت حوزة النجف بالضد من إجراءات عبد السلام عارف خاصة فيما يتعلق بقرار تأميم التجارة والصناعة 1964 والذي اعتبرته بأنه يؤدي إلى استبعاد الشيعة من الاقتصاد(42) وقانون الجنسية العراقية الذي أقر بأن رئيس الدولة لا بد أن يكون من أبوين عراقيين يحملون الجنسية العثمانية عام 1900 والذي اعتبره الشيعة بأنه استبعاد لم عن أهم منصب في الدولة سيما وإن الكثير منهم كان يحمل الجنسية الفارسية وأضاف إلى هذا الموقف المتأزم إصدار قانون الجنسية الجديد 1964 عندما منح لوزير الداخلية حق الجنسية من حاملها إذا ما أظهر عدم الولاء للجمهورية العراقية وإخضاع الأوقاف الشيعية لسيطرة الدولة هذه الإجراءات اعتبرتها حوزة النجف بأنها إجراءات تحمل نفس طائفية وتهدف إلى إقصاء الشيعة واستبعادهم.

 ولذا فقد أزمت الحوزة الوضع مع السلطة بشكل أكثر سيما عندما اعتبرت الحرب ضد الأكراد محرم دينياً عن طريق إصدار فتوى بذلك، لقد ضيعت المرجعية فرصاً كبيرة لبناء علاقة طيبة مع السلطة وكان دافع ذلك هو ضغوط الخارج التي كانت لا تميل إلى علاقة مع السلطة وخاصة حوزة النجف في مقابل بعض حوزة بغداد التي حالت التحالف مع السلطة .

والتعامل معها وتبنت مشروعاً تقريبياً كان من شأنه أن يقوي نمط العلاقة بين الطرفين لكل مسار هذه العلاقة سرعان ما اصطدم بنعت أسرة الحكيم المرتبطة بالشاه وعلى هذا فقد ارتضت الحوزة الارتباط بنظام خارجي وعدته أمراً طبيعياً في مقابل أن التنسيق مع السلطة والتعامل معها مثلت تهمة سعت إلى التهرب منها(43)* وعلى هذا فإن ضياع هذه الفرصة كان دافعه وف هذه الأسرة من اقتحام الواقع السياسي خشية من التهم والتشهير وأما حرصاً على وحدة المؤسسة الدينية عندما بلغ البعثيون السلطة عام 1968 .

لم يكن للشيعة أدنى تأثير لا في المعارضة أو حتى التأثير في مسار العملية السياسية مقارنة بالأكراد الذين كانت وتائر تأثيرهم تزداد يوم بعد يوم بفعل الدعم من قبل بعض القوى الإقليمية وحتى الدولية (إيران،أميركا، إسرائيل)** وكتكتيك سياسي عملت الحكومة الجديدة على مد جسور العلاقة مع القيادات الدينية الشيعية بجس النبض وإيجاد نوع من التقارب معها، بيد أن هذه الخطوة تعرقلت بفعل الانقسام داخل البيت الشيعي ذاته بين من يؤيد هذه العلاقة وبين من يرفضها لكن رغبة الحكومة كانت شديدة في تلك الفترة.

 لأن من شأن هذه العلاقة أن تؤمن الجبهة الداخلية هو أمر تحتاجه كل حكومة حديثة العهد علاوة على توظيف العلاقة الوثيقة التي تجمع المرجعية بقيادة الحكيم مع شاه إيران في تحقيق المشكلة الكردية خاصة في ظل الدعم الذي كان يلقيه الأكراد من قبل الشاه ، على أن سياسة الانفتاح التي اتخذها البعثيون لم تلق آذاناً صاغية لدى المرجعية الدينية وبالشكل الذي أدى في النهاية إلى دخول هذه العلاقة مرحلة الصراع والمواجهة سيما بعد أن اتخذ حزب البعث إجراءات صارمة ضد مؤسسات المرجعية الشيعية سواء بإغلاق أو إخضاع الأوقاف الشيعية إلى سيطرة الحكومة ، هذه الإجراءات جعلت المرجعية تفكر جدياً في اتخاذ موقف صارم ضدها، فعملت أولاً على توحيد صفوفها ولتدعو ثانياً إلى عقد مؤتمر في خريف 1969 يصدر مجموعة من التوصيات لعل من أهمها:

(1) العراق بلد مسلم وعلى هذا الأساس ينبغي على القوانين أن تضع في اعتبارها أسس التشريع الإسلامي.

(2) محاكمة مرتكبين الفضائح والاعتقالات واعتداءات الحكومة المسلحة ضد الشعب.

(3) الأماكن الشيعية المقدسة ملك لجميع المسلمين والحكومة، وأية حكومة غير مسموح لها بمنع الزائرين من زيارة هذه المقدسات.

(4) مدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء مراكز للمدارس العلمية والدينية ويجب أن تظل مفتوحة أمام جميع الطلاب بغض النظر عن جنسيتهم(44).

وكتعبير عن قمة الصراع والمواجهة فقد اتخذت المرجعية قراراً بالذهاب إلى بغداد وهي محاولة أريد منها نوع من إظهار القوة أمام السلطة وليس من المستغرب وفق هذا المنحى من الصراع لم يكن من المستغرب أن تحاول السلطة إثارة الإشكالات أمام المرجعية وربما فكرت المرجعية بمحاولة خلق المشاكل والعقبات أمام الحكومة: فالحكومة اعتقدت أن المرجعية الدينية لا زالت ترفض الحوار ولا زالت تثير المشاكل كما أن علاقاتها مع الشاه تخلق العديد من علامات الاستفهام، بينما اعتقدت المرجعية أولاً بأن حكم البعث هو قبل كل شيء حكماً سنياً يعد امتداداًَ للحكومات السنية السابقة .

 ومن شأن هذا الحكم وفق وجهة نظرها أن يقوم على استبعاد الشيعة من السلطة وربما فكرت المرجعية أو بعض أبنائها في محاولة تغيير نظام الحكم ولذا جاءت حركة السلطة سريعة عندما اتهمت مهدي الحكيم النجل الأكبر للمرجع محسن الحكيم بالتجسس وأحست السلطة بأنها في مواجهة خصم عنيد وفي طريقه نحو زيادة العنف والمواجهة على أن وفاة السيد الحكيم كانت بمثابة ضربة قوية للمرجعية فمن ناحية فقد فقدت مرجع قوي كان قادراً على إدارة الصراع مع السلطة استطاع تحريك الشارع الشيعي وأوجد قدراً من الحركة فيه، ومن ناحية ثانية فإن المرجع الجديد أبو القاسم الخوئي يختلف اختلافاً عميقاً عن الأول وكان أقرب إلى رجال الدين الذين لا يشهدون العمل السياسي ولا يحبون العمل مع السلطة وقد مثل ذلك تراجعاً في النسق القيادي الشيعي باعتباره ارتداد إلى القيادة التقليدية.

بدأت المرجعية مع قدوم المرجع الجديد على تغير جديد في الطرح والفكرة فالمرجع الجديد عرف كأحد رجال الدين المعروفين إلى أن الانتقاد الذي وجه إليه هو قلة الوعي السياسي ورؤيته الفكرية التي تميل إلى الابتعاد عن السياسة وشؤونها وهذا الأمر ولد رد فعل قوي لدى مقلدي المرجع السابق الذين اعتقدوا بان البقاء على هذا المسار سيعطّل جهود الشيعة ويحجمهم ويعيدهم من جديد إلى نقطة البداية سيما وأن أتبع المرجع السابق قد شعروا بأن الفترة الماضية قد نجحت في تثبيت بعض حقوق الشيعة السياسية واستطاعت أن تحقق نوع من التقارب بين الشيعة والسلطة ولا سيما في عهد عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن عارف.

فبروز المرجعية الجديدة بتصورها هذا شخص أزمة كبيرة داخل الساحة الشيعية قوامها عدم قدرة المرجعية على احتواء الساحة الشيعية التي بدأت تميل إلى المطالبة بالحقوق السياسية والمشاركة في السلطة وهذا ما خلق فجوة بين المرجعية والجماهير الشيعية أدت فيما بعد ألى بروز مرجعيات شابه قادرة على التعاطي مع رغبات الجماهير وإيصال صوتها إلى السلطة والتأسيس لتفكير جدي بإصلاح المرجعية وهو ما تمثل ذلك بدعوة السيد محمد باقر الصدر ومن خلال اطروحته المرجعية الموضوعية التي بموجبها تتحول المرجعية من إطار فرداني مرتبط بشخصية الفقيه إلى مؤسسة متكاملة.

بلغت المعارضة الشيعية أوجهاً عندما أصبحت بقيادة محمد باقر الصدر الذي رغم خروجه عن قيادة حزب الدعوة إلا أنه بقي بشكل أو بآخر يشرف على خط الحزب ورغم إصداره فتوى عدم الانتماء إلى حزب سياسي(45).

إلا أن واقع هذه الفتوى ودوافعها هو دافع سياسي صدر تقية في إطار المواجهة مع السلطة ولذا فقد ظل الصدر يدير الحزب الذي اتبع في تلك الفترة منهجية تقوم على إعداد القواعد والكوادر الحزبية بقصد احتواء الساحة الشيعية وتنظيمها وقد تبدى ذلك في توظيف الشعائر والطقوس الدينية إضافة إلى بروز الأثر الذي تمارسه القيادات الدينية غير العراقية.

وهو الأمر الذي دفع السلطة كرد فعل على ذلك باتخاذ إجراء احترازي يمنع أفواج الزائرين إلى كربلاء هذا من جهة ومن جهة ثانية ضرورة إبعاد القيادات الدينية غير العراقية والتخلص منهم وخاصة في تلك الفترة الخميني (46).

لقد وجهت الثورة الإيرانية دفعة قوية للقوى الإسلامية الشيعية، فالأثر النفسي الذي ولدتنه التجربة والشعور ببناء أول نموذج شيعي جاء للعراق أدى بهذه القوى إلى تصعيد لمطالبها وفي نفس الوقت ولدت لديها الرغبة في تغيير نظام الحكم في العراق بصورة مقاربة للثورة الإيرانية واعتماداً على الجارة إيران ويمكن القول بن الصدر حمل في وعيه هذا التصور ولذا فقد نزع إلى تأييد إيران بصورة مطلقة كما عمل على الاعتراف بالخميني كمرجع ديني على العراقيين الشيعة وهذا التحرك كان بلا شك مرصوداًَ من قبل السلطة التي اعتبرته نتيجة ذلك العدو الأول لها، وربما كان الصدر مدركاً أن تبينه المسار الإيراني سوف لن يجعل إيران تخلى عنه بعد أن تبنى العلاقة الوثيقة معها وزيادة خط مواجهته مع السلطة والتي توجهت بإصدار فتوى تحريم الانتماء إلى حزب البعث (47).

والتي أدت فيما بعد إلى تلك النهاية المأساوية له خصوصاً بعد ورود الرسالة الشهيرة من قبل الخميني والتي تدعوه بضرورة البقاء في العراق(48)*.

التزمت المؤسسة الدينية بعد مقتل الصدر الثاني الرؤية التي تقول إن عملية التغيير في العراق لن تمر إلا بمساندة خارجية ودعم وإسناد دولي، لأنها تعتقد أن منطلقات التغيير لم تكن متواترة داخل الواقع العراقي علاوة على أن هذا الواقع كان منقسماً في إطاره بين مراجع متعددة كما أن التيار الإيراني كان ذو علاقة متأزمة مع قطاعات واسعة من الشيعة بعدما وجهت إلى إيران اتهامات بمسؤوليتها عن اغتيال الصدر أو حتى محاربته وشن حملة التشويه الإعلامي والفكري عليه، وعلى هذا فقد كان واقع المرجعية منقسماً بين تيار إيراني مدعوم مالياً من قبل إيران وتيار عربي شيعي لم يستفيق بعد من هول الضربة التي وجهت إليه وهي اغتيال الصدر.

وعلى هذا أدرك التيار الإيراني بأن الصراع مع السلطة لن يكون في صالحها لا سيما الجبهة الداخلية الضعيفة الواهنة وعلى هذا مثلت حرب الكويت فرصة مهمة للمرجعية حاولت توظيفها واستثمارها إلى أبعد حد، ومبعث ذلك سببان:

(1) فشل المعارضة الشيعية العراقية في إقامة جهة فاعلة تضم كافة الأطياف العراقية.

(2) الاعتراف بتعددية أركان المعارضة الشيعية وتجاوز الطرح الإيراني القائم على تسيّد المجل لا على الذي يمثل وفق رواية المعارضة الجهد التي تمثل طهران سياسياً وفكرياً وفشل المجلس في تنشيط دوائر المعارضة داخل العراق وفي الاتجاه الذي تريده طهران إضافة إلى ضعف التنسيق مع القوى العراقية الأخرى وحتى مع الموقف الإيراني والدولي الأمر الذي انعكس على ا داء القوى الشيعية الساعية للتغيير فالتجاذبات والتباينات السياسية بين الأطراف كانت واسعة حول رؤيتها لعراق ما بعد صدام خاصة فيما يتعلق بالمسائل الجوهرية كمستقبل النظام السياسي في العراق وحل المسألة الكردية وموقف المعارضة من القوى الأجنبية.

 وعلى هذا فقد مثلت أحداث 1991 فرصة مواتية لأضعاف النظام السياسي وتغييره. ولذا فقد تدخلت المرجعية بكل قواها في هذه المواجهة سواء من خلال الفتوى أو على صعيد مستوى الدعم المالي الذي كان يأتي عن طريق إيران وبقيادة المجلس الأعلى الذي أدخل قوات ومليشيات عن طريق الجنوب سرعان ما انتشرت في المناطق الشيعية إلا أن العمل لم يسفر عن شيء فمن جهة لم تكن هناك قيادة مركزية موحدة والأوامر كانت تأتي من إيران فحسب كما أن النظام السياسي لم يكن ضعيفاً إلى هذا المستوى بل بقيت العديد من الوحدات العسكرية بكامل قدراتها وإمكانياتها العسكرية وعلى هذا لم تكن الانتفاضة بحسب الشيعة قادرة على تغيير النظام السياسي بقدر ما خلقت الفوضى وخربت مؤسسات الدولة.

هذا من جانب ومن جانب آخر لم تستطع هذه الانتفاضة أن تتجاوز البعد الطائفي وإشراك الأطياف الاخرى بل تجسد فيها البعد الطائفي ولم يفلح إنكار المراجع وحتى الحكومة الإيرانية والذي طالما وصم بأنه يعرض النموذج الشيعي وهكذا شخصت المرحلة السابقة المأزق الذي وقع فيه التيار الإيراني عندما بدت إيران والتيارات المرتبطة بها ( المجلس الأعلى، حزب الدعوة، والعديد من التنظيمات الأخرى مسؤولة عن فشل حركة التمرد، شخصت فشل هذه الحركات في احتواء الشارع الشيعي لتخلق أكثر من تساؤل أمام الجماهير الشيعية حول صدقية هذه الحركات وطبيعة علاقتها بإيران وصدقية الأخيرة معها(49).

مثل ظهور الصدر الثاني مرحلة جديدة في صيرورة العمل الإسلامي والذي استطاع بكفاءته الخاصة احتواء عجز المؤسسة الدينية من خلال أطروحة المرجعية الناطقة المقابلة للمرجعية الصامتة واستيعاب الشارع الشيعي لكن هذا النجاح جوبه بمعارضة كبيرة من داخل الحوزة لا سيما من قبل فقيه آخر لينتهي هذا الصراع في داخل أروقة الحوزة العلمية التي شهدت صراعاً بين خطين أساسين الأول الخط العراقي المعبر عن آمال وتطلعات الشارع العراقي وبين الخط المرتبط فكرياً وروحياً على السلطة مع أن المعطيات المادية تؤشر ضلوع قوى شيعية في عملية الاغتيال .

 مثلت عملية الاغتيال فرصة ذهبية لعودة الخط الإيراني من جديد لتعود القيادة من جديد للمرجع الآخر وهو الأمر الذي أدى إلى فراغ داخل الساحة الشيعية فلا المرجعية مارست دور القيادة ولا هي سمعت لأي شكل من أشكال القيادة لرموز آخرين مارستها، وصناعة النموذج الإسلامي الشيعي العراقي .

وعلى هذا شهدت الفترة المقبلة سعي الخط الإيراني إلى محاولة تشويه النظام العراقي عبر تأجيج الرأي العام العالمي وتعظيم مخاوفه من خطر النظام البعثي في العراق واتهامه بحيازة الأسلحة الذرية ولقد لقي هذا الطرح قبولاً لدى الطرف الأميركي لينتهي هذا التنسيق بين الطرفين في رعايا أميركا للأطراف العراقية بقصد الإطاحة بالنظام البعثي الذي اعتبرته بعد 11 أيلول العدو الرئيس لها لينتهي هذا الصراع في النهاية في شن الحرب الأخيرة على العراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003.

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: