كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
أمل والشيعة نضال من أجل كيان لبنان ... موسوعة الرشيد
الزحف الشيعي في الخليج والوطن العربي
أمل والشيعة نضال من أجل كيان لبنان
تاريخ الاضافة : 13/02/2011

 

 

أ. ر نورثون

ترجمة غسان الحاج عبد الله

 

كلمة الناشر

يرصد هذا الكتاب عملية تسيس الطائفة الشيعية ودخولها معترك الحياة السياسية اللبنانية, في صراعاتها الداخلية مع الإقطاع السياسي, أم في علاقاتها مع الطوائف الأخرى وسائر القوى الإقليمية والدولية وبروز حركة أمل في وسط هذا المخاض, عارضًا نشأتها ودور مؤسسها الإمام موسى الصدر, ومتابعًا مراحل نموها, والمخاطر التي تحدق بها وبممثلي خطها المعتدل وآفاق تطورها, شارحًا الأسباب التي مكنت أمل من لعب مثل هذا الدور الهام في الحياة السياسية في لبنان, وهو بعمله هذا إنما يعالج مسائل سياسية راهنة, تمتاز بأهميتها لدى صانعي السياسة في كل مكان.

وهو نموذج عن الدراسة الأكاديمية الموثقة والتي تستند إلى المقابلات الشخصية ومعايشة الوضع ميدانيًا, استنادها إلى المراجع والمصادر ونظريات علم الاجتماع وعلم السياسة الحديثين, وهو إذ يؤسس على كافة الدراسات والمقالات الغربية, والمحلية التي كتبت حول الوضع في لبنان, فإنه لا يكتفي بمجرد الاستشهاد بها, بل يعرضها في إطار نقدي مبينًا أوجه قصورها عن استيعاب حقائق الوضع اللبناني, والكتاب بهذا المعنى دراسة نقدية للعديد من المؤلفات التي تعاطت مع الظاهرة الطائفية في لبنان.

الناشر

 

 

 

مدخل

قبل 25 عامًا اجتمعت مجموعة من المثقفين والديبلوماسيين والصحافيين والموظفين لدراسة آفاق التنمية والديمقراطية في لبنان مستلهمين إنجازات العهد الشبابي, ولقد سادت في الاجتماع نزعة تشكيكية رغم تطلع المجتمعين نحو المستقبل بروح يحدوها الأمل, ورغم أن بعضهم نبه إلى احتمال الانهيار السياسي للدولة اللبنانية إلا أن غالبيتهم الساحقة لم تتوقع ذلك, وبدا كأن خلاف المشاركين من لبنانيين وأجانب والذين يمثلون مصالح وآراء مختلفة قد انحصر حول قضية واحدة, إذ تمحور النقاش حول ما إذا كان على النظام اللبناني أن يخضع لتغير جديد أو مجرد إصلاح يتلاءم مع المطالب الجديدة.

وبتعبير آخر: هل النظام اللبناني هو نظام شرعي أم لا؟ كان البعض يأمل في أن يبقى النظام اللبناني على حاله مع بعض التغييرات الطفيفة, بينما تطلع آخرون بقوة إلى تغييره, فأما الذين كانوا يتمنون بقاءه فقد جنحوا إلى المبالغة في تضخيم حسناته, بينما أسهب الذين كانوا يتوقون إلى سقوطه في الحديث عن سيئاته.

كان العهد الشهابي قد نصب بمساعدة الأمريكيين, على أثر أزمة 1957-1958 نشبت هذه الأزمة, كما هو الحال تقليديًا في لبنان, نتيجة عدة عمليات محلية وإقليمية إضافة إلى نزعات متفاقمة كان القوي والضعيف منها على السواء يحاول كسب بعض المواقع الآنية لمصلحته فعلى الصعيد الداخلي تركز الخلاف على المسألة التالية: هل على الديمقراطية اللبنانية أن تسعى إلى الاستمرار في تأمين التناوب على السلطة بين جماعات نخبوية متناحرة؟ وهو صراع كان يتمحور حول رمز مركزي هو رئاسة الجمهورية, أما إقليميًا فدار الصراع على ما إذا كان على لبنان أن يتماهى كليًا مع الحركة القومية العربية.

اتسمت السنوات الست للعهد الشهابي بقيادة اللواء شهاب القوية إذ وازن بين التضامن العربي والسيادة اللبنانية, كما وازن للمرة الأولى بين مصالح النخبة وحاجات فقراء الريف, سعى الحكم الشهابي إلى تقوية الدولة وتقوية سيطرتها على التنمية الاقتصادية والأمن الداخلي وصياغة السياسة الخارجية.

وبينما نجح شهاب في الإيحاء بالثقة بمستقبل لبنان, خضعت سياسته القائمة على مركز سلطة الدولة وإعادة توزيع الثروة الوطنية إلى هجوم متزايد, فلقد أراد المحافظون أن يستغلوا الاستقرار الذي تم التوصل إليه مؤخرًا لمنع أي تغيير لاحق, بينما خشي المتطرفون من أن يؤدي استمرار السياسات الشهابية إلى استقرار النظام الطائفي, ولقد فشل شهاب في ترسيخ شعور الالتزام بالنظام اللبناني, إذ حافظ اللاعبون الرئيسيون على ورقة احتياطية, ألا وهي الحق في الانفصال عن المجتمع السياسي.

إلا أن النظام اللبناني لم ينهار بفعل الضغوط الداخلية وحدها, فلقد زادت الأعباء التي ينوء النظام بحملها بفعل تزايد حدة الصراع العربي الإسرائيلي بدءًا من العام 1967 وانقلاب ميزان القوى كنتيجة لحرب الأيام الستة, هذه الصعوبات الإضافية, التي جاءت في أعقاب الجهود الساعية إلى تفكيك بنية السلطة المركزية الشهابية, أربكت أجهزة الدولة اللبنانية والأمنية والسياسية وشلت البرلمان وهكذا فقدت الدولة اللبنانية السلطة على أراضيها وأصبحت عاجزة عن اتخاذ أي قرار دون تدخل لقوة أجنبية.

وما تبقى من سيادة القانون والنظام أو من السيادة الإقليمية وسلامة الأراضي تكفلت أحداث 1975 وبروز الصراع بين الموارنة والفلسطينيين بتدميره, فالحرب الأهلية اللبنانية التي أرخ لبدايتها في شهر نيسان 1975 ما زالت تتفاقم حتى يومنا هذا ويبدو أن لا حل منظور لها, طالما أن حل مشاكل لبنان مرتبط بحل مشاكل إقليمية أخرى, وبما أن إمكانية التسوية الداخلية تعتمد على دعم الحكومات الأجنبية.

رغم انهيار لبنان وتحوله إلى كتلة من العنف والفوضى إلا أن شرعيته الدستورية لا تزال تحتفظ حتى الآن بمظهرها الخارجي, فما زال أمين الجميل متشبثًا برئاسته وما زال مجلس الوزراء قائمًا يجتمع أحيانًا إما بكامل أعضائه أو ببعضهم, بل وحتى يفشل رسميًا في التوصل إلى الاتفاق, وما زال لبنان ممثلاً في الخارج عبر بعثاته الدبلوماسية, كما أن الجيش اللبناني لا يزال قائمًا أيضًا، وتجري حاليًا مناقشة حادة تهدف إلى مراجعة الدستور, كما لو كان الدستور الحالي هو الذي يحدد توزيع السلطة والثروة والمسئوليات, كذلك يتجدد النقاش حول الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لعله من أكثر الأمور مدعاة للسخرية, في الحياة السياسية اللبنانية, أن العديد من مآسيها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمشكلة الخلاف حول من يتولى رئاسة الجمهورية. ورغم أن الرئاسة قد جردت من كثير من سلطاتها وبالتأكيد من كل امتيازاتها فما زال هذا المنصب يتبوأ مكانًا مركزيًا في أي تسوية إلى الحد الذي يدفعهم إلى التقاتل حوله, ورغم أن الرئاسة هي حاليًا من نصيب الموارنة إلا أنه ما أن يقترب موعد الانتخابات حتى تصبح الشغل الشاغل لجميع الفرقاء.

وبينما انحدرت العملية السياسية إلى مستوى النزاع المسلح, إلا أن اللبنانيين ما برحوا يشعرون بأن ثمة ما يربط بينهم سواء عبر المؤسسات المنهارة أم الحقائق الديمغرافية التي تحدد أطر النظام الاجتماعي الديناميكي الذي ينتمون جميعًا إليه.

لقد انفجرت الحرب الأهلية اللبنانية عشية انتخابات 1976 الرئاسية واجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 أي عشية الانتخابات الرئاسية أيضًا, أما ولاية أمين الجميل فستنتهي في عام 1988, وبما أن هذا الإيقاع في السياسة اللبنانية ما زال مستمرًا رغم انهيار الدولة, فستشهد السنة القادمة جهودًا متزايدة بين اللاعبين المحليين والإقليميين لمعرفة أي المرشحين سينسحبون وأيهم سيبقى حتى النهاية, وبينما يضع كل لاعب محلي وإقليمي رهانه فإن محصلة المناورات ستحدد نوعية الحياة السياسية في لبنان للسنوات الست القادمة, إما استمرار دوامة التوازن السلبي وإما تسوية هشة.

إن سلطة وسيادة الحكومة اللبنانية تكاد تكون معدومة, إلا أن العديد من اللاعبين المحليين والإقليميين على حد سواء لا زالوا يتمسكون بوهم أن تكون الشرعية قاعدة تسوية ما في المستقبل, وإلى أن يتحقق ذلك فقد شهدت البلاد نوعًا من تقسيم الأمر الوقع إلى كانتونات فرزت الفئات الدينية المختلفة أو الطوائف نفسها في كل منها, أكثر من ذلك فحتى التفاصيل الجغرافية في هذا البلد الصغير, كحدود كل كانتون طائفي, ذات أهمية قصوى, فالكانتون الماروني لا حدود مشتركة له لا مع سوريا ولا مع إسرائيل, بينما الكانتونان الشيعيان تحد أحدها إسرائيل والآخر سوريا, أما الكانتونان السنيان الساحليان فهما مدينيان أساسًا, ومثقلان باللاجئين الفلسطينيين, وأهمها محاط بشيعة وموارنة ودروز عدائيين.

إن تعددية الطوائف بالإضافة إلى الكنتنة وتركز السكان تشكل عقبات, لا يمكن تذليلها, في وجه من يبغي السيطرة على لبنان من الخارج وفي وجه أولئك الذين يسعون للتوافق مع مواطنيهم, فلا سوريا ولا إسرائيل ولا فرنسا ولا الولايات المتحدة, تمكنت من فرض إرادتها على البلاد, أما الذين سعوا فقط لمنع الحلول وتعميق الهوة كإيران أو ليبيا فقد كانوا الأكثر نجاحًا, ولكن حتى الذين حاولوا الاستفادة من مأساة لبنان لم يتمكنوا من السيطرة على النتائج إذ بدا أحيانًا وكأن لبنان يتجه ببطء للخضوع للهيمنة السورية, إلا أن الموارنة والدروز والشيعة وحتى الفلسطينيين ما لبثوا أن أظهروا فجأة عن قوة المقاومة لديهم, أما إسرائيل فقد فرضت من جهتها, مع بعض المساعدة الأمريكية, اتفاقًا على لبنان بدا وكأنه يحدد علاقات البلدين المستقبلية إلا أن هذا الاتفاق لم يبرم أبدًا وانتهى به الأمر إلى الإلغاء؛ لذا يبدو من غير المحتمل أن تنجح أي قوة أو مجموعة قوى في فرض وضع سياسي معين في لبنان لا يكون اللبنانيون راغبين فيه, بل يسود بدلاً عن ذلك, نوع من الاتفاق السلبي على ترك المستقبل مفتوحًا بما قد يحمله من شرور جديدة لا تزال طي الكتمان.

إن كان ثمة حل لمشاكل لبنان أو كانت هناك أي إمكانية لإعادة النظام والطمأنينة إليه فهذا الحل على الأرجح لا بد أن يتوصل إليه اللبنانيون أنفسهم, من المؤكد أن هذا الحل لن يكون مناوئًا لسوريا أو لإسرائيل ولا للولايات المتحدة وروسيا ولا حتى لإيران ربما, إلا أن مسئولية الشعب اللبناني في تحديد مصيره هي مسئولية رئيسية, قد يكون صحيحًا أن اللبنانيين ليسوا المسئولين الرئيسيين عن انهيار دولتهم فربما كان السبب الرئيسي للتدهور السياسي في لبنان يتمثل في انعكاسات الأزمة الفلسطينية, أو النزعة التوحيدية السورية, أو الطموحات المصرية, أو دور الليبيين في إثارة المشاكل أو الحذر السعودي, أو الحمى الثورية الإيرانية, إلا أن أحدًا من هذه القوى لم يحدد كيفية رد اللبنانيين أنفسهم على هذه التحديات.

تمثل الاتجاه الغالب في رد النخبة السياسية اللبنانية على هذه التحديات في محاولة التأكيد على الشرعية اللبنانية مع الامتناع عن استخدام قوة هذه الشريعة لحماية سلطة الدولة, وفي الوقت نفسه كانت شرعية الدولة تتلقى الضربات من اتجاهين على الأقل, جاء التحدي الأهم الذي واجهته الدولة اللبنانية من الفلسطينيين وحلفائهم السنة الذين اتهموا بحق الحكومة اللبنانية بالسعي للبقاء على الحياد في الصراع العربي الإسرائيلي, وطالبوا بأن تقوم سياسة الدولة على قاعدة أديولوجية حركة القومية العربية, أما التحدي الآخر فرغم أنه كان أقل تمفصلاً, إلا أنه شكل على المدى الطويل نفس خطورة التحدي الأول.

وقد نشأ هذا التحدي عن التغيير الديمغرافي, دعا التحدي المتمثل بالحركة القومية العربية إلى اعتماد وجود الأكثرية المعنوية التي تمثل الثقافة المهيمنة والصورة الذاتية للسنة العرب كأساس للصيغة السياسية اللبنانية الجديدة.

وسعى إلى جر لبنان إلى تبني خط الدول العربية الأخرى, أما مفهومها للديمقراطية فقد كان لا ينفصل عن مفاهيم القومية والشعبية وبناء الدولة, فأمام ضرورة وجود أغلبية معنوية قوية, قال هؤلاء بلا شرعية التعددية الطائفية, القائمة على أساس غياب الأكثرية, ورأوا أن فساد النظام اللبناني يعود إلى أنه يعمد في مجال الدفاع عن مصداقيته إلى استبدال الأمة العربية بجزء صغير منها.

أما تحدي التغيير الديمغرافي فلم ينف ولا هو ينفي الآن مشروعية الطائفية بشكل عام, بل إنه يعترض على صيغة طائفية بعينها, وهي الصيغة التي اعتمدت منذ حوالي 40 سنة, قامت هذه الصيغة على قاعدة الافتراض بأن اللبنانيين ينقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين المسلمين والمسيحيين, كما اتفق على أن المسيحيين يشكلون أغلبية ضئيلة, واعتبر أن هناك أسبقية لأحد المذاهب داخل كل من الطائفتين الأساسيتين: الموارنة بين المسيحيين والسنة بين المسلمين, وهكذا كان من المفترض أن يعمل هذا النظام الطائفي طالما استمر التعاون بين الموارنة والسنة, اهتز هذا التفاهم لكون الفلسطينيين حلفاء السنة قد تقدموا بمطالب رفض الموارنة قبولها, ولكون الشيعة قد ازدادوا حتى أصبحوا أكبر بكثير من أي مذهب إسلامي آخر.

زادت هذه التغيرات من صعوبة الوصول إلى اتفاق سني ماروني وجعلته يبدو أقل أهمية ما أن يتم تحقيقه, وأخذ الشيعة يظهرون ميلاً متزايدًا لرفض الخضوع للقيادة السنية, فلم يكتفوا برفض الصيغة الطائفية القائمة, بل ورفضوا أيضًا المقترحات البديلة القائمة على فكرة المجتمع السياسي الواحد, ولقد تم طرح خيار التعاون الشيعي الماروني, إلا أنه يبقى الاتفاق على مسألة الغلبة ضمن النظام كله.

طالب الماورنة بوصفهم أكبر مجموعة دينية ضمن الطائفة المسيحية بموقع قيادي في الدولة ككل, بل وتسنى لهم تبوء هذا الموقع بالفعل, وبالمقابل وبما أن الطائفة الإسلامية تشكل الآن أكثرية في المجتمع اللبناني, وبما أن الطائفة الشيعية هي الطائفة الأكبر داخلها فهي تطالب بموقع مشابه للموقع الذي يتمتع به الموارنة إلى يومنا هذا, ثمة حجج جيدة ومنطقية لتبرير قيام تحالف ماروني شيعي, إلا أن هناك بعض الفرقاء المنافسين داخل كلا المذهبين يعارضون قيام مثل هذا الاتفاق ما لم يضمنوا تحسين مواقعهم الخاصة.

بالإضافة إلى أن صيغة كهذه تتطلب دعمًا خارجيًا من إيران وسوريا وإسرائيل, ويبدو أنه من الصعب توقع حصول هذا التأييد من كافة القوى الخارجية دفعة واحدة.

قبل 25 سنة, كان أولئك الذين يعرفون لبنان بشكل جيد يتجادلون حول نظامه الطائفي, بعضهم رأى أنه لن ينجح بينهما, رأى آخرون أنه يجب ألا ينجح. إلا أننا نجد الآن أن الخبراء ينظرون إلى النظام الطائفي بوصفه الحل الوحيد القادر على تأمين الدعم الكافي له لجعله حلاً قابلاً للحياة, أما الآن وقد انهار النظام القديم وانهارت معه تلك القيم التي يفترض بالصيغة الجامدة أن تحافظ عليها فإنه يجري استعادة الحل الدستوري نفسه كما لو أنه قادر على استعادة تلك القيم, إلا أن نظامًا طائفيًا يبنى على غلبة الشيعة لن يكون مجرد عملية تكييف برغماتي للنظام القديم فلقد كان النظام القديم ملتزمًا أيضًا بأيديولوجية سياسية ليبرالية وبمثل الديمقراطية التعددية, أن نقاد النظام القديم محقين في قولهم: إن النخب القديمة قد خانت هذه القيم, إلا أنه يجب أن لا نكون من السذاجة بحيث نعتبر أن استعادة الطائفية في ظل شروط ديمغرافية جد مختلفة سوف يستعيد أيديولوجية النظام القديم المتناقضة ذاتيًا.

إن مفتاح الحقائق السياسية اللبنانية المتغيرة يكمن في تغير موقع الشيعة؛ إذ لا يقتصر الأمر على كون الشيعة هم الآن أكبر جماعة دينية في البلاد, وبل إن نمط حياتهم التقليدي قد تعرض لهزات عميقة, إذ غزا أناس غرباء مناطقهم التقليدية, وتراوح مصير زعمائهم التقليديين بين التنازل وبين الإزاحة بالقوة, لا يزال الشيعة في لبنان ضعفاء وفقراء ومستغلين سواء من قبل شيعة آخرين أم من طوائف أخرى, وهم ما زالوا منقسمين سياسيًا يبحثون عن هوية يجدون فيها أنفسهم, ولقد تمكنوا حتى الآن من تجنب الخضوع لأية جماعة أخرى أو استتباع مصالحهم لتكتيكات دولة مجاورة, ومن المستحيل التنبؤ فيما إذا كانوا سيتمتعون طويلاً بهذا القدر المحدود من الحرية والفرصة التي يمنحها, والتي قد يتوصلون عبرها إلى إيجاد نوع من الإجماع فيما بينهم, فالكثير يعتمد على ما إذا كانوا سيتوصلون إلى تفاهم ذاتي كهذا, وعلى ما إذا كانوا سيجدون نوعًا من تسوية للأمور مع مواطنيهم اللبنانيين.

يعالج هذا الكتاب مسألة المصير السياسي لشيعة جنوب لبنان وبالتالي لمصير لبنان نفسه, ويقدم تحليلاً سوسيولوجيًا وديمغرافيًا لأبعاد المشكلة الموضوعية, إلا أنه يقدم أيضًا وصفًا للحالة الناجمة عن الأحداث على الصعيد الإنساني, فرغم تميز الأحداث اللبنانية بأهميتها البالغة وتأثيرها على مجريات السياسة العالمية إلا أنها من صنع حفنة من الناس غالبًا ما يكونوا بسطاء, ولكي نفهم الطروحات والاستراتيجيات التي تبدو منطقية لتلك الحفنة من الرجال التي تتبناها على الأرض, لا بد لنا أن نفهم فورية الوضع الذي يجدون أنفسهم فيه،  ومن الضروري أن ندع جانبًا في هذه المرحلة انحيازنا لأفكارنا المسبقة لكي نستطيع أن نرى كيف تبدو الأشياء انطلاقًا من وجهة نظر أخرى.

لكن التوحد مع الآخر ليس كالتعاطف معه, كما أنه لا معنى للتماهي مع الخصم إلى حد تحويل وعي المرء لذاته, ورغم أنه لا يمكن أن نتعلم شيئًا دون أن نغير أنفسنا إلى حد ما, ولا يمكننا أن نعقد صلحًا مع خصمنا دون أن نتحول إلى أشخاص مختلفين, إلا أن جزءًا كبيرًا من الأزمة في لبنان يعود بالضبط لكون أبطالها الرئيسيين لا يريدون التغيير إلا أن يتغيروا هم أنفسهم.

فالتعلم والصلح يتشابهان في كونهما يتطلبان بالضرورة أن نغير أنفسنا, إلا أنهما يختلفان في كوننا نتعلم بشكل إفرادي إلا أنه يمكننا أن نعقد صلحًا دون إقامة علاقة مع الآخر, وأحسن أنواع التعلم يشبه المصالحة التي لا يعرف فيها من يؤثر بمن, والتي يقوي الوعي بالذات من هوية المشتركين فيها, وأظن أن هذا النوع من التعلم هو الذي ستجدونه في هذا الكتاب.

تعود معرفتي بالمؤلف لعدة سنوات خلت, فمنذ ذلك اليوم الذي قدم فيه إلى مكتبي في جامعة شيكاغو, ذلك الضابط الشاب الذكي والطموح, ذي الرغبة الشديدة في معرفة الشرق الأوسط وفي استخدام قدرته على التحليل في حل أحاجيه السياسية, أجدني أتساءل إن كان قد خطر ببالي آنذاك مدى الجهد والمثابرة الذي يتطلبه القيام بهذه العملية أو مدى التغير الذي سيتعرض له هو نفسه خلالها, فلقد تطلب تأليف هذا الكتاب أكثر بكثير من مجرد تعلم بعض المهارات الثقافية أو الدقة في استخدام المصطلحات السياسية؛ إذ تطلب سنوات من العيش في الشرق الأوسط كما في جيش الولايات المتحدة الأمريكية, ومن الجدير ذكره أن الطريق الذي اختاره لا ينطبق على نموذج الأكاديمي التقليدي ولا على الجندي المحترف, رغم أنه جندي وأكاديمي في آن.

ليست هذه هي الأطروحة التي كان ديك نورتون يظن أنه سيكتبها, كما أن الشرق الأوسط لم يعد ذلك المكان الذي كان عليه عندما جرى نقاش مخطط البحث, وحتى البرفسور نورتون فهو لم يتوجه أساسًا كي يجد الشيعة في جنوب لبنان بل هم الذين وجدوه, أو على الأصح فإن الظروف هي التي جمعتهما معًا.

فخدمة نورتون مع قوات الطوارئ الدولية اليونفيل شكلت الإطار العام لبحثه الميداني, ووفرت له مهامه كضابط اتصال مع السكان فرصة اتصال يومي عملياتي مع الشيعة, ولكن حتى ولو لم يكن ينوي في البداية أن يكتب عن حركة أمل, فإن البروفسور نورتون كان مؤهلاً لنقل التجربة إلى المجال النظري والانتقال من حل المشاكل إلى التحليل النظري, فاستغل الفرصة لكسب تجربة وخبرة عيانية مباشرة مع ما بدا له أنه أحد أقصى المناطق في الشرق الأوسط, مما مكنه من اكتساب معرفة مباشرة بإحدى أهم مشاكل عصرنا.

والنتيجة كتاب فريد من نوعه لم يكن أي شخص آخر ليتمكن من كتابته, سيقدر أهمية مضمونه أولئك الذين على اطلاع على المسألة اللبنانية كما سيقدرون ذلك التقديم المتفهم, أما الذين لا يعرفون المنطقة بشكل جيد فسيتمتعون بوضوح وعمق وذكاء التحليل, والأهم من ذلك كله أن الكتاب يطغى عليه شعور بالاحترام والصدق والتجرد نحو أولئك الذين يتابع الكتاب قصتهم المأساوية والدرامية, وهي صفات يجب تثمينها غاليًا خصوصًا في هذه الأيام التي تحفل بمن يرى مصلحة له في تضخيم أو تبسيط ما يحدث في جنوب لبنان.

أما بالنسبة للقارئ المحترف فليس ثمة ضرورة للقول أن هذه الدراسة لحالة خاصة من حالات التطور السياسي، وهي واحدة من تلك الحالات غير النمطية, إلا أنها لا تقوض أي نظرية ولا تشكل قاعدة لنشوء مفاهيم جديدة كليًا حول العالم النامي, بل هي تغني فهمنا لعملية النمو التطور عبر أخذها لمنحى مفاجئ وغير متوقع في تطور الأحداث, ووضعها الأحداث في إطار مرجعي مفهومي, وهي تمنحنا فهمًا أكثر عمقًا لحدود النظريات القائمة وللطرق التي يمكن فيها أن نطبق ما كنا نعتقد أننا قد فهمناه.

ليونارد بايندر

لوس أنجلوس

تشرين الثاني 1986.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمهيد

الإرهاب, العنف, الأزمات, الفوضى, الوحشية, المجازر والتشويه, والإعاقة الجسدية, هذا ما يتبادر إلى الذهن بمجرد ذكر لبنان, حتى ترادف اسم لبنان مع سفك الدماء مما خلف حزنًا عميقًا لدى كافة الذين عرفوه في الماضي, بل وحتى للذين لم يعرفوه سوى كبلد مزقه العنف, فلبنان حتى في أسوأ أوقاته, يتمتع بجاذبية أخاذة, بل لعلي أجزم أنه لا يوجد في الشرق الأوسط, وربما في العالم كله, بلد ساحر كلبنان فهو بتعقيداته السياسية والاجتماعية ومهارة مواطنيه في التعامل مع الأجانب والتلاعب بهم ومناخه الرائع ومأكولاته الشهية, يخلف لدى كافة الذين عرفوه سواء في أوقاته الهنيئة أم العصيبة شعورًا بالارتباط العاطفي من الصعب زحزحته, وتنهار أمام قدرته على الأخذ بمجامع القلوب مقاومة أشد الناس تطلبًا, واللقاء معه على مرارته الحلوة يبقى محفورًا في الذاكرة.

فتذكر لبنان يتخلل ويسيطر على أحاديث الدبلوماسيين والصحافيين ورجال الأعمال والأكاديميين من الذين قاموا بزيارته ولو مرة واحدة, هذا ما لاحظته في أيار وحزيران 1986 لدى لقائي بعدد من الذين زاروا لبنان سابقًا خلال زيارة قمت بها لإجراء أبحاث في مصر, فرغم أن الأحداث التي كانت تضج بها مصر وليبيا وإسرائيل وأماكن أخرى في الشرق الأوسط كان يجب أن تكون محور أحاديثنا, إلا أنه لم يكن يمضي سوى قليل من الوقت حتى نجد أن الكلام قد اتجه نحو لبنان, وأخذ القوم يروون حكايات ونوادر رهيبة أحيانًا, وفاتنة ساحرة في أحيان أخرى, ولاحظت أن توقعاتهم بالنسبة لمصير لبنان التي كانوا يدلون بها بين الفينة و الأخرى تعكس مدى اهتمامهم بما يجري في لبنان وقلقهم على مصيره, وكما لا بد أن يكون القارئ قد استنتج, فأنا أيضًا لم أنج من هذه الأعراض, لكني أثق بأن قارئ هذا الكتاب سوف يجد أن تجربتي في لبنان لم تمنعني من وصف وتحليل علله بتجرد وإخلاص.

لقد حاولت جهدي أن أكون موضوعيًا, وأرجو أن لا تكون هذه الموضوعية قد حجبت إمكانية رؤية الجانب الإنساني من اللبنانيين, ذلك الجانب الذي نتشارك به جميعًا, فسواء كنا علماء اجتماع أم ببساطة أعضاء من الجنس البشري, علينا أن لا نقع أسرى أطرنا المفهومية, أو نقع في اللامبالاة إزاء العنف الممل في تكراره, فلا نسمح لأنفسنا ولو للحظة واحدة أن ننسى أن المأساة اللبنانية هي مأساة بشر من لحم ودم, وأنا أعلم أن هذه الملاحظات لن ترضي بعض منظري واقعية القوة في العالم, أو بعض المعلقين الذين يفضلون أم يجردون لبنان من إنسانيته حتى أكثر مما فعل اللبنانيون أنفسهم, إلا أننا جميعًا نعرف ما أدت إليه وجهات النظر هذه من كوارث.

حاولت في هذا الكتاب, أن أساعد القارئ على فهم جذور التفتت في لبنان, إلا أنه ليس كتابًا في تعداد الآلاف من الطرق التي ابتكرها اللبنانيون لتدمير الآخرين وتدمير أنفسهم, وهذا لا يعني أنه علينا أن نتجاهل التذابح, أو أن نتقبله ونتغاضى عنه, لكن إن لم نحدد الإطار الاجتماعي والسياسي الذي ازدهرت الفوضى من خلاله, فلن يكون هذا الكتاب أكثر من تحقيق صحفي مثير, وإني إذ أرفض ذلك المنظور العصري الحاد الذي يبدو للعيان أنه لا يخدم إلا نفسه, والذي لا يرى في سفك الدماء في لبنان, إلا نتيجة مباشرة لعدائيات بدائية بين مجموعات من البشر نشأوا بطريقة ما بشكل معاق متخلف, أرفض أيضًا ما يقوله أولئك التبريريون الذين يرون أن العنف في لبنان, إنما يعود بشكل مباشر لتلاعب وتدخلات القوى الخارجية فيه, فكلا النقيضين لا يلتقط حقيقة وتعقيدات الاضطرابات المستشرية في لبنان, فإذا كان من الصحيح أنه أمر ليس بهذه السهولة, إلا أنه لا يستعصي على الفهم.

لقد لعبت الطائفية والتدخلات الخارجية دورًا مهمًا دون شك, إلا أن هناك عوامل أخرى لا يمكن اعتبارها فريدة في جمهورية متوسطية منكوبة الحظ كان دورها لا يقل أهمية عن ذي قبل, نشأت هذه الأزمة إلى حد كبير عن اللا مساواة الاجتماعية, والظلم والحرمان ثم فاقهما الطموح الشخصي والتقديرات السياسية الخاطئة للزعماء اللبنانيين, الذين كانوا يخلطون غالبًا بين القيادة وبين الجشع.

إن الصراع على قلب لبنان السياسي لا يمكن فهمه كمجرد تنافس على السلطة بين الطوائف اللبنانية, فالصراعات داخل كل طائفة هي على ذات المستوى من الأهمية إن لم يكن أكثر من الصراعات الأولى, فهي تعكس وجهات النظر المختلفة على ماهية لبنان الحالية واتجاهات تطوره. وتشكل حالة الشيعة نموذجًا صارخًا على ما نقول ([1]), فحيث تصب جهود حركة أمل للحفاظ على وحدة دولة غير متجانسة ومعاقة يجري تحديها بشكل جدي من قبل مجموعة من الشيعة الجذريين الذين يسعون لتركيب حكم إسلامي في لبنان, ويظهر حجم هذا التحدي بوضوح عبر البيان الذي أصدره حوالي 60 عالمًا دينيًا لبنانيًا في رمضان أيار حزيران1986 يدعون فيه إلى إنشاء نظام إسلامي بوصفه علاجًا لكافة أمراض لبنان ([2]).

تتميز الطائفة الشيعية في لبنان التي يركز عليها هذا الكتاب, بالتزام عميق ببقاء لبنان لم يتزحزح حتى عندما عقدت كفاحيتهم المكتشفة حديثًا من مهمة إصلاح النظام السياسي اللبناني الفاقد الأهلية, فلطالما برهن الشيعة عن قدرتهم على العمل على تسهيل إعادة إنتاج النظام السياسي القديم. أما إذا كان المستقبل سيجدهم يعملون على عرقلته فإن هذا يبقي واحدًا من الأسئلة الرئيسية التي تنتظر الإجابة. لكن بغض النظر عن دورهم, فمن الواضح أن حضورهم المستجد الذي اتسم حتى عهد قريب بالسكون والهدوء, سينعكس على شكل وملامح الحياة السياسية اللبنانية.

بدأت أتعرف إلى الشيعة لدى التحاقي عام 1980 بمنظمة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (يونتسو) كمراقب عسكري غير مسلح, ولم أكن قد جازفت بالذهاب إلى لبنان بهدف دراسة سياسات الشيعة, بل لعب الحظ دوره في منحي فرصة غير معتادة للقيام بأبحاثي, فعندما التحقت باليونتسو كنت آمل أن أكون قادرًا على استخدام أوقات فراغي؛ لإجراء بحثي الميداني حول موضوع أطروحة الدكتوراة التي كنت أعدها في جامعة شيكاغو عن القومية الفلسطينية, إلا أنه بعد سنة من الدراسة المكثفة للغة العربية بما فيها اللهجة المصرية, وجدت نفسي معينًا في جنوب لبنان, حيث يعتبر حتى حديثي العهد بالعربية من الأجانب, عملة نادرة.

فوجئت بعد وصولي بقليل, بإسنادي مهام ضابط الارتباط بين القوات الدولية (اليونفيل) والسكان ولقد عشت حوالي السنة (من حزيران 1980 إلى حزيران 1981) بشكل مستمر تقريبًا في كفر دونين وهي قرية شيعية غير بعيدة عن الحدود مع إسرائيل, تقع ضمن منطقة عمل القوات الدولية في جنوب لبنان ([3]), وكنت أقضي أكثر أوقاتي في التوسط لحل الخلافات أو النزاعات الصغيرة واستباق المشاكل المتعلقة بالأمن وتحسين شروط المعيشة السيئة للبنانيين الموجودين ضمن نطاق عمل القوات الدولية (وهي مهمة لم تتسم دائمًا بالسهولة, إذا أخذنا بعين الاعتبار بنية اليونفيل البيروقراطية المزعجة), وكنت أقضي -بفعل طبيعة عملي نفسها- ساعات عدة كل أسبوع في زيارة القرى حيث كنت أشرب القهوة وأشاطر الفلاحين الطعام والشراب كتعبير عن ضيافتهم الكريمة البسيطة.

من أصل حوالي المليون شيعي في لبنان, يعيش 40 % منهم في جبل عامل, الذي يقع قسم كبير منه ضمن منطقة عمليات القوات الدولية في الجنوب ( جبل عامل هو المنطقة التي تقع شرقي صيدا وصور وشمالي الجليل وجنوبي الشوف ((عامل)) هو اسم قبيلة يمنية هاجرت إلى المشرق في العصور السابقة للإسلام, وكان قد بات واضحًا في أوائل 1980 أن الطائفة الشيعية التي طالما كانت سهلة الانقياد, قد وجدت نفسها سياسيًا عبر حركة أمل, لذا فقد كانت إحدى أولى مهامي الرسمية التي كلفت بها من قبل اليونفيل أن أنشئ علاقة ارتباط مع قيادة أمل في الجنوب, ونظرًا لتعاطف الشيعة مع إيران فلم أكن، بصراحة, أتوقع أن أحقق -أنا الأمريكي- نجاحًا يذكر في هذه المهمة، كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت منشغلة تمامًا بأزمة الرهائن، وكانت قبل وصولي بقليل قد فشلت في محاولتها إنقاذ الدبلوماسيين المحتجزين في إيران.

إلا أن الذي حدث هو أن مسئولاً لحركة أمل في المنطقة, ولسوف أطلق عليه اسم (أبو علي), برهن عن كونه شخصًا يملك شجاعة نادرة, إذ وافق بعد فترة على تقبلي كإنسان لا كمواطن أمريكي, وفي الواقع, فأنا لم أكن ممثلاً للحكومة الأمريكية في لبنان, بل كنت موظفًا في منطقة تابعة للأمم المتحدة,لم أكتشف إلا فيما بعد أن موقف الشيعة اللبنانيين من الإيرانيين ذو وجوه متعددة أكثر بكثير مما أوحى لي به افتراضي المبسط الأول.

ورغم أننا لم نكن لنتفق دائمًا إلا أننا -أبو علي وأنا- كنا قد اعتمدنا مبدأ الصراحة والصدق أسلوبًا في التعامل فيما بيننا. وهكذا لم تمض بضعة أشهر حتى صرت أتمتع بصلة اتصال فريدة بالحركة. أنا لا أدعي الاطلاع على أسرار الحركة الداخلية ولكني أزعم أني حظيت بفرصة للاطلاع عن كثب على سياسة الشيعة في لبنان, من النادر أن يتسنى لأجنبي بمثلها, فبالإضافة إلى المناقشات الصريحة جدًا التي أجريتها مع أبي علي, فقد اكتشفت أن علاقتنا قد فتحت أمامي أبوابًا عدة, فرغم أن العديد من مسئولي وأعضاء الحركة لم يكن على استعداد للثقة بي كما فعل أبو علي, إلا أن معرفة أغلبهم بصداقتنا جعلتهم أكثر انفتاحًا مما هم عليه في العادة.

ولقد حضرت, طوال مدة إقامتي في لبنان, اجتماعات ومهرجانات سياسية ومجالس ذكر ( التي تحيي ذكرى عاشوراء والشهداء ) ولقاءات اجتماعية خاصة, توجت بتقديمي إلى عدد من الذين يدعمون الحركة ماليًا, خلال اجتماع حساس جدًا في عام 1981 ربما شكل ذروة علاقتي بالحركة, فقد كنت اللا شيعي الوحيد في الاجتماع المنعقد لتقييم مستوى نمو الحركة في الجنوب, وقد كان السماح لي بحضور اجتماع يشارك فيه مجموعة من الرجال الذين لم يكن من المعروف عنهم عامة تأييدهم للحركة في الوقت الذي كانت فيه العلاقات مع الفدائيين تشهد تدهورًا متسارعًا يتطلب أكثر قدر من الثقة. ولابد هنا من تسجيل تحية إكبار وتقدير لشجاعة أبي علي الذي آثر استمرار علاقتنا رغم المخاطر الكامنة في ذلك،على أن يختار الطريق الآمن المتمثل بإنهائها، وأظن أنه من الإنصاف القول دون ميلودرامية من جانبي بأن اطلاع مناوئيه الدمويين على مدى علاقتنا العلنية كان من الممكن أن يمنع أيا منا من استحضارها الآن فقد كان لدينا  في لقائنا الأخير, في عام 1981 -وهو غداء خاص أقامه أبو علي على شرفي في منزله- من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد بأن تلك هي وجبتنا الأخيرة.

ولقد احترمت من جهتي, ثقة ذلك الرجل الطيب والمرهف والذي لا يزال يمثل صوت التعقل والاعتدال, وأنا أتمنى له الخير وأشكره على إعطائي الفرصة لرؤية ما لم يكن يتسنى لي الاطلاع عليه لولاه.

ولقد ذكرت أسماء مصادر معلوماتي إن كان ذلك ممكنًا, وحيث وجدت أن الحس السليم وضرورات الأمن تسمح لي بذلك، إلا أن الوضع في لبنان ليس سهلاً, مما حملني على الاعتقاد بأن ضرورات الالتزام بالتوثيق التام ليست كافية في العديد من الحالات, كحالة أبي علي مثلاً, لتبرير ذكر اسم المصدر وتعريضه للمخاطر, فنحن لا نتعامل هنا مع مسألة خلاف في واشنطن أو لندن حيث أقصى ما يمكن أن يتعرض له المرء هو مجرد الإحراج.

عدت إلى لبنان في تشرين الأول 1982 بهدف معاينة أثر الغزو الإسرائيلي على حركة أمل, ولقد قضيت في زيارتي الأخيرة هذه وقتًا طويلاً مع أبي علي, واستطعت عبر مساعيه الحميدة أن ألتقي عددًا من أهم رجالات الشيعة في لبنان بمن فيهم المفتي عبد الأمير قبلان ومنذ ذلك الحين وأنا ألتقي أحيانًا بعدد من اللبنانيين الشيعة وغير الشيعة, ولقد تمكنت كنتيجة مباشرة لعملي في لبنان والكتب التي ألفتها، من مقابلة عدد من النواب البارزين, وقادة مليشيات ورجال أعمال ومسئولين حكوميين, ولقد زرت الشرق الأوسط مرتين بعد عام 1982 إلا أن دواعي البقاء المادية كانت تردعني عن العودة إلى لبنان.

وبالطبع فإنه من الإنصاف القول أنه لا تزال لدي بعض الأسئلة التي لم تحظ بأجوبة, فأنا ما زلت برانيًا, إلا أنني واحد من الذين سمح لهم أحيانًا بالولوج إلى الدخل.

أ. ر. ن.

وست بوينت

آب 1986

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مقدمة

لعله من السخرية بمكان أن يكون لبنان ذلك البلد المدمر والمنكوب, قدم في يوم من الأيام بوصفه نموذجًا يُحتذى للدولة النامية, حتى أن الدراسات الأكاديمية المحترمة التي أنجزت قبل 12 عامًا فقط, لا يمكن قراءتها اليوم دون هزة رأس وشعور بالأسى للحالة المرضية التي تنتاب هذا البلد المتوسطي الصغير, لنأخذ مثلاً الرأي التالي لباحثين غربيين: ((في رأينا أن التجربة اللبنانية, التي قد لا تكون مُلائمة تمامًا ولا تصلح لتصديرها بالكامل قد تقدم الكثير للدول التي تواجه مشاكل خطيرة, وأزمات دينية وأثنية وعرقية ([4]) ولكي لا يتبادر إلى ذهننا أن عدم توقع المخاطر الكامنة وعدم استشفاف الطبيعة الهشة للنظام اللبناني يقتصر على غير اللبنانيين فقط يجدر بنا أن نُلاحظ أن اللبنانيين أنفسهم لم يكونوا ليتوقعوا الانفجارات اللاحقة, فإيلي سالم مثلاً أحد الأكاديميين اللبنانيين ووزير للخارجية اللبنانية, لاحقًا أثنى على مرونة النظام اللبناني: ((لبنان بلد غالبًا ما تكون انطباعات المرء الأولى عنه خاطئة, إذ وصف بأنه (رجراج) وغير محتمل وفسيفسائي إلا أن مرونة نظامه ووعي وخبرة زعمائه واستقرار مؤسساته قد فاجأت كافة المراقبين)) ([5]).

إن كانت هذه الكتابات السابقة لحمام الدم فشلت غالبًا في توقع حتى الخطوط العامة لما كان لا يزال في طي الكتمان فإنه لا يمكن القول أن المراقبين اللاحقين قد قدموا تحليلات متميزة في دقتها ووضوحها, باختصار, فإن أكثر من عشر سنوات من التَذابُح على الأرض اللبنانية لم تُسفر إلا عن إحاطة القصة الحقيقية في لبنان ( التغيير السياسي والاجتماعي) بمزيد من الغموض والإبهام وحتى قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975 كانت البلاد تحفل بالتغييرات الخطيرة والهامة, تلك التغييرات التي أطاحت بالتوزيع التقليدي للامتيازات السياسية, وساهمت بشكل بالغ في تعقيد مهمة أي كاتب في الكتابة عن العنف الذي وضع لبنان في قبضة الموت, فلقد عمانا دخان المعارك والمناوشات عن ملاحظة التغييرات التي حولت الجسم السياسي اللبناني, صحيح أن بعض الصحافيين والدبلوماسيين وإلى حد أدنى الأكاديميين سطروا مئات المقالات والرسائل والتقارير والأطروحات, إلا أن العوامل نفسها التي لم تمكننا من رؤية التغير ساهمت أيضًا في إحباط أي محاولة لصياغة تحليل نافذ, فبالمقارنة مع حجم الدم والحبر الذي أهدر في لبنان لا تزال معرفتنا بالأسباب والعوامل الفاعلة في مسار الأزمة اللبنانية متخلفة بشكل ملحوظ.

من ناحية أخرى فإن معرفتنا بهذا البلد الممزق محدودة بعوامل المكان والزمان؛ إذ أنه من الصعوبة بمكان اعتبار النزاع المسلح مختبرًا فاتحًا أبوابه للذين يودون اكتشاف الحقائق السوسيولوجية, لذا فقد كان من الأسهل دائمًا اللجوء إلى القبول بالقوالب الجامدة التي غالبًا ما كانت تشوه أكثر مما تكشف, فبدلاً من متابعة التعقيدات المتغيرة في لبنان, كانت القوالب الأكثر قبولاً تجمد الوضع في لبنان على ما كان عليه أوائل عام 1975, ولم يبادر إلا عدد ضئيل جدًا من المعلقين إلى التساؤل عما إذا كانت حقائق عام 1975 ما تزال دقيقة في 1979 أو حتى في 1982, كما أن نفرًا قليلاً من هؤلاء اعتبر أن هذه الحقائق لم تكن تنطبق أصلاً على الوضع في سنة 1975 ([6]) فمعظم المعلقين لجأوا إلى تحليل مريح يصف الأزمة على أنها نزاع بين المسلمين والمسيحيين أو بين اليمين واليسار (وهي ثنائية أخرى لا تعني في العادة أكثر من مرادف غير دقيق للثنائية الأولى النزاع المسيحي – المسلم) وبالتالي فغالبًا ما فسرت الأحداث المتتالية ضمن إطار مفهومي مشكوك بدقته.

والعلاقة بين المسلمين والمقاومة الفلسطينية قد تشكل مثالاً جيدًا على ما سبق, فعندما نشب القتال في ربيع 1975 كان الموارنة متحدين في مواجهة ائتلاف هش ضم الفدائيين والأرثوذكس والدروز والشيعة والسنة على الرغم من أن العديد من السنة تجنبوا بشكل متعمد الانخراط في القتال إلا أن إخلاص اللبنانيين للمقاومة الفلسطينية لم يدم طويلاً, ففي نهاية السبعينات كان اللبنانيون بمن فيهم عدد من حلفاء الفدائيين السابقين, يقتربون من التوصل إلى معارضة جماعية لوجود أي قوات غريبة على أرضهم سورية كانت أم فلسطينية أم إسرائيلية, وكان اليشعة المحرومون اقتصاديًا وسياسيًا، والذين كانوا يعتبرون سابقًا حلفاء طبيعيين للفلسطينيين, قد بدأوا في نهاية السبعينات بخوض المعارك الطاحنة ضدهم، وقد فشل عدد كبير من المراقبين في ملاحظة هذا التغيير في خريطة التحالفات, فبعضهم لم يكن يعرف أكثر من ذلك, إلا أن آخرون رأوا في الحديث عن تحول في الولاءات نوعًا من الهرطقة, ولعلي ما زلت أذكر بشكل جيد اجتماعًا لعدد من الباحثين حول الشرق الأوسط في عام 1981 تناول فيه بعضهم الوضع اللبناني بالتفصيل، وأذكر أنه إذا أجرينا تعديلاً بسيطًا في تاريخ الأحداث لبدا أن تحليلهم ينطبق على فترة بدء الحرب في عام1975 وعندما شككت في إخلاص المسلمين للمقاومة الفلسطينية على قاعدة أن الفدائيين قاموا بشكل منتظم باستعداء حلفائهم السابقين خصوصًا الشيعة رفضوا مثل هذا الاحتمال بلطف وكياسة, هكذا تشكيك في رأيهم هو نوع من الهرطقة لسببين: أولهما: أنه تشكيك في الحقائق المنزلة في أعمالهم الرؤويه، وأما السبب الثاني فيعود إلى كون هذا التشكيك يمثل انتهاكًا لقدسية الأيديولوجيات التي يعتنقونها.

بل وأكثر من ذلك فإن فهمنا للبنان لا يتعدى نطاق العاصمة اللبنانية: بيروت, فمعظم التقارير, الصحافية منها أم الديبلوماسية أم الأكاديمية,كانت تعد في أفضل مناطق العاصمة ومن السهل معرفة السبب, إذ لا توجد مدينة أخرى في لبنان قادرة على تأمين خدمات التلكس والفنادق والمحلات... والمصادر فالصحافيون, وغالبًا ما يكونون غير مؤهلين أساسًا, وجدوا أن تعبئة العمود المطلوب منهم يمكن إنجازه بسهولة في مكان مريح كفندق الكومودور في بيروت الغربية, وهو مؤسسة رائعة تكفي نظرة سريعة لمعرفة لماذا لم يحاول بعض المراسلين الابتعاد عن محيطه, إنه فندق تتناسب أسعاره مع قدرات نزلائه.

وتتوفر فيه المشروبات والطعام الجيد وآلات التكرز والتلكس, وكافة المجلات والصحف, كما تعتبر ردهته نفسها مصدرًا مهمًا للمعلومات, ففيها يستطيع المراسل المتجول شراء نسخة من صحيفة: ((Middle East Reporter)) الشرق أوسطية التي تحتوي تقريرًا إخباريًا جيد النوعية, مليء بالإشاعات والتحليلات والحقائق التي من المؤكد أنها ساهمت في صياغة عدد من التقارير المرسلة من بيروت.

قبل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982, كان بإمكان المرء مغادرة فندق الكومودور في الثامنة صباحًا والتوجه إلى مركز قيادة منظمة التحرير في الفاكهاني ثم التوقف عند سفارة أو اثنتين, والتحادث مع أحد مصادر الأخبار ومن ثم العودة إلى الفندق حوالي العصر لكتابة مقاله وإرساله بالتلكس إلى صحيفته قبل موعد الطبع, وهو إلى ذلك كله كان لديه الوقت الكافي لتناول بعض الكؤوس بالإضافة إلى وجبة طعام شهية والاستمتاع بحمام سبحاة, توجد طبعًا بعض الاستثناءات, إلا أن أغلبهم لم يجد, إلا فيما ندر, أي ضرورة للسفر إلى البقاع أو كسروان أو الجنوب, أضف إلى ذلك أن الصحافيين يخشون دائمًا التواجد في مكان ما بينما تدور أحداث خبطة صحافية في مكان آخر, أما القلة التي كانت على استعداد لتخطي النظام السائد ومواجهة احتمال بعدهم عن أي حدث ساخن قد يطرأ, فقد كان عليهم بالإضافة إلى ذلك أن يواجهوا مخاطر متعددة.

فمنذ عام 1975 ولبنان مقسم إلى مقاطعات أو مناطق أمنية تسيطر عليها المليشيات والجيوش والعصابات ([7]) وعلى من يريد الوصول إلى مكان ما خارج بيروت وغالبًا حتى في داخلها, المرور ليس فقط بالعديد من الحواجز التي يديرها عناصر المليشيات المزاجيون, بل وقد يجد لدى وصوله إلى الوجهة التي يقصدها أن السفر دون مرافقين أو ضباط اتصال أو ناطقين رسميين أمر جد خطير, وهكذا فحتى الصحافي المخلص والمغامر الذي يترك أسباب الراحة والرفاهية المألوفة في بيروت لا يرجع بأكثر من إحساس بالوضع, لذلك كانت النتيجة أن التقارير التي كتبت في الداخل اللبناني لم تختلف إلا فيما ندر عن تلك التي كانت تكتب في بيروت, وهكذا عكس قصر نظر المراسلين مواقف البيروتي المرهف, الذي لا يهتم في الغالب لما يحدث في المناطق الخلفية كالجنوب مثلاً.

أكثر من ذلك, فالقصة (الحدث) بالنسبة لمعظم المراسلين الصحافيين في بيروت قبل عام 1982 لم تكن لبنان بل المقاومة الفلسطينية, لم يكن لبنان سوى المسرح الذي تلعب عليه المسرحية الفلسطينية, ولذلك لم تتضمن معظم التقارير المرسلة من بيروت, على وفرتها, إلا النزر اليسير, وبالطبع فإن الصحافي الميداني إنما كان إلى حد كبير يستجيب إلى طلب رؤسائه واهتمامات قرائه فمنطقة التحرير الفلسطينية هي الخبر لا لبنان.

أما الدبلوماسيون وخصوصًا الأمريكيون منهم فكانوا يتمتعون بحرية حركة أقل من حرية الصحافيين، فلقد أدت التهديدات الأمنية إلى فرض قيود قياسية على حركة الدبلوماسيين, وزيادة اعتمادهم على مصادر المعلومات الصديقة, الذين عبروا في الغالب عن مشاغلهم وأهوائهم في العام 1982 كان ممنوعًا على موظفي السفارة الأمريكية أن يصلوا إلى جنوبي الدامور دون الحصول على تصريح السفير, كان من الطبيعي في هذه الحالة أن يكتفي العديد من الدبلوماسيين بالمكوث في العاصمة التي تمتاز بشبكة اتصالاتها ووسائل الراحة فيها, وكذلك وجد بين الدبلوماسيين من شعر بضرر العزلة فبذل كل جهد ممكن لتخطي الإطار الدبلوماسي, كالدبلوماسية النروجية التي كانت تعرف لبنان معرفة وافية, إلا أنها كانت حالة استثنائية حتى في نظر الصحافة والسلك الدبلوماسي, فعندما نعرف أن أغلب المراسلات سواء الصحافية منها أم الدبلوماسية كانت تنتج عبر تعاون فريق ثلاثي مؤلف من الصحافيين والدبلوماسيين والمسئولين اللبنانيين, يصبح من السهل فهم كيفية تولد الحقائق واكتسابها حياة خاصة بها.

أما الأكاديميون فوضعهم مختلف تمامًا؛ لأن لبنان لا يوفر جوًا ملائمًا للأبحاث, لذا وجد الباحثون المهتمون بالسياسية اللبنانية أنه من الأسلم لهم أن يدرسوا الوضع عن بعد دون أن يزوروا البلد ويعرضوا أنفسهم بالتالي لخطر اكتشاف زيف الأساطير التي يتمسكون بها, كذلك فإن عدد الباحثين اللبنانيين الذين أنتجوا كتبًا مفيدة وإعلامية حول فترة 1975 – 1976 قليل جدًا, فقد قدم وليد الخالدي دراسة أنيقة ورائعة حول الحرب الأهلية ونتائجها, لكنه من المفاجئ أن تكون المكتبة الأكاديمية تفتقر بشكل عام إلى دراسات حول هذا الموضوع ([8]) وبالمقارنة مع الأعمال الصحافية يبدو الإسهام الأكاديمي تافهًا ورديئًا ([9]) عندما أعادت حرب 1982 لبنان إلى واجهة الاهتمام العالمي, وجد الباحثون أنفسهم يكتشفون حقائق جديدة لم تكن في بعض الأحيان جديدة إلا بالنسبة إليهم, كذلك لم تخل الساحة الأكاديمية من الانتهازيين فلقد كتب أحد الباحثين كتابًا عن غزو إسرائيل للبنان عام 1982 مرتكزًا إلى معلومات استوفاها خلال 21 يومًا فقط من البحث الميداني ومستندًا إلى المساعدة الودية التي تلقاها من ضباط المعلومات في جيش الدفاع الإسرائيلي.

وحتى بالنسبة للمغامرين, لم تكن فرصة البحث متاحة في السنوات الأخيرة, إذ عرف البلد بجذبه للمتآمرين والعملاء وصائدي الثروات على اختلاف مشاربهم, إلا أن اندلاع الأزمة ضاعف عدد المتآمرين والمؤامرات الحقيقي منها والمتخيل ومع انكشاف ظاهرة الازدواجية (الدوبلة) كان هناك غالبًا ما يبرر الشك في الصفة التي يقدم بها الشخص نفسه, وباختصار فقد فرض الوضع التزام جانب الحذر في العلاقات الشخصية مع الباحثين, الذين يزعمون البحث في مواضيع سياسية ادعى أحد مسئولي فتح أن 10% من الفدائيين عملاء, غالبًا غير قصد لقوى أجنبية, وليس مُهمًا أن تكون هذه التهمة صحيحة بقدر ما هو مهم مجرد صدورها, وحتى الأسئلة التي تبدو بريئة في ظاهرها, كانت تصطدم بالخشية من عواقبها الأمنية, وسواء كان موضوع البحث الموارنة أم الشيعة أم الفلسطينيين فإنه من السهل أن تنقضي عدة أشهر قبل الحصول على أجوبة لأسئلة جد أساسية, بريئة في الظاهر, تتعلق بالسكان أو بالبرامج السياسية والاجتماعية وهكذا فقد اتجه العديد من خيرة باحثينا في شئون الشرق الأوسط نحو محور اهتمام آخر بدلاً من الوقوع في شرك حقل الأبحاث العدائي هذا.

لدى استقطاب لبنان للاهتمام العالمي عام 1982، تم اكتشاف مدى الجهل المشترك فيما يخص البلد, فقد ساهم المسئولون اللبنانيون الذين كانوا ولفترات طويلة غائبين عن بلادهم في نشر صورة عن لبنان لم تعد قائمة, أما المسئولون الإسرائيليون فكانوا مُصرين على فرض حقائق لا تتوافق مع إمكانيات حلفائهم ولا مع الحقائق الاجتماعية السياسية اللبنانية, في حين سعت الولايات المتحدة وراء رومانسية ساذجة غير معقولة في براءتها, كان جميع هؤلاء محكومين بالفشل, فلقد كانوا يبحثون في عام 1982 عن أجوبة للأسئلة الخاطئة؛ لأن إدراكهم لما حدث قبل 1982 إن كان هناك أي إدراك كان ضعيفًا جدًا.

نشوء السياسة الطائفية:

إننا نؤرخ للدولة اللبنانية عادة منذ عام 1943, فهو العام الذي شهد الاتفاق على الميثاق الوطني الذي يوزع حاليًا المناصب الرسمية على أساس تعداد للسكان موضوع خلاف جرى في عام 1932 وعلى ضوئه منح الموارنة منصب رئاسة الجمهورية ومنح السُّنة منصب رئاسة الوزراء وأُسْنِد للشيعة رئاسة المجلس النيابي, إلا أن العمل بهذه الهيكلية السياسية كان متبعًا قبل عام 1943 بزمن طويل, ففي عام 1841 مثلاً, شكل بشير الثالث مجلس ملي طائفي من 10 أعضاء: ( 3 موارنة – 3 دروز – 1 كاثوليك - 1 أرثوذكس – 1 شيعي – ا سُني) لتمثيل هويات البلد الطائفية المختلفة ([10]).

وفي عام 1860 وبعد انتفاضة الفلاحين الموارنة على الدروز أصحاب الأراضي قتل 11 ألف ماروني في فترة لا تتعدى بضعة أسابيع, وأثر مجزرة 1860 وبضغط من بريطانيا وروسيا وفرنسا والنمسا الذين كانت كل دولة منهم تتعاطف مع إحدى الطوائف اللبنانية, وافق السلطان العثماني على Reglement Organique لعام 1861 والذي ينص على إنشاء مجلس تمثيلي يَضُم مُمثلين عن كل طائفة رئيسة وقد تم تعديل هذا النظام في عام 1864 لمنح الموارنة والدروز والكاثوليك تمثيلاً عدديًا أكبر, إلا أنه في هذه المرة أيضًا جرت مراعاة النسب الطائفية العددية فقد تتغير نسبة التمثيل من آن لآخر إلا أن الصيغة تحافظ على ثباتها.

وهكذا فمع بداية الانتداب الفرنسي عام 1920 كانت أوليات السياسية اللبنانية قد رسخت, فأنماط الهوية القائمة على الاشتراك في الدين والمنطقة والعلاقات الخارجية الفريدة أنتجت نظامًا سياسيًا لا يمكن فصل السياسة فيه عن الهوية الطائفية.

تحولات السكان:

برهن النظام الطائفي اللبناني ولسوء الحظ عن كونه نظامًا هشًا جدًا لا يستجيب لا للمَطالب التي يفرضها نمو السكان, ولا للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, وكانت إعادة رسم الفرنسيين لحدود لبنان عام 1920 من العوامل الحاسمة التي حكمت على هذا النظام بهشاشة تركيبه, فبينما كان القصد من توسيع لبنان عام 1920 من جبل لبنان إلى لبنان الكبير, زيادة فرصة البلد في الحياة, إلا أنه رغم مضاعفة مساحة أراضيه فقد تعقد إلى حد كبير مستقبله السياسي, وذلك عبر تغيير الواقع السكاني في البلاد بإضافة المسلمين الشيعة في الجنوب وفي وادي البقاع, والأرثوذكس والأرمن والسنة في المدن الساحلية والكاثوليك في وادي البقاع, وهكذا فإن توسيع الأحجية الطائفية منع إمكانية هيمنة أي طائفة ومع تخفيض القوة النسبية لكل فئة, نمت التحالفات الثنائية الداخلية كما بين الكاثوليك والموارنة والسنة والأرثوذكس, وتوثقت الروابط الخارجية.

عندما ندرس تاريخ لبنان في المائة وخمسين سنة الأخيرة, نرى أنه كان يشهد حتى نيله لاستقلاله  في سنة 1943, تعديلات دورية سواء في نسب التمثيل الطائفي أم في توزيع بعض المناصب المحدودة, إلا أنه منذ إقرار الميثاق الوطني عام 1943 لم تجر سوى تعديلات متواضعة, وذلك رغم كون الفرق في نسبة زيادة الولادات لدى الطوائف قد غير بشكل ملموس من وجه لبنان الديموغرافي, وليس مفاجئًا أن تكون الطوائف التي تتمتع بأرفع مرتبة اجتماعية – سياسية كالموارنة والسنة هي التي شهدت انخفاضًا في نسبة الولادات, بينما عرف الذين هم في أسفل السلم الاجتماعي – الشيعة نسبة ولادات عالية جدًا, وليس هذا اكتشافًا هائلاً فنحن نعرف أنه مع ارتفاع المرتبة الاجتماعية الاقتصادية تميل نسبة الولادات إلى انخفاض وذلك بالإضافة إلى أن التغييرات في أنساق الهجرة شكلت عاملاً في غير صالح المجتمع المسيحي ككل, بل هي أفادت المسلمين الشيعة بشكل خاص, وبتعبير آخر, كان المهاجرون المسيحيون اللبنانيون يتجهون أكثر فأكثر إلى الاستقرار في بُلدان الاغتراب (أوربا الغربية والأمريكيتين على وجه الخصوص) بينما كان من المتوقع أن يعود المهاجرون الشيعة إلى لبنان بعد قضاء عدة سنوات في الخليج أو أفريقيا الغربية.

يجب التشديد على أنه من المستحيل في ظل الظروف الراهنة, الحصول على تعداد دقيق للسكان, إلا أن معالجة الديموغرافيين لبعض المعطيات المحدودة تظهر بما لا يقبل الشك أن المسيحيين قد فقدوا منذ زمن طويل نسبة الـ 6: 5 التي كانوا يتفوقون بها على المسلمين ([11]), فبينما يظهر الإحصاء الأخير الذي أجري عام 1932 أن الشيعة هم ثالث أكبر طائفة في البلاد فإن أحدًا لا يجادل الآن في كونهم الطائفة الأكبر, فهم يشكلون حوالي 30% وأكثر من مجموع عدد السكان فبحسب أحد التقديرات المبنية على معطيات حسابية في أوائل السبعينات كان متوسط عدد أفراد العائلة الشيعية 9 أشخاص في مقابل 6 أشخاص لدى المسيحيين ([12]) فإذا أخذنا المسلمين مجتمعين الشيعة والسنة والدروز لوجدنا أنهم يمثلون على الأرجح 60% من السكان, ولقد حدثت كل هذه التحولات الديموغرافية دون أن تترافق مع تغيرات موازية لها على صعيد توزيع السلطة السياسية.

إن مبدأ توزيع المناصب السياسية على الطوائف قد أثار لدى الشيعة شعورًا جماعيًا بالحرمان لتوازيه مع التمثيل المنخفض تاريخيًا للشيعة في المؤسسات السياسية, وكما لاحظ روبرت مالسون وهوارد ولوب: ((إن تبعية المؤسسات السياسية لمصالح الطوائف ينحو إلى تقوية الأزمة الطائفية)) ([13]).

ثمة عامل سكاني آخر مهم وهو تدفق اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان, فلقد لجأ حوالي المائة ألف فلسطيني إلى لبنان أثر حرب فلسطين الأولى في عام 1948, وبفعل الزيادة الطبيعية كان عدد هؤلاء لدى اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975 يربو على المائتي ألف, يعيش أكثر من نصفهم في مخيمات اللاجئين ورغم أن نسبة لا بأس بها من الفلسطينيين الذين يعيشون خارج المخيمات, أي: الفلسطينيين ذوي المرتبة الاجتماعية السياسية العالية, تمكنت من الاندماج في المجتمع اللبناني, إلا أن هذه الفرصة لم تكن متاحة على الإطلاق لسكان المخيمات, وهكذا وجدت منظمة التحرير الفلسطينية في سكان المخيمات الموجودة في كافة المدن الساحلية اللبنانية نبعًا لا ينضب من المنتسبين الجدد إليها, ثم ازدادت نضالية سكان المخيمات بشكل ملحوظ بعد الهزيمة الكبرى في حرب الأيام الستة في عام 1967 أو بعد الذل والهوان الذي لحق بالعرب, وفي الوقت نفسه ازداد استخدام لبنان كقاعدة لانطلاق الهجمات ضد إسرائيل مما جعله أكثر فأكثر ساحة لتبادل إطلاق النار العربي – الإسرائيلي وبما أن أغلب الفلسطينيين من المسلمين السنة أخذ العديد من الحزبيين المارونيين في المنطقة الشرقية يعتبرون أنهم يشكلون خطرًا على استمرار الهيمنة المارونية في لبنان.

خلال عامي 1970 و 1971 دخلت موجة ثانية من اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان ولكنهم كانوا هذه المرة مسلحين يعصب بهم شعور بالغضب بعد طردهم من الأردن, فبعد خسارة الأردن كقاعدة للعمليات أصبح لبنان البلد الوحيد الذي تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية أن تعمل فيه باستقلال ذاتي نسبي, إن وجود منظمة التحرير الفلسطينية المسلح والهجومي في لبنان أطلق -أكثر من أي عامل آخر- الشرارة التي أشعلت التوترات والمطالب الكامنة في صميم المجتمع اللبناني.

أبعاد التغيير السياسي:

لقد زادت 12 سنة من النزاع الداخلي والغزو والفوضى المدنية من قوة وحدة القوى السياسية – الاجتماعية التي كانت تعمل على تغيير لبنان حتى منذ ما قبل بدء الحرب الأهلية في عام 1975 ورغم طغيان أخبار المجازر على العناوين الرئيسة إلا أن القصة الحقيقية في لبنان تبقى قصة التغيير السياسي والاجتماعي, الذي يرتبط في أذهاننا عادة بالتحديث, إن عددًا كبيرًا من اللبنانيين قد وجدوا أنفسهم سياسيًا وما عادوا يتقبلون أي نظام سياسي يتجاهل مطالبهم, إن الفشل أو عدم الرغبة في معرفة أبعاد التغيير هو العنصر المميز للحكومات اللبنانية في الخمسة عشر سنة الأخيرة, إن جحود النخب الحاكمة هذا يشكل التفسير الأهم لاستمرار لبنان عرضة لتدخل القوى الأجنبية, فالجماعات التي لم تجد لمطالبها أذنًا صاغية داخل النظام السياسي كانت غالبًا ما تتجه إلى القوى الخارجية المستعدة لمساعدتها.

نتيجة لازدياد التعليم والهجرة الداخلية والخارجية, ومتابعة وسائل الإعلام والابتعاد عن الزراعة نحو قطاع الخدمات, تجاوز سكان القرى العزلة والمطواعية التي غالبًا ما ترتبطان بشكل عفوي في أذهاننا بالسكان غير المدنيين. ورغم أن اللبنانيين ما زالوا ينشدون الأشعار التي تتغنى ببراءة وأصالة قراهم الوادعة فإن هذه القرى ليست الآن سوى جزء من تاريخ لبنان الاجتماعي, فسكان القرى والبلدات والمدن على حد سواء هم الآن أكثر حزمًا وإصرارًا وهم بالتالي أكثر استعدادًا للانخراط في العمل السياسي.

وبينما كان الناس يتسيسون في لبنان كانت هناك مجموعة متنوعة من المنظمات السياسية تتنافس فيما بينها لاستقبال المنتسبين الجدد, ولقد حاول عدد من أكثر من هذه الحركات نجاحًا استقطابهم عن طريق التوجه إلى الهوية الطائفية الدينية التي يحصل عليها اللبنانيون لدى الولادة, ولعله ليس من المستغرب أن ينجح التوجه إلى المشاعر البدائية في استقطاب العناصر الجديدة فلقد سبق لنا أن أشرنا إلى أنه من الصعب على اللبناني التهرب من الهوية المزدوجة فهو إما سني – لبناني أو أرثوذكسي – لبناني وهكذا, ولقد طاول التسيس على مر السنين حتى المؤسسة الزوجية نظرًا لكون الزواج المدني غير مسموح به في لبنان, فمن بطاقة الهوية التي تحدد الطائفة إلى المناصب السياسية التي توزع وفقًا للصيغة الطائفية يصعب على الناس في لبنان أن يكونوا لبنانيين فقط ([14]), وهكذا فإن بروز مجموعات كالقوات اللبنانية المارونية وحركة أمل الشيعية والحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي يجب أن لا يسمح له بحجب العنصر الأساسي الضمني المتمثل في التزايد الكبير لعدد المسيسين بين السكان, هذا العامل لا يعقد فقط العلاقات بين الطوائف بل وداخل كل طائفة أيضًا.

كبرت صفوف المسيسين وتغير الإطار العام للمارسة السياسية بشكل جذري فبعد أن بقيت السياسة في لبنان ردحًا من الزمن حكرًا على رؤساء سياسيين يدعون بالزعماء, لخلو البلاد من المؤسسات السياسية المركزية القوية.

وهؤلاء الزعماء ينتمون لبضعة دزينات من العائلات فقط – 26 عائلة احتلت 35% من مقاعد البرلمان في كافة الدورات منذ الاستقلال في عام 1943, وكل زعيم يمثل مجموعة الوكلاء التي تبادل ولاءها السياسي الجاهز ببضاعة الزعيم السائرة من الخدمات السياسية التي توزع على طريقة زعماء الأحياء في شيكاغو.

وكانت الزعامة نفسها تنتقل من الأب إلى الابن بوصفها إرثًا سياسيًا, فأسماء مثل آل الجميل, آل شمعون, آل سلام, آل الأسعد, آل فرنجية, آل جنبلاط, وآل الصلح كان يتوالى ظهورها المرة تلو الأخرى على قائمة متولي الحقائب الوزارية, إلا أن نشوب الأزمة والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي رافقتها همشت أكثر فأكثر دور الزعماء في لبنان المعاصر, فمنذ الغزو الإسرائيلي عام 1982 أصبحت مراقبة حماة النظام السياسي القديم في اندفاعهم لاستعادة سيطرتهم على الإقطاعيات التي يسيطر عليها جزئيًا على الأقل, جيل جديد من القيادات غالبيتهم من ذوي  أسماء عائلات غير مشهورة أو غير معروفة, من أشد الرياضات العقلية إمتاعًا, لا يعني هذا أن الزعماء قد فقدوا أية أهمية سياسية إلا أن مدى نفوذهم في المناطق الشيعية والمارونية على الأخص قد تضاءل كثيرًا.

أبرز الصراع على السلطة أسماء غير معروفة سياسيًا مثل سمير جعجع قائد القوات اللبنانية المارونية ونبيه بري قائد حركة أمل الشيعية, ويشكل هؤلاء في مزاجهم وأصلهم الاجتماعي وثروتهم المادية النقيض للزعماء الذين يسعون إلى الحلول محلهم, نشأت القوات اللبنانية عام 1976 على يد بشير الجميل ابن مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل, وبالرغم من أن بشير ليس بالتأكيد مجهولاً سياسيًا فإن المنظمة التي أنشأها تألفت إلى حد كبير من الفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة المارونية التي تسكن في ضواحي بيروت الشرقية, وقد رفض هؤلاء على وجه الإجمال سياسات الجيل القديم بما فيه حزب الكتائب, وكما لاحظ لويس سنايدر في مقالة رائعة له أن القوات اللبنانية ليست مجرد ميليشيا بل هي حركة عضوية ترفض النمط السياسي القديم الذي تمارسه المؤسسة الإسلامية والمسيحية ([15]), ومنذ اغتيال بشير الجميل في أيلول 1982 انتقلت القيادة إلى مجموعة من الفعاليات الشابة التي لا يوازي تشبثها في الاحتفاظ بحصة من السلطة إلا التزامها بحماية هوية مجتمعها المارونية.

لعل التحول الأساسي الأكثر بروزًا هو ذلك الذي شهدته الطائفة الشيعية التي تميزت مؤخرًا بمطالبتها الصارخة بحقوقها ([16]), وهذا الكتاب يسلط الضوء على حركة أمل بوصفها المنظمة الشيعية الأبرز, أنشأ حركة أمل قائد ديني براغماتي ذي شخصية ساحرة كاريزماتية يدعى موسى الصدر الذي نجح في معارضته المتعمدة لسلطة الزعماء التقليديين اختفى موسى الصدر ويبدو أنه اغتيل خلال زيارته الغامضة إلى ليبيا في عام 1978, وكان لاختفائه وظهور نموذج الثورة الإسلامية في إيران والضربات الانتقامية التي تلقاها الشيعة في الجنوب, هذه العوامل الثلاثة متحدة ولدت إحساسًا بالذات كان غائبًا منذ فترة بعيدة, ويقود حركة أمل اليوم المحامي نبيه بري, الذي ولد في سيراليون لعائلة جنوبية تتعاطى التجارة والذي عاش لدى عودته إلى بيروت فترة في أحزمة البؤس, يثير اسمه احتقار الزعماء الذين يهزؤون من عدم امتلاكه لمؤهلات النخبة التقليدية, لكن يبقى أن نبيه بري وأمثاله هم الذين يمكنهم أن يتحدثوا باسم أغلبية الشيعة لا الزعماء الذين غالبًا ما لم يعد نفوذهم يتعدى في هذه الأيام حدود صالوناتهم.

إن تضافر عاملي التفتيت السياسي الداخلي والتدخل الخارجي قد فاقما كثيرًا من الصعوبات التي تواجه أية حكومة لبنانية, فحل المشكلة لا يكمن فقط في مجرد تلبية مطالب الطوائف المتصارعة في وسط سياسي تتدخل فيه القوى الأجنبية أيضًا, بل وفي تحديد من يتكلم باسم كل طائفة أو مذهب, ومن الواضح أن التظاهر بأن التغيير لم يحدث, من الصعب اعتباره تكتيكًا يؤمل نجاحه, كما اكتشف ذلك بالفعل ولسوء حظه الرئيس أمين الجميل, فالشيخ أمين الجميل الذي انتخب في أيلول 1982 إثر اغتيال أخيه بشير, الرئيس المنتخب آنذاك, يفتقد إلى قاعدة عريضة في المجتمع الماروني, ويظهر أنه حاول أن يسترضي العدد الكبير من منتقديه الموارنة برفضه الاتفاق مع القيادة الناشئة للشيعة والدروز, يجدر بنا أن نتذكر أن المسألة تتعلق باقتسام السلطة السياسية التي يرى الشيعة والدروز أن الموارنة يحوزون على أكثر من حصتهم فيها, فبدلاً من التعامل مع أمثال نبيه بري اختار الجميل أن يتجه إلى كامل الأسعد رئيس المجلس النيابي آنذاك, إلا أن قاعدة الأسعد الانتخابية كانت قد تضاءلت إلى درجة الزوال التام, لذ لم يؤد عمل الرئيس إلا إلى تغذية الانطباع بأنه كان يسعى قبل كل شيء إلى تجنب أي تسوية مع القوى الاجتماعية الصاعدة باستثناء طائفته بالطبع, وجاءت السيطرة الشيعية – الدرزية على بيروت الغربية في 6 شباط 1984 لتبرهن على فداحة الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه.

إن عمليات التغيير التي حملت الشيعة والموارنة الحديثي التسيس إلى الواجهة السياسية لا يمثل الدروز, برغم حنكتهم السياسية سوى حوالي 7% من عدد السكان كانت تنذر بإعادة خلط التحالفات في السياسة اللبنانية. فالسنة الذين شاركوا طويلاً الموارنة في السلطة السياسية يقلون عدديًا عن الشيعة ويفتقدون المنظمات السياسية الجماهيرية التي يملكها الشيعة والدروز على حد سواء, وفي الواقع أنه لمن المفارقات المثيرة أن مؤسسة الزعامة لدى السنة, الذين يتمتعون بمستوى نمو اقتصادي واجتماعي عال, تتمتع بثبات أكثر من مثيلاتها لدى الطوائف الأخرى, ويتفق معظم المراقبين على أنه في حال الاتفاق على صيغة سياسية جديدة في لبنان فإن الطائفة السنية هي الخاسر الرئيسي إن لم تكن الخاسر الوحيد.

إن السعي لتحقيق الوفاق الذي يخضع لمخاض عسير ويمتاز بعدم الاستمرار والتعرج والمخادعة لن يحظى بالنجاح إن كان مجرد وسيلة لتمكين الزعماء من استعادة نفوذهم السياسي, والوفاق بين السياسيين التقليديين ليس بالطبع غير ذي أهمية إلا أنه غير كاف, فلا بد إن قدر لحمام الدم في لبنان أن ينتهي ويعود السلام إليه أن يفسح الزعماء في المجال أمام القادة الجدد الذين ينهضون بالمطالب الشرعية لقاعدتهم الشعبية.

إن بروز هؤلاء القادة الجدد والقوى الاجتماعية التي يمثلونها يزيد بشكل هائل من تعقيد الأحجية اللبنانية, قد تكون هذه الأحجية غير قابلة للحل في الوقت الحالي إذا أخذنا بعين الاعتبار تفتت السلطة السياسية والنشاطات السورية والإسرائيلية والإيرانية التي لا رادع لها, لكن لا يمكن أن ننفي أن أي محاولة لترميم لبنان عبر استعادة الأطر القديمة البالية هي محاولة محكومة بالفشل ويبدو هذا الحكم على أشد ما يكون من الوضوح في حالة الشيعة التي سوف نعالجها الآن بتفصيل أكثر.

 

الفصل الثاني

معنى التغيير ومصادره لدى الشيعة في لبنان

إذا أخذنا برأي بعض المصادر, قد يتراءى لنا أن الشيعة في لبنان قفزوا فجأة إلى المسرح السياسي, وذلك إلى حد كبير كصدى الثورة الإيرانية عامي 1978-1979, إلا أن وجهة النظر هذه تنطوي على خداع ذاتي, إذ أن فعالية الشيعة الحالية هي في الحقيقة محصلة عملية تحديث طويلة, فقد ظهرت مؤشرات أهمية الشيعة السياسية المتنامية قبل الأحداث التاريخية في إيران بوقت طويل, من جهة أخرى فقد انساق عدد من المراقبين إلى تقديم السياسة الشيعية بوصفها مزيجًا من العاطفية والغضب واللاعقلانية, ولكن وجهة النظر هذه هي بدورها وجهة نظر تضليلية.

صحيح أن التشيع وخصوصًا المنهج الداعي إلى الفعالية السياسية السائد حاليًا في إيران كثيرًا ما يعتبر نمطًا من الاحتجاج الاصطلاحي ذي المرجع الثقافي يمد حامله برمزية فعالة وإيحائية تستثير العواطف وتستعيد الماضي التاريخي, إلا أن دراسة البرنامج السياسي للحركة السياسية التي تمثل غالبية الشيعة في لبنان يظهر بوضوح أن اهتمامه بالقضايا العقائدية -مثل الارتداد والتطبيق السليم للتعاليم الدينية- أقل بكثير من اهتمامه بالاصطلاحات السياسية من النوع العادي والمألوف, لذا فإن إحدى طروحات الكتاب المركزية هي أن السياسة كما يمارسها الشيعة في لبنان ليست أكثر غموضًا أو غرابة من سياسات أي طائفة لبنانية أخرى.

وهي أيضًا ليست أقل شفافية ووضوحًا من أي شكل سياسي آخر, كما أن العمليات السياسية والاجتماعية القائمة حاليًا لا تخلو من التناقض ولا يجدر بنا أن نتوقع غير ذلك أصلاً, إلا أن مفتاح فهم سياسة الشيعة يقع في حقل علم الاجتماع وميدان السلوك السياسي على الأرض, لا في الصور المثيرة للمتعصبين إلى حد الجنون المستعدين للتضحية بأنفسهم مقابل بطاقة سفر ذهابًا إلى الجنة, وبينما تتراوح أهداف الفرد الشيعي بين التافه والسامي, وبين الحقير والنبيل يمكننا أن نرصد معنى النشاط السياسي الشيعي في إطار السياسة اللبنانية التي توزعت فيها صفات مثل المخادعة, الشجاعة, الفساد, الأنانية, ونكران الذات على الشيعة بنفس الطريقة العشوائية التي توزعت بها على غيرهم.

والشيعة, تلك الجماعة المعزولة سياسيًا والمتجاهلة في أحيان كثيرة, بقيت زمنًا طويلاً على هامش الاقتصاد والمجتمع اللبناني ([17]) يبحث هذا الفصل في قوى التحديث التي أثرت في الشيعة ويسلط الضوء على العوامل التي أسهمت في بروزهم مركزًا بشكل خاص على الإطار اللبناني وخصوصًا الطائفية في لبنان, لكي نوضح لماذا وجد الشيعة أنفسهم سياسيًا كشيعة وليس في إطار هويات سياسية أخرى, وسنتعرض بالتحليل في الفصول اللاحقة للقوى الداخلية التي أعطت تسيس الشيعة شكلاً معينًا, كما أننا سندرس المنظمات التي لعبت دور الأداة في تعبئتهم السياسية.

الطاقة المتجاهلة:

إن الأعمال الأكاديمية التي اتخذت من الشيعة في لبنان موضوعًا لبحثها, قليلة وسطحية بشكل ملحوظ, ولكن هذه الندرة ليست على أي حال مفاجئة وغريبة, فالباحثون يميلون إلى السير على الطرق المطروقة من قبل, الأمر الذي يعني على الصعيد اللبناني الاكتفاء بدراسة الطوائف النافذة سياسيًا -أي: الموارنة والمسيحيين والدروز والمسلمين السنة- نادرة جدًا هي الدراسات التي تخص الشيعة بأكثر من ذكر عابر, فهم ليسوا بالنسبة إلى العديد من المؤلفين أكثر من نتاج غريب للصراعات الأولى على الخلافة في الإسلام, لذا بدا أن فقرهم وتخلفهم الاجتماعي وتمثيلهم السياسي المتدني, قد حرمهم من أي اهتمام جدي, ولقد وصف أحد الرحالة, دافيد أوركهارت, في منتصف القرن التاسع عشر الشيعة بأنهم شعب خامل خانع يتمتعون بالقذارة والفساد, وحتى بعد ذلك بقرن من الزمان, كان هذا الوصف لا يزال صحيحًا في نظر العديد من المؤلفين:

((يلبسون جميعًا أسمالاً بالية, باستثناء بعض المشايخ, وجميعهم متسولون, يتحلقون حول النار التي يطهى عليها الطعام في الهواء الطلق, وإذا طلب من واحدهم أن يحضر بعض البيض هز كتفيه, وإن قيل له: إنه سيجزى مالاً لقاء تعبه في إحضار البيض يجيب (لا يوجد) وإذا طلب من شخص آخر بيع عنزة أو دجاجة قال: إنها لسيت لي, إن قذارتهم تثير الاشمئزاز حتى تكاد

 تظنهم يتفاخرون بخروجهم عن القانون والشريعة, سواء شريعة جبل الطور أم شريعة مكة فيما بعد, فهم لا يحافظون لا على نظافة أنفسهم ولا على نظافة قراهم ([18]).

ويبدو أن السمة الأبرز التي عرف بها الشيعة حتى في الخمسينات من القرن الحالي هي عدم تأثيرهم في مجرى السياسة اللبنانية.

وحتى اعتراف إحصاء 1932 بالشيعة كثالث أكبر طائفة في البلاد, لم يُكوِّن حافزًا قويًا لدراسة طائفة ذات فعالية سياسية متواضعة بالمقارنة مع عددها, ولقد تمكن البرت حوراني في ملاحظاته المختصرة من أن يعبر عن مشاعر الباحثين الذين ساروا على خطاه, لاحظ حوراني تخلف الشيعة ومستوى معيشتهم المنخفض وقال: إنهم يحتاجون قبل أي شيء آخر إلى تنظيم اجتماعي إصلاحي وإلى ظروف اقتصادية محسنة ([19]).

كانت الطائفة أو على الأصح أجزاء من الطائفة, ترزح غالبًا تحت وطأة سيطرة عدد قليل من الزعماء الذين استمدوا قوتهم السياسية من ملكية الأراضي ومن اللافعالية السياسية لقاعدتهم الشعبية, فقد توطد نفوذ عائلات مدينية الانتماء أو الإقامة وتعمل في التجارة, كآل عسيران في صيدا وآل الخليل في صور وآل الزين في النبطية عندما حازت في أواخر القرن التاسع عشر على ملكية أراضي أو حصلت على التزام (تحصيل ضرائب) لدى الباب العالي العثماني, كما ضاعف الالتزام نفوذ عائلات أخرى تمثل تاريخيًا عشائر قوية كآل الأسعد في الطيبة وآل حمادة في بعلبك, سيطر هؤلاء الزعماء بعد الاستقلال على السياسة الطائفية (داخل الطائفة), وفازوا المرة تلو الأخرى بمقاعد نيابية وحقائب وزارية.

ورغم أن الميثاق الوطني عام 1943 الذي صاغ قواعد تقسيم المناصب السياسية في الجمهورية الجديدة اعترف بالحصة الديمغرافية للشيعة عبر منحهم ثالث أهم منصب سياسي رئاسة المجلس النيابي, إلا أن ذلك لم يكن انعكاسًا للوعي السياسي للطائفة, فحصة الشيعة كما لاحظ ليونارد بايندر, هي في الحقيقة حصة الزعماء السياسيين التقليديين الذين كانوا يتربعون على السلطة بدون منازع ([20]) فلقد ترجم الزعماء سيطرتهم الاقتصادية لدى حلول الانتخابات إلى سيطرة سياسية عبر تأمين تأييد آلي لهم من ناخبيهم المطواعين ([21])فالاستمرار في ظل نظام كهذا يفترض أن تصبح من (الزلم) الذين يؤيدون اللائحة التي يعينها الزعيم ويدافعون عن مصالحه وممتلكاته ويسهرون على الحفاظ على المهابة والاحترام اللائق به.

وهكذا فإن الطائفة الشيعية المتوحدة نسبيًا والحازمة سياسيًا كما هو بين اليوم, تشكل ظاهرة سياسية حديثة وهامة, وهذا التطور هو نتاج عناصر متعددة بما في ذلك عدة عقود من التغيير الاقتصادي – الاجتماعي, وبالتالي فإن هذا الفصل يهدف إلى تحليل كيفية انحلال القيود التي نسجتها عدة قرون من العزلة السياسية والاجتماعية عبر تغييرات درامتيكية وعادية في آن.

والموضوعات التي تحكم هذا الفصل هي:

1-         بحلول الستينات كان الشيعة قد شهدوا تغيرًا اقتصاديًا واسع النطاق وتمزقًا اجتماعيًا, كان عمل كارل دويتش على التعبئة الاجتماعية قد توقع بعض دلالاته.

2-         أدى تخفيف عزلة الطائفة تحت تغير نمط الزراعة وزيادة الاطلاع على وسائل الإعلام, وتحسن الطرقات الداخلية والخارجية وتدهور الوضع الأمني, إلى جعل الزعماء التقليديين أقل قدرة على تلبية الحاجات المتنامية والمطالب المتكاثرة لقواعدهم.

3-         وحتى قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كانت تشكيلة واسعة من الحركات السياسية العلمانية تتنافس فيما بينها لكسب أعضاء جدد من الطائفة الشيعية التي يزداد تسيسها, لكن الهوية الطائفية لم تبرهن فقط عن ثباتها بل ازدادت ترسخًا بفعل الطابع المميز للناصب السياسي – الاجتماعي في لبنان.

4-         تقدم لنا أدبيات علم السياسة في معالجتها لدلالة وأثر انقسام الناس بين مدينيين وريفيين في ممارستهم السياسية مفهوم الثنائية وهو مفهوم برهن عن عدم انطباقه على الوضع اللبناني, إذ أن آثار المدنية المقترحة بما فيها تزايد الانخراط في الممارسة السياسية برزت بالوضوح نفسه في المناطق غير المدينية, مما يقودنا إلى الاستنتاج بأن التمييز بين الريفي والمديني قد فقد كثيرًا من معناه بالنسبة للعمل السياسي في لبنان.

5-         تظهر الحالة اللبنانية بوضوح أنه بالنسبة للدول ذات الحجم الجغرافي المتواضع والتي تخضع لتغييرات اجتماعية اقتصادية هامة فإن ثنائيات الريفي المديني قد تضر أكثر مما تنفع.

6-                  عندما يقضي التغيير على حصون العزلة في القرية, تصبح القرى والمدن معًا مواقع هامة للعمل السياسي.

7-         رغم ثبات الهوية الطائفية واستمرار أهمية مثال القرية في الحياة السياسية اللبنانية, إلا أن نجاح حركة شيعية مميزة ذات قاعدة عريضة لم يكن بالنتيجة الحتمية, فقد كان من السهل أن تتمزق الطائفة على مجموعة من المنظمات المحلية الشعبية وعلى خليط من الأحزاب العلمانية التي ترفع مطالب الشيعة, ولقد حصل ذلك بالفعل في بعض الأوقات, إلا أن أحداثًا وقعت خارج لبنان مكنت إلى حد كبير حركة إصلاح طائفي ذات قاعدة عريضة من أن تبرهن على أنها العامل الأهم في تعبئة الشيعة.

الشيعة والتخلف الاقتصادي – الاجتماعي:

إن تقدير عدد السكان في لبنان أمر ينطوي دائمًا على قدر من المجازفة فآخر إحصاء رسمي أجري قبل أكثر من خمسين سنة, إلا أن كافة المراقبين المطلعين يجمعون على أن الشيعة يشكلون الآن أكبر طائفة في البلاد ويمثلون 30% من السكان على الأقل, أي بين 900.000 والمليون نسمة ([22]) وهكذا فإن عدد الشيعة الآن يتجاوز عدد أي من الطائفتين ( السنية والمارونية) اللتين سيطرتا على الجمهورية منذ حصولها على الاستقلال في 1943, والنظام الطائفي اللبناني يؤسس ( من مؤسسة) لرئاسة مارونية ورئاسة وزراء سنية ورئاسة مجلس نيابي شيعية, وذلك وفقًا للنسب السكانية لإحصاء 1932, فإذا نجح الشيعة في مطالبتهم بضرورة أن يعكس النظام السياسي وضعهم كأكثرية فمن الواضح أن ذلك سينتج عنه إعادة توزيع جوهرية للسلطة السياسية في لبنان.

إن التأثير المحتمل لتغيير حصص السكان يمكن رؤيته بوضوح إذا نظرنا إلى عدد مقاعد كل من الشيعة والموارنة في المجلس النيابي, فالمجلس الحالي المؤلف من 99 نائبًا والمنتخب في 1972 يضم 19 شيعيًا مقابل 30 مارونيًا, لكن إذا تم توزيع المقاعد بحسب حقائق التغيير الديموغرافي, فإن الشيعة سيربحون 10 مقاعد بينما يخسر الموارنة العدد نفسه, وإذا قسم التمثيل النيابي بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين –وهو إصلاح مطروح على بساط البحث منذ 1976- فإن الشيعة سينالون حصة الأسد من مقاعد المسلمين وذلك على حساب السنة, الطائفة المسيطرة سابقًا, والتي تشكل الآن حوالي 20% من عدد سكان لبنان, كما هو على حساب الدروز أيضًا الذين يمثلون أقل من 10% من عدد السكان إلا أن العدد والفقر لا يشكلان ضمانة للنجاح السياسي رغم أنهما يساعدان في توضيح صورة مطالب الشيعة إن لم يكن حزمها وإصرارها, وأكثر من ذلك, فلسوف أظهر أنه رغم أهمية زيادة التمثيل السياسي لدى الشيعة, فلقد كانوا منشغلين عنها بأهداف أقل أهمية بكثير, منها مثلاً: تحسين حالتهم الاقتصادية, وتفشي انعدام الأمن الذي كانوا يعانون منه خصوصًا في الجنوب, المحافظة اللبنانية المتاخمة لإسرائيل.

اعتبر شيعة لبنان منذ زمن طويل أكثر الطوائف اللبنانية حرمانًا, فوفق أغلب -إن لم يكن كافة- المقاييس التي تحدد الحالة الاجتماعية – الاقتصادية يأتي الشيعة في أدنى درجات السلم بالمقارنة مع الطوائف الأخرى, فمثلاً يلاحظ جوزف شامي, استنادًا إلى إحصاءات 1972 أن معدل دخل العائلة الشيعية كان 4532 ليرة لبنانية كان الدولار في العام 1976 يعادل الثلاث ليرات لبنانية بينما يبلغ معدل دخل الفرد – 6247 ل. ل، وأنهم يملكون أكبر نسبة مئوية من العائلات التي يبلغ مدخولها أقل من 1500 ل. ل. وهم الطائفة الأقل تعلمًا (50% بدون تعليم مقابل 30% في البلد كله) ([23]) والطائفة التي تضم أقل عدد من العاملين في الحقول التالية: المهني / التقني, النشاط التجاري أو الصناعي / إدارة أعمال, الوظيفة المكتبية والأعمال الحرفية, وأكبر عدد من العمال والمزارعين والباعة المتجولين ([24]) ولقد وجد مايكل هدسون في دراسته التي أجراها عام 1968 أن نسبة التلاميذ إلى السكان في المنطقتين اللتين تعيش فيهما أغلبية شيعية ( البقاع والجنوب ) والبالغة حوالي 13% تقل بـ 5% عن المحافظات الثلاث الأخرى ([25]), ووجد رياض ب طيارة في تحليله للفروق التعليمية أنه في 1971 كان 6.6 % فقط من الشيعة قد نالوا تعليمًا ثانويًا وما فوق مقابل 15% و17% على الأقل للسنة والمسيحيين على التوالي ([26]), ووجد حسن شريف أنه بناء على إحصاءات الدولة الرسمية لعام 1972 فإن الجنوب الذي يبلغ عدد سكانه 20% تقريبًا من عدد السكان العام لا يحظى بـ 0.7% من ميزانية الدولة ([27]) ويظهر وصف شريف للتخلف في الجنوب الظروف التي كان على العديد من الشيعة أن يعيشوا في ظلها:

((يحظى الجنوب بأقل نسبة من الطرقات المعبدة سواء بالنسبة للفرد أم بالنسبة للكلم المربع. والمياه الجارية لا تزال مفقودة في كل القرى والبلدات رغم أنه تم في أوائل الستينات تمديد الأنابيب إلى العديد من المناطق وكذلك مدت شبكة الكهرباء في الوقت نفسه تقريبًا, إلا أنها ظلت لا تعمل في معظم الوقت, ولا توجد تجهيزات لتصريف المياه إلا في المدن والبلدات الكبيرة, ويغيب الهاتف كليًا خارج المراكز الكبيرة اللهم من كابينة يدوية واحدة هي في العادة معطلة. ويزور الأطباء القرى مرة في الأسبوع وأحيانًا مرة في الشهر كله.ولا توجد المستوصفات إلا في القرى الكبيرة, إلا أنها لا تعمل بانتظام, بينما لا توجد المستشفيات والصيدليات إلا في المراكز الكبيرة. أما التعليم الابتدائي فيجري عادة في بيت قديم غير صحي تقدمه القرية نفسها, أما المدارس التكميلية فقد أدخلت إلى البلدات الكبيرة في منتصف الستينات)) ([28]).

وبناء على بحثي الميداني في لبنان عامي 1980-1982 فإن وصف حسن شريف لا يزال محتفظًا بصحته بشكل عام, فالظروف التي يصفها لا تزال في غالبيتها على الأقل سيئة بالمقدار نفسه, بل لعلها قد ازدادت سوءًا في مجالات عدة عبر سنوات الحرب الأهلية والتفتت الاجتماعي.

تخطي الهامشية السياسية:

إن فقر الطائفة الشيعية هو أمر لا يمكن إنكاره, إلا أنه لا يكفي بحد ذاته لتفسير كيف تمكن هذا الحشد الهائل من (( أكياس البطاطا)) (بحسب تشبيه ماركس القاسي) من تخطي تخلفهم السياسي, فبغض النظر عن نشاطات الزعماء الذين يمثلون قطاعات معينة من الجماعة فإن الشيعة كمجموعة عرفوا منذ زمن بعيد بالهدوء السياسي أو حتى بعدم علاقتهم بالسياسة في لبنان, ولعل أحد أهم الأسئلة المركزية لدارسي التغيير السياسي, إن لم يكن السؤال الأساسي, هو: ما هي العملية التي يتم عبرها تسيس الناس؟ إن عملية التغيير, وديناميته, وسرعته, وقوته هي جوهر التطور السياسي.

لماذا وكيف وجد الشيعة غير المشاركين سابقًا في النشاط السياسي أنفسهم سياسيًا؟ أنا أرى أنها نتاج عملية من شقين:

الشق الأول وهو سبب حدوث العملية وهذا يمكن وصفه بسهولة بأنه نتاج انسلاخ الشيعة اقتصاديًا واجتماعيًا عن بيئتهم الأصلية وكما سنرى لاحقًا فإن أخذ التغيرات السياسية والاجتماعية التي جرت في لبنان مؤخرًا بعين الاعتبار, يساعدنا في فهم قابلية الشيعة المتزايدة للعمل السياسي, إلا أنه لا يفسر لنا وجهة هذا العمل أو شكله, لكن أهمية الجماعة المنسلخة ليست إلا بالقوة فقط, ولا تتحقق بالفعل إلا عندما تعبأ لخوض العمل السياسي, وهكذا فإن المرحلة الثانية مرحلة كيف يمكن أن نطلق عليها مرحلة التعبئة السياسية للشيعة وسوف نعرضها في الفصل التالي بالتفصيل, إلا أننا سنشدد حاليًا على الخطوة الأولى من العملية التي مكنت الشيعة من كسر أطر العزلة السياسية والحرمان الاقتصادي.

في أواخر الستينات كانت رياح التحديث تهب على الشيعة فتقتلعهم وتجعلهم أكثر من أي وقت مضى مؤهلين للتعبئة السياسية, ولقد كان لبنان حتى قبل الحرب المفتوحة في عام 1975يتعرض لتغييرات اقتصادية – اجتماعية عميقة وعريضة, ورغم أن هذه التغيرات لم تتحول إلى نزاع مسلح إلا أنها تسارعت وتفاقمت بفعل التفتت المجتمعي والاضطرابات الأهلية المرافقة له, وإذ يبدو, للوهلة الأولى, إن اعتبار الفوضى والحرب الداخلية ظواهر مصاحبة للتحديث السياسي ذي دلالة متضاربة, إلا أن حالة لبنان تظهر بالملموس إلى أي مدى يمكن لسنوات من هدر الدماء أن توسع من حجم الشرائح المتسيسة في بلدها.

ورغم أن العملية كانت رهيبة جدًا, إلا أنه من الواضح أن العديد من اللبنانيين الذين كانوا يومًا ما وادعين قد خرجوا من الحرب الأهلية ومن الغزو الإسرائيلي مصرين على ضرورة تلبية مطالبهم وتحسين ظروفهم, وطبيعي أن هذه التطورات لم تنحصر بطائفة بعينها, بل أثرت في جميع طوائف البلاد ([29]) وزادت الأزمة الداخلية والغزو وسيادة الاضطراب والفوضى من حدة الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأ حتى قبل الحرب الأهلية في عام 1975 فالتقدم التعليمي التدريجي وازدياد السفر داخل لبنان وإلى الخارج, وازدياد الاطلاع على الصحافة ومشاهدة التليفزيون, وتدهور الزراعة وتوسع قطاع الخدمات, كلها عوامل غيرت كثيرًا من الحياة في القرى وحتى في أحزمة البؤس المدينية, فالناس الذين لم تكن لهم ذات مرة علاقة بالنظام السياسي, هم الآن مصممون أكثر فأكثر على فرض إرادتهم السياسية, ولقد فشل المراقبون غالبًا في ملاحظة هذه النتيجة الهامة للأزمة في لبنان وركزوا عوضًا عن ذلك على المناحي الظاهراتية ([30]) إلا أن هذه النظرة, رغم كونها مفهومة, تتجاهل التغييرات العميقة, بل وربما الدائمة, التي عصفت بالنظام السياسي اللبناني.

أدت سنوات الأزمة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة إلى جعل الزعماء عاجزين أكثر فأكثر, فالطائفة الشيعية التي رزحت طويلاً تحت سيطرة 6 عائلات ((مقاطعجية)) (إقطاعية) هي آل الأسعد آل الخليل, آل الزين, آل عسيران, آل حيدر وآل حمادة بدأت بالتحرر من سيطرتها في الستينات إن لم يكن قبل ذلك, وبحلول السبعينات دفع اندماج عاملي التغيير والنزاع المسلح إلى الواجهة بجيل جديد من القادة, أكثر تحسسًا بمطالب قاعدتهم الشعبية الجديدة, وقد أصبح لزامًا علينا الآن, أن نتفحص عن كثب عمليات التغيير والنزاع لما كان لها من تأثير هائل في لبنان.

التعبئة الاجتماعية:

لا يملك أي نظام سياسي مناعة تحصنه من التغيير, لكن يبقى أن هناك دراسات سياسية, بل وحتى أعمال تخصصت في دراسة التطور السياسي تتجاهل أو تقلل من أهمية ديناميات التغيير ([31]), هناك مقالتان للعالم الأنتربولوجي المتميز أمريزل بيترز Emrys L. Peters توضحان بشكل رائع مخاطر النظر بشكل ضيق إلى التغيير السياسي, أجرى بيترز, في الخمسينات بحثًا ميدانيًا في قرية جنوبية, واكتشف أنه بإمكان الأفراد الانتقال من شريحة اجتماعية إلى أخرى إلا أنه فشل, كما اعترف في مقالته اللاحقة, في التوصل إلى أن الشريحة الاجتماعية نفسها يمكن أن يعاد ترتيبها باختلاف درجة تقبل فرص التعليم والهجرة والزراعة, فالعائلات المتعلمة التي بدا له في عام 1952 أنها تمثل النخبة في القرية, عاد واكتشف, في زيارة لاحقة له بعد ذلك بعشرة سنوات, أنها جردت من سلطتها السياسية ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أنها فشلت في التكيف مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتغيرة ([32]) فمقالات بترز يمكن أن تعتبر عامل تذكير لنا بتلك الخاصية المقلقة للتغيير المتمثلة بإمكانية توليده, كما أنه يذكرنا أنه يمكن -حتى لأحد سادة العمل الميداني- أن ينحو إلى الفشل في استشفاف الآثار الكاملة للتغيير.

وفي الحقيقة فإن هناك عددًا ضئيلاً من المحاولات الجدية القيمة لشرح مصادر وأهمية التغيير في المجتمعات التي تخضع لعملية التحديث, وليس هذا بالأمر المفاجئ, فكما أن التغيير هو التحدي الأهم للقادة السياسيين سواء كانوا من رجال الدين الشيعة, أم من الرؤساء المورانة, فلقد برهن أيضًا على أنه أحجية فائقة الصعوبة حتى بالنسبة لعلماء السياسة.

يشكل عمل كارل دويتش محاولة نموذجية لدراسة أثر التغيير, إذ طور في مقالة هامة له في عام 1961 مفهوم التعبئة الاجتماعية, وهو كناية عن محاولة طموحه لشرح كيف تطلق التغيرات الاجتماعية – الاقتصادية القوى الاجتماعية وتوسع من رقعة الشرائح الاجتماعية الفاعلة سياسيًا ([33]) وتطرح بالتالي تحديات جديدة على القادة السياسيين والأنظمة السياسية, وكما سنرى فإن منشأة دويتش الفكرية ليست كاملة, حتى أنها لا تفسر كيف تتحول التغيرات الاقتصادية – الاجتماعية إلى تغيرات سياسية, إلا أن عمله يشكل خطوة مفهومية أولى باتجاه فهم أهمية التغيير في لبنان.

ثمة, في الواقع بعدان للتعبئة الاجتماعية, الأول: إنها مؤشر وملخص لعملية التغيير ((التي تحدث لجزء أساسي من السكان في البلدان التي تنتقل من أنماط الحياة التقليدية إلى الطرق الحديثة)) يحذر دويتش من أن التعبئة الاجتماعية ليست متطابقة مع عملية التحديث ككل ([34]) وفي الواقع فإن التعبئة الاجتماعية هي العملية التي يصبح السكان عبرها متاحين للتحديث, الذي يمكن أن نعتبره عملية التبني الفعلية لالتزامات سياسية وأنماط سلوك جديدة, والبعد الثاني هو أنها تشير بشكل غير دقيق إلى ازدياد المتطلبات وهي الظاهرة التي تميز المجتمعات الخاضعة للتحديث.

يصنف هذا المفهوم, بوصفه مؤشرًا للتغيير, عددًا كبيًرا من المتغيرات التي بتتابعها الزمني, تدل على مدى التغيرات التي تحدث في بلد ما, لذا يقترح دويتش أن نوجه اهتمامنا إلى وحدات التغيير التالية؛ التعرض إلى مناحي الحياة الحديثة ( الإعلام، السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا وغيرها) تغير السكن وخصوصًا الهجرة من الريف إلى المدينة, تغير العمل كالتحول عن العمل الزراعي, انخفاض نسبة الأمية وتغير الدخل.

يصف دويتش نتائج التعبئة الاجتماعية كما يلي ((إذا حدثت التعبئة الاجتماعية في أي بلد فإنها تحضر معها توسعًا في الشرائح الاجتماعية ذات الفعالية السياسية بين السكان)) ([35]), ويضيف: وكذلك تجلب التعبئة الاجتماعية تغيرًا في نوعية السياسة عبر تغير نطاق حاجات السكان الذي يلقي بثقله على العملية السياسية, فالناس المقتلعين من عزلتهم المادية والثقافية عبر اقتلاعهم من مكان سكنهم, ومن عاداتهم القديمة وتقاليدهم وفي الغالب من أنماط عملهم أيضًا, يخضعون لتغيرات هائلة في حاجاتهم ([36]).

فليست التعبئة الاجتماعية مجرد عملية ينفصل فيها الناس عن ولاءاتهم القديمة بل هو أيضًا عملية قد تفقد فيها أنماط السلوك السياسي القائمة وظيفتها, فما أن يقتلع الناس من هوياتهم القديمة حتى يختبروا احتياجات جديدة ويطرحون تحديات جديدة على حكوماتهم, فإن لم تلب هذه المطالب كما هي الحال في لبنان, فإنهم يلوحون بشبح الاضطرابات السياسية, وكما لاحظ وليم فولتز ما يستدعي التقدير الكبير لمقالة دويتش أنه قام قبل زمن طويل من طرح هنتغتون لشبح ((التعفن السياسي)), وعرض كسفير ((Kasfir)) لضرورة ورغبة بعض حكومات العالم الثالث في الحد اصطناعيًا من المشاركة السياسية, بقياس مدى إمكانية أن تجد حكومات معينة نفسها في هذه المضائق الخطرة([37]).

وقام مايكل هدسون مستلهمًا مفهوم دويتش بدراسة ظاهرة التعبئة السياسية في لبنان, وقد قدم كتابة الصادر عام 1968 براهين مقنعة, رغم إنها أحيانًا ظرفية, على أن البلد كانت تمر في أواخر الستينات بعملية تعبئة سياسية سريعة ومُتفاوتة وَضعت (الجمهورية الرجراجة) في مواجهة تحديات ومشاكل جد خطيرة([38]).

ورغم نُدرة الأرقام المتوافرة وخصوصًا حول الطوائف فإن ما توفر من المعطيات يستمر في الإشارة إلى حدوث تغيرات اجتماعية – اقتصادية هامة في لبنان في العقود الأخيرة, وخصوصًا في مجال الوظيفة ونمط السكن, وهي تغيرات مركزية في مفهوم دويتش للتعبئة الاجتماعية, ويمكننا بالتالي من أن نستنتج من أنها أثرت بشكل متفاوت على الشيعة.

فمثلاً بين عام 1960-1980 انخفضت نسبة إجمالي قوة العمل الموظفة في الزراعة – العمل الأكثر انتشارًا بين الشيعة – من 38% إلى 11%, وتوجه غالبية الذين تركوا الزراعة للعمل في قطاع الخدمات المديني الذي زادت حصته من 39% إلى 62% خلال الفترة نفسها ([39]). إن أسباب هذا التغير معقدة, ولكنها تشمل بالإضافة إلى التهجير الناتج عن الحرب, جمود أسعار المحاصيل النقدية (التبغ والشمندر) وزيادة زراعة الحمضيات الرأسمالية المكثفة التي شهدت زيادة مرتفعة نسبيًا في حجم القوة العاملة (3 % سنويًا في الفترة بين 1970-1980) والظروف الأمنية الخطرة وغير المستقرة وخصوصًا في الجنوب والبقاع وهي المناطق الزراعية التي يسكن فيها أكثر بكثير من 50% من الشيعة بينما يتوزع الباقي على بيروت وضواحيها, وعدم دعم القطاع الاقتصادي الرئيسي سواء من قِبَل الدولة أم من القطاع الخاص, بلغ إجمالي دعم الدولة (2.3 %) من ميزانيتها لعام 1973 بينما بلغ حجم  القروض المصرفية 2.3 % من إجمالي القروض التي منحتها المصارف عام 1974).

فمن غير المستغرب في هذه الحالة أن تكون النتيجة تزايد فقر ملاك الأراضي الصغار, الذين يملك الواحد منهم 3 هكتارات على الأكثر, ويمثلون ثلاثة أرباع عدد السكان في المناطق الزراعية ( يظهر أحد إحصاءات 1973 التقديرية أن مدخول العائلة التي تعمل في الزراعة بلغ 500 ليرة لبنانية سنويًا للشخص الواحد مقابل 1100 ليرة لبنانية في القطاع الصناعي و 8060 ليرة لبنانية في قطاع الخدمات) وفي أواخر الستينات – قبل زمن طويل من اندلاع القتال- كان 56 % من الذين يعملون في الزراعة في الجنوب قد اتخذوا لأنفسهم وظيفة أخرى (عمالاً في العادة) ([40]) والمذهل في الأمر أن أغلبية الذين سعوا وراء عمل إضافي هم من أصحاب الأراضي, فإذا أضفنا إلى ذلك ظواهر هامة أخرى وإن تكن أقل درامية, كمضاعفة استهلاك الفرد للطاقة بين عامي 1960-1970 فإن لبنان كان يمر بتغيرات من النوع الذي حددته منشأة التعبئة الاجتماعية.

يشكل تدهور القطاع الزراعي دافعًا مهمًا للهجرة الداخلية التي تتجه عادة نحو بيروت وضواحيها والهجرة الخارجية (يهاجر الشيعة غالبًا إلى أفريقيا الغربية والخليج) وهو عامل لم يأخذه دويتش بعين الاعتبار, فإذا افترضنا أن عدد سكان لبنان بلغ في عام 1980, 3 ملاين فإن حوالي 6 % من الذكور في قوة العمل, اللبنانية كانوا عمالاً مهاجرين في البلاد العربية ([41]) بينما بلغت نسبة الذين يودون العودة إلى البلاد من العاملين في الخارج ما يزيد عن 25% من إجمالي قوة العمل. فحتى قبل أحداث 1975, كان حوالي 40% من سكان الجنوب وحوالي 25% من سكان البقاع قد هاجروا ([42]). أما النازحون للمدينة, -وهم غالبًا من الذين لا يملكون أرضًا ولا عملاً ولم يتلقوا تعليمًا جيدًا- فمن الطبيعي أن لا يجدوا في أحياء بيروت الفقيرة سوى البؤس والفساد, وفي الحقيقة فإن عددًا قليلاً منهم استطاع تجاوز وضعه الطارئ غير المستقر, وهو عامل ما لبث أن برهن عن أهميته في تعبئتهم سياسيًا, من الناحية الأخرى, كان الذين يهاجرون إلى الخارج نوعًا ما أفضل تعليمًا, وبينما لم يكن لدى سكان أحزمة البؤس أي خيار آخر سوى الحفاظ على تحالفاتهم السياسية الريفية, اتجه المهاجرون نحو إقامة تحالفات سياسية جديدة في مناطق تواجدهم الجديدة, ومما له دلالته أن كافة الجاليات اللبنانية في أفريقيا يقودها شيعة, فلقد وجد الشيعة أنفسهم في مجتمعات فرضت عليهم حواجز اللون والقومية فيها العودة في النهاية إلى لبنان, بعكس موجات المهاجرين اللبنانيين السابقة التي كانت تستقر نهائيًا في الأمريكتين وفي أوربا, وهكذا لم ينقطع المغتربون الشيعة عن لبنان بل على العكس فقد حافظوا على علاقة وثيقة بوطنهم كان من نتائجها أن أصبح المهاجرون مصدرًا هامًا لتمويل الحركات السياسية التي اعترفت بوضعهم الاجتماعي – الاقتصادي المكتسب حديثًا, بل وحافظت عليه.

من التعبئة الاجتماعية إلى التسيس:

بحث دويتش في نتائج التعبئة الاجتماعية أعني توسع الشرائع الفعالة سياسيًا بين السكان ([43]) وبتعبير آخر التسيس بوصفه أحد نتائج التعبئة الاجتماعية الرئيسية ([44]), لكن رغم كونه يشير إلى أنه لدى ازدياد عدد السكان المعبئين اجتماعيًا فإن مطالبهم ستترجم في النهاية إلى ازدياد في المشاركة السياسية, فإنه لا يوضح في أي مكان من عمله الهام كيف تتم هذه الترجمة.

وذلك كما يلاحظ هيرولد غرين في نقد جدير بالتنويه: ((ولسوء الحظ فإنه لا يقول لنا سوى القليل جدًا عن أوليات ازدياد التسيس والمشاركة, إذ يكتفي دويتش بالقول بنشوئها, ثم يحيلنا إلى نظرية الديمقراطية لفهم ديناميات هذا النشوء)) ([45]).

ولقد قام جورج دومنغز باختيار العلاقة السببية بين التعبئة الاجتماعية والمشاركة السياسية, فوجد أثر دراسته للمعطيات في التشيلي والمكسيك وفنزويلا وكوبا في أوائل القرن التاسع عشر أن التعبئة الاجتماعية ليست دليلاً يمكن الركون إليه على المشاركة السياسية بل تعتمد المشاركة السياسية على القادة والمنظمات الذين يعملون وسط جمهور غير محنك نسبيًا وغير مديني ([46]).

أما ديفيد كاميرون فقد رفض في نقده اللاذع لدويتش فرضية الحتمية الاجتماعية  (أي أن التعبئة السياسية هي النتيجة, أو الناتج النهائي لبعض أنواع الانقسام الاجتماعي والتغيير الاجتماعي) ([47])ورغم أنه قد التبس عليه الأمر على ما يبدو فيما إذا كانت طروحات دويتش تتعلق بالتعبئة الاجتماعية أم السياسية, إلا أن عدم وضوح المصطلحات السياسية لديه لا يضعف النقطة المركزية التي يتبناها, والقائلة بأن أهداف ومصادر وبيئة, والأهم من ذلك كله وجود عامل التعبئة بحد ذاته هو الذي يحدد ما إذا كان المهيئين للتسيس, سوف يحرضون على الانخراط في العمل السياسي, ترى النظرة التقليدية إلى التحريض على أنه عملية سلبية وحتمية, لا يحظى التنظيم أو أنماط السلوك التي يتم التحريض عبرها بأي اهتمام, رغم استحالة حدوثه في غياب منظمة تسعى إلى استقطاب عناصر جديدة كما أنه من المرجح أن مدى التحريض قد يتأثر بالمنظمة نفسها, فسياساتها الانتسابية وحوافز الترقية التي تتبناها وقدرتها على خلق صورة إيجابية مرضية عن نفسها, وتبني أدبياتها حلولاً للمشاكل الراهنة وتكييف تنظيمها ليتلاءم مع البيئة التحتية الاجتماعية القائمة كلها عوامل قد تؤدي إلى نجاح أو فشل أي حركة سياسية جديدة في استقطاب أعضاء جدد ([48]).

وباختصار فإن اتجاه دويتش للتعامل مع السياسة بوصفها متغيرًا تابعًا يقلل من أهمية, بل وحتى يتجاهل, الطرق المتنوعة التي يمكن عبرها إدخال المتسيسين الجدد إلى النظام السياسي أو منعهم عنه.

أضف إلى ذلك, فإن دويتش يتجاهل العامل الدولي, الذي كما توضح حالة لبنان, قد يؤثر في آن معًا على الاستقرار ومعدلات التغيير في مجتمع ما ([49]) ويؤثر بالتالي على قالبية السكان للتعبئة السياسية, وهكذا فإن القوة التوضيحية لعمل دويتش على التعبئة الاجتماعية تقع في معالجته للعملية التي لا تكسب معنى إلا في إطار السياسة ([50]) وقد لخص ليونارد بايندر هذه الحقيقة بقوله: إن التعبئة الاجتماعية كما قدمها دويتش تنتهي حيث تبدأ التعبئة السياسية ([51]).

ثبات الهوية الطائفية:

عملت التعبئة الاجتماعية في لبنان على جعل عدد متزايد من الشيعة متاحين للعمل السياسي (أي للتعبئة السياسية) ولقد سبق لي أن شددت على أن شكل عملهم السياسي سوف يعتمد على الظروف التي استقطبوا خلالها والتي تحددت بالسمات العامة للنظام السياسي اللبناني إلى جانب ثلاث تطورات حدثت خارج لبنان سنتعرض لها في الفصل التالي, وهي الثورة الإيرانية, إخفاء رجل دين شيعي جماهيري، وتحول ملحوظ في ممارسات إسرائيل الانتقامية.

من الواضح أن الشيعة لم ينساقوا جميعًا للانتساب إلى تنظيمات سياسية, تحت تأثير المد الطائفي, إلا أنه مع مرور الوقت كان عدد كبير منهم قد فعل ذلك بالضبط, أما كون الشيعة يتعاطون بوصفهم شيعة – لبنانيين لا مجرد لبنانيين فليس أمرًا غير متوقع على الأقل في أدبيات علم الاجتماع التي تعرف جيدًا ظاهرة ثبات واستمرار المشاعر البدائية ([52]).

في ظل توفر ظروف معينة, تتمثل نتيجة التحديث النهائية في ظهور قومية مشتركة, هذه هي الفكرة الرئيسية التي عبر عنها دويتش في كتاب القومية والاتصال الاجتماعي ([53]) إلا أن دويتش اعترف -ولو متأخرًا كما يرى بعضهم- ([54]) أنه في بعض الأوضاع السياسية, كما هو الحال في لبنان, لا تؤدي التعبئة الاجتماعية للسكان إلى التمثل بل إلى التفاضل, إن نفس العملية قد تتجه إما إلى تقوية أو إلى تدمير وحدة الدول التي يكون سكانها منقسمين أصلاً إلى عدة مجموعات ينتمون إلى ثقافات وأنماط حياة متباينة ويتحدثون بلغات مختلفة ([55]).

والتفسير الأوضح لتضامن الشيعة النسبي يكمن في أنه من شبه المستحيل كما هو شائع, أن يتخلص المرء من هويته الطائفية في لبنان, فسواء نظرنا إلى النجاح الضئيل للأحزاب السياسية العلمانية, أم إلى استمرارية الميليشيات الطائفية فإنه من الصعب أن لا نصطدم بما يثبت استمرارية وثبات الهوية الطائفية ولقد أثبت الزعماء اللبنانيون الناجحون, فضلاً عن المنظمات التي تحدت سلطتهم, صحة مقولة فؤاد خوري: ((إن الترتيبات السياسية تبقى قائمة طالما ظلت تعكس الحقائق الاجتماعية)) ([56]).

فمن الصعب أن نجد حتى بين مثقفي بيروت المحنكين, من لا يميز بين معارفه طائفيًا, هذا لا يعني بالضرورة أن الحمى الدينية منتشرة بشكل واسع, إلا أن الهوية الدينية هي التي تحدد للمرء المنظمة الاجتماعية الأولية التي يحافظ بواسطتها على أمنه السياسي ([57]) أما التفاضل بحسب الطوائف فيقوى أيضًا بالقواعد السلوكية والحقول الثقافية المميزة: الدين, اللباس, قانون الأحوال الشخصية, المأكل, بل وحتى شكل الحلاقة المفضل.

وكل هذا لا ينفي ظهور بنية طبقية أولية في لبنان, إلا أنه عندما يوجد الوعي الطبقي فإنه يكون عادة محجوبًا ومعميًا بالهويات البدائية, وفي الحقيقة, وكما يزعم إيليا حريق عن حق أنه في حالة لبنان والعراق فإن ظروف الشيعة الاقتصادية الاجتماعية الموضوعية تتطابق مع مشاعرهم الأولية إلى درجة لا يعود معها من الممكن فصل الواحد عن الآخر ([58]) وبينما يوفر وضع الشيعة الاقتصادي قاعدة تحديد انتسابهم إلى مجموعة واحدة, فإنه لم يؤد إلى ممارسة على قاعدة طبقية تتخطى إطار الطوائف.

ولقد وجد خوري في دراسته الهامة لاثنتين من ضواحي بيروت –الشياح والغبيري– أن الهوية الطبقية قد تحدد أحيانًا بعض المناحي الثقافية الصغيرة مثل وقت تناول الطعام وأنماط التسلية, وكيفية استخدام المساحة المخصصة للجلوس في المنازل (غرفة الجلوس والمطبخ) إلا أن الطبقة ذاتها لم تكن إلا الأداة الأقل أهمية للتنظيم السياسي والاجتماعي ([59]) وكما لاحظ خوري فإن الطبقة الاجتماعية في الغرب هي العامل المحدد للاختلاف التنظيمي, أما في الشرق الأوسط فهي العامل المحدد للاختلافات السلوكية ([60]) وهكذا فإن ملاحظات هنتنغتون ونلسون تصبان في النقطة نفسها: عندما تنظم السياسة على أسس فئوية فإن القضايا والولاءات مرشحة لتجاوز الاختلافات الطبقية ولتخطي الحدود بين المدينة والريف, فلا تعود تصنيفات مثل الفلاحين المهاجرين, العمال تشكل قاعدة لعمل سياسي جماعي, على الرغم من أنه قد يبقى ثمة مجال بارز لفرص التحرك والتنظيم الجماعي ([61]).

تعزز الوعي الشيعي الجماعي, حتى أكثر من ذي قبل, بترسخ الاعتقاد بشكل واسع الذي ليس بمبرر بأنهم قد عانوا وطأة استمرار الأزمة في لبنان أكثر من أي مجموعة أخرى في البلاد دون أن يهتم أحد بمعاناتهم, فقد هجر الشيعة بالقوة من بيوتهم في الجنوب والمناطق الواقعة على الجانب المسيحي من الخط الأخضر في بيروت, وكانوا جنود القوات اليسارية خلال الحرب الأهلية ووقود حربها, إذن نحن نتعامل مع حالة من الواضح أن للمشاعر الأولية والظروف الاقتصادية – الاجتماعية الموضوعية.. مفعولاً مقويًا ([62]).

أما بالنسبة لمئات الألوف الشيعة الذين استقروا سواء بشكل دائم أو مؤقت, في بيروت وضواحيها, فإنه أصبح معروفًا بشكل جيد الآن إن السكن في المدينة لا يمحو بالضرورة الهويات الطائفية بل غالبًا ما يكون له تأثير عكسي ([63]), فكما يلاحظ هدسون ((يبدو أن بوتقة بيروت لم تقولب حتى أقل المواطنين اللبنانيين التزامًا... يبدو أن التمدين يحصن ضيق الأفق اللبناني بدلاً من أن يضعفه)) ([64]).

وليس من الصعب أن نفهم كيف تحصنت الهوية الطائفية, فقد كان معظم المهاجرين من المحاصصين ومستأجري الأراضي الزراعية والعمال الزراعيين الذين هجروا من أرضهم في الجنوب والبقاع بفعل الحرب وتقهقر المداخيل الزراعية, وتدهور الزراعة التي تعتمد على العمالة الكثيفة, وقد ضاعف هؤلاء, نظرًا لتدني مستوى تعليمهم وعدم امتلاكهم سواء لمصدر دخل أو لمهارات تساعد على توظيفهم, من عدد أشباه البروليتاريا في أكواخ بيروت وضواحيها ([65]) بل وأكثر من ذلك فإنه بخلاف رجال الأعمال السنة الرقيقين المهذبين كان الشيعة يوصفون من قبل مواطنيهم البيروتيين بتعابير تحاكي عنصرية جيم كروبيجوت, فلقد استمعت إلى نساء مارونيات متعلمات وهن يشرن إلى هؤلاء الناس بنبرة ازدراء جلية يحتفظ فيها المرء للوحوش لا للبشر.

وإذ تصف سعاد جوزيف في دراستها عن برج حمود, إحدى ضواحي بيروت موقف الأرمن من الشيعة, تقول: (( يصور المسلم على أنه وسخ وغير جدير بالثقة, مهووس جنسيًا, وجشع, إن هذه هي صورة الشيعي في برج محمود, الذي يصور كخطر دائم على النساء الأرمنيات ([66])وبالطبع فإن هذه الصور الجامدة المبسطة والمشوهة لا يتفرد بحملها الموارنة والأرمن وحدهم, ولكنها تتطابق مع التمييز الاجتماعي بين المقيم والطارئ, فإنها تشير إلى وجود انقسامات حادة عمقتها السنوات اللاحقة.

وكما يرى مايكل جونسون في دراسة مقنعة له, فإن المهاجرين الشيعة إلى بيروت (كحلفائهم الموضوعيين اللاجئين الفلسطينيين) يبقون إلى حد كبير خارج شبكة السيد التابع المدينية, التي يسيطر عليها الزعماء المسلمون السنة والقبضايات ([67]) فاستمر المهاجرون لحرمانهم من هذا النظام في الحفاظ على علاقات وثيقة بقراهم ومع الزعماء في الريف ([68]) وهكذا فحتى ابتعاد الشيعة عن القرية لم ينه دورها كمحور علاقاتهم السياسية, رغم الانخفاض التدريجي لأهمية هذه العلاقات.

إذا انخفضت فعالية الزعماء في الاستجابة لحاجات أتباعهم, ولم يعد بإمكانهم ضبط الوضع الأمني المتدهور الذي سيطر على القرى (وبخاصة في الجنوب), ولا توجد دلائل تشير إلى أنهم قاموا بمحاولات جدية (أو حتى شبه جدية) لتحسين الأوضاع التي يرزح تحتها, سكان المدن الفقراء, ويمكن القول اعتمادًا على ما سبق أنه لم يكن يوجد ما يدفع الزعيم إلى تحسين أوضاع مؤيديه في أحياء العاصمة الفقيرة, فلن يؤدي ذلك إلا إلى إضعاف الروابط بين المهاجرين وقراهم, وبالتالي بين المهاجرين والزعيم, وجد الشيعة الميدينيون أنفسهم كرفاقهم في المعاناة من اللاجئين الفلسطينيين هائمين على غير هدى في خضم البحر السياسي الهائج.

وحتى لو سعى سكان المدينة الجدد, في أوائل السبعينات لقطع العلاقات مع القرية كي يتمكنوا من المشاركة سياسيًا في محيطهم المديني الجديد, فإن قوانين الانتخابات اللبنانية جعلت الأمر صعبًا عليهم بل ومستحيلاً, فالعمليات القانونية الطويلة المتعلقة بمحاولات تغيير مركز الاقتراع من دائرة إلى أخرى أغلقت الباب أمام أكثر اللبنانيين, ففي برج حمود حيث بلغ عدد السكان الشيعة في أوائل السبعينات الثمانين ألفًا لم ينتخب في الواقع إلا حوالي 400 أو 500 منهم في مكان إقامتهم ([69]) لاحظ خوري أنه رغم بقاء 17 % فقط من السكان في الريف بعد الهجرات المتتالية في الخمسينات والستينات والسبعينات إلا أن قانون الانتخابات تجاهل هذه التغيرات الديموغرافية المهمة.

((يجب على المواطن بغض النظر عن مكان إقامته أن يعود إلى قريته ليمارس حقه في التصويت, إن نقل حق الاقتراع من منطقة إلى أخرى إجراء صعب يحتاج إلى أمر من محكمة لتنفيذه. فلو عدل قانون الانتخابات بحيث يمنح 17 % من المقاعد النيابية للمناطق الريفية و 83% للمناطق المدينية, لانقلبت البنية السياسية للبنان رأسًا على عقب, ولكن هذا القانون الانتخابي ساعد في إلزام المقترع بقريته.......)) ([70]).

وكما تدفع الفراخ للمبيت في خمها, كان سكان المدينة ينقلون إلى قراهم حتى ينتخبوا ممثل الإقطاع السياسي في منطقتهم مقابل خدمات ينتظرون أن يتلقوها وأحيانًا لقاء مبالغ نقدية, يقدم توما الخوري صورة أدبية رائعة للباصات الانتخابية التي كانت تعيد الناخبين إلى قراهم ((جاء موسم الانتخابات, فعجت القرى بالحركة حتى غدت كزبد البيض المخفوق, وتحولت أزقتها إلى ما يشبه خلايا النحل وأخذت الباصات تروح وتجيء ناقلة الناخبين من المدن والقرى ومن كل مزرعة ودسكرة وبيت)) ([71]).

وهكذا فإن القرى كانت تلحق بالقرويين إلى المدينة سواء على الصعيد الاجتماعي أم السياسي, ولم تنقطع صلات المدينة الوثيقة بالقرية ([72])وهي حالة يعبر عنها خير تعبير ذلك التساؤل العامي: (أصلك من وين؟)

من نتائج العلاقات الوثيقة بين القرية والمدينة أن قرى الجنوب كانت تتمتع على الأقل بنفس مستوى أهمية أحزمة البؤس التي تحيط بالمدينة كأرض خصبة للتعبئة السياسية الشيعية, قد يكون ذلك مفاجئًا إلى حد ما حتى لو أخذنا الوضع الأمني الخاص في الجنوب بعين الاعتبار, خصوصًا وإن بعض الكتابات الرئيسة حول التحديث تزعم وجود علاقة مهمة بين التمدين وظواهر ازدياد النشاط السياسي أي المشاركة ([73])ولكي نعالج هذا الخلل بين الوضعي والنظري لا بد لنا من مراجعة بعض الحجج التمثيلية كمعنى التمدين وعلاقته بالنمو السياسي.

التمدين:

يتعاطى دانيال لارنر مع التمدين بوصفه المرحلة الأولى من التحديث ويزعم أن انتقال السكان من المناطق الداخلية المبعثرة إلى المراكز المدينية هو الذي يستثير الحاجات ويوفر شروط الإقلاع باتجاه المشاركة الواسعة ([74]) ويرى لارنر أن المجتمع الحديث يتميز بأنه مجتمع صناعي, مديني متعلم ومشارك ([75]).

ويساوي كارل دويتش إلى حد كبير بين عملية التغيير نفسها, التي تحول المجتمع عن أنماط الحياة التقليدية وتدفعه إلى تبني الأنماط الحديثة, وبين التمدين, لذا, وكما أشرنا من قبل, فهو يقترح لقياس التعبئة الاجتماعية رصد متغيرات مثل تغير السكن التحول عن العمل الزراعي وبخاصة التمدين, فلدى اختبار المجتمع لمزيد من التعبئة الاجتماعية (أي التمدين) يقال لنا أنه يجب أن نتوقع ازدياد الشرائح الاجتماعية التي تتعاطى السياسة بين السكان ([76]) مما يقود بدوره إلى ازدياد المشاركة السياسية ([77]) ويصيغ هنتنغتون النقطة نفسها بشكل مباشر إذ يقول: ((التمدين وزيادة نسبة الأميين والتعليم, ومتابعة وسائل الإعلام كلها عوامل تزيد من الطموح والتطلعات, التي إن لم يستجب لها, تدفع بالأفراد والمجموعات إلى السياسة ([78]).

وبالطبع, فإننا لا نهدف هنا إلى تسفيه عمل أكادميين آخرين, بل إلى صياغة نقطة نظرية هامة, إضافة إلى أهميتها في فهم الحالة اللبنانية: فالمعنى الخاص للإقامة في المدينة بما هو انخراط في العمل السياسي قد فقد في لبنان, ولا يعود ذلك بالضرورة إلى خطأ نظري بل لأن التمييز بين مديني ريفي في لبنان فقد الكثير من معناه ([79]), فهو بلد لا تتجاوز مساحته 4015 ميلاً مربعًا (10452 كلم مربع) وهو بلد يمكن الانتقال فيه برًا من أقصى قرية إلى المراكز المدينية الرئيسية في 3 ساعات كحد أقصى (وأقل من ذلك بكثير غالبًا) وهو بلد الهجرة إلى الخارج والعودة إحدى تقاليده, كما أنه بلد فرضت نوبات العنف الوحشي موجات متتالية من الهجرة الداخلية, وهو بلد غالبية سكانه العظمى غير ريفية في مظهرها الخارجي, ويبدو أن ما تقترحه الحالة اللبنانية هو أن إيليا حريق محق تمامًا إذ يعتبر أن مفهومي جماعات مدينية وريفية أقل نفعًا في تحليل النمو السياسي من عمل دويتش على السياسة الريفية والتغيير الاجتماعي ([80]) وكما لاحظ أنطون وحريق في عمل مهم عن السياسة الريفية والتغير الاجتماعي لقد رأينا أن خصائص التحديث كمعرفة القراءة والكتابة ومتابعة وسائل الإعلام, والمشاركة السياسية وعقلنة الإنتاج والإدارة وارتفاع مستوى المعيشة, يمكن أن تحدث على صعيد القرية كما تحدث في المجتمعات المدينية ([81]).

والحالة اللبنانية ليست حالة فريدة, ففي تحليل للمشاركة الريفية في الثورة الإيرانية, وجد إيريك هوغلاند أن الشباب الذين انتقلوا للعمل في المدينة, هم مدينيون فعلاً في العديد من نشاطاتهم ومواقفهم, من المفيد أن نذكر أن هوغلاند يتحدث عن قرى تقع في محيط دائرة يتراوح شعاعها بين 45 و 50 كلم عن المدن الكبيرة, بينما لا توجد أي قرية في لبنان على بعد أكثر من 60 كلم عن (بيروت- صيدا- زحلة –طرابلس- صور) وبالتالي فإنه يمكن أن نطبق بسهولة هذا الوصف, فيما عدا بعض التفاصيل عل حالة لبنان:

والكل تقريبًا لديهم أقارب يعيشون في المدينة, وأُلفتهم بالحياة المدينية تضاهي معرفة أي مديني, وهم يظهرون اهتمامًا كبيرًا بالأحداث القومية, التي غالبًا ما تكون موضوع الحديث في اللقاءات الاجتماعية, وهم يعتبرون أنهم أكثر اطلاعًا من آبائهم, ولا يترددون في إبداء آرائهم أمام المسنين في القرية, ويعتبرون سماع الأخبار على الراديو وسيلة لملء أوقات الفراغ, وبينما كان العديد منهم يقرأ الصحف بانتظام خلال الثورة, فقد واظبوا على قراءتها بعد الثورة وإن بشكل غير منتظم, وكان هؤلاء الشباب على اطلاع دائم على كافة التطورات السياسية طوال عام 1978، الذي ما إن انقضى حتى كان تسيسهم كتسيس أي مجموعة أخرى ([82]).

إن القول بصعوبة توخي الدقة, بناء على المعطيات المتوفرة عن لبنان, هو قول لا يزال أقل من الواقع بكثير. إلا أن المعطيات المتوفرة على ندرتها لا تتناقض على أي حال, مع الانطباعات التي توصلت إليها في عملي الميداني, إلا في كونها تقلل من أهمية مستوى تسيس الشيعة الريفيين خاصة واللبنانيين عامة, ففيما يتعلق بمدى التمدين مثلاً, فإن إحصاءات البنك الدولي تظهر بأن (76 % من السكان مدينيون) ([83]), إلا أني أرى بأن هذا العدد يقلل من نسبة تمثيل بعض سمات التمدين ويضخم سمات أخرى, فإذا كنا نعني بالتمدين التعرض لبعض مظاهر الحداثة كالتكنولوجيا, ووسائل الإعلام, والسلع الاستهلاكية, والتبادل النقدي والتعليم, فإن لبنان يكاد يكون مدينيًا بشكل تام, وذلك بالرغم من تعلق اللبنانيين بالصورة الخرافية الطهرانية لقراهم التي لم تتلوث بفساد المدينة. وفي الحقيقة فإن هذه القرى ليست سوى جزء من تاريخ لبنان الاجتماعي ([84]), فالقرى الرعوية المعزولة, لا يصح مجرد القول بأنها مغير منتشرة في لبنان, بل هي نادرة أساسًا, فكما لاحظ حريق (( أن لبنان كله من نواحي عدة, هو ضاحية كبيرة واحدة لبيروت )) ([85]) فللأسباب التي توسع خوري في عرضها, أصبح نموذج القرية المعزولة, الآمنة في تقاليدها وعاداتها والتي لم تؤثر فيها ديناميات التحديث, أطلالاً تدرسها الأثتوغرافيا, بشكل عام لا تملك أي جماعة (قرية, ضاحية, مدينة) في لبنان حدودًا طبيعية توازي حدودها الاجتماعية الثقافية, ورغم كونها مسألة درجات متفاوتة فالظاهرة البارزة هي ظاهرة تخطي المجموعات الاجتماعية للحدود الجغرافية, وهي خاصية أقرب للتقاليد المدنية منها للتقاليد الريفية ([86]) ولقد اكتسب عمل خوري المنشور في 1975 أهمية أكبر على ضوء التغيرات التي حدثت منذ نشره.

لكن حتى الفلاحين البُسطاء والفلاحين الذين عرفتهم يمكن نعتهم بأي صفة باستثناء البساطة, يظهرون مدى زيف صورة الفلاحين الساذجين المعزولين عن العالم الخارجي, فالقريون, رغم موقفهم المحافظ في عدد من القضايا الاجتماعية, يبدون تفهمًا متطورًا بشكل معقول لما يقدمه العالم خارج القرية في سلبياته وإيجابياته, ولا شك في أن هذه الحجة قد تصح على قرى في بلدان أخرى, إلا أنه في لبنان بالتحديد عملت عدة عوامل فريدة على تقصير المسافة الاجتماعية السياسية التي تفصل قطاع الريف عن القطاع المديني.

كالهجرة الدائرية التي يهاجر فيها الأبناء إلى الخارج كي يبحثوا عن رزقهم, إلا أنهم يعودون لزيارة قريتهم بشكل منتظم, وغالبًا ما يعودون للاستقرار النهائي فيها, يشير أحد التقريرات إلى أنه في عام 1983 كان 35 % من قوة العمل اللبنانية خارج لبنان, وإن 50 % من إجمالي قوة العمل اللبنانية كان في الخارج مرة أو أكثر خلال العقد الماضي ([87]) ففي إحدى القرى الغنية, والتي اعتبرها نموذجية, يبلغ عدد السكان في الصيف ضعف عددهم في الشتاء, وهذا ناتج عن عودة التجار الشيعة لقضاء إجازتهم السنوية من مركز عملهم في دكار وأبيدجان, والمهاجرون العائدون للوطن, سواء بصفة نهائية أم مؤقتة, يحضرون معهم تكنولوجيات وأفكارًا وأساليب جديدة, بل إن وجودهم بحد ذاته, يرمز إلى صلة القرية بالعالم الخارجي.

عامل آخر, يخفف من حدة الانقسام الريفي المديني هو التعليم, ففي عام 1979كان ما يقارب 100% من الأطفال, الذين هم في سن التعليم الابتدائي يذهبون بالفعل إلى المدرسة (50 % في التعليم الثانوي) وهي أرقام مذهلة إذا أخذنا ظروف البلاد بعين الاعتبار, وهي تعكس مدى فهم السكان للأهمية الوظيفية للتعليم, فالفلاحون وأصحاب الحوانيت من أميين وشبه أميين يرسلون أبناءهم وبناتهم لتلقي العلم, وبينما يتفاوت مستوى المدرسة الابتدائية بين قرية وأخرى, ويجب الاعتراف أن بعضها سيئ جدًا, فمن الواضح أن النظرة السائدة تعتبر التعليم شرطًا جوهريًا مسبقًا لتمكين المرء من شق طريقه في العالم (أي خارج البلدة أو القرية) إذ كان الأطفال يتلقون العلم حتى في ظل أقسى الظروف الأمنية, في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات, وفي هذا الإطار, تجدر الملاحظة بأن الدولة اللبنانية رصدت للتعليم في ميزانيتها لعامي 1981-1982 على التوالي, مبلغًا أكثر مما رصدته لأي بند آخر من انعكاسات التدهور المأساوي الذي شهده لبنان منذ عام 1982, عدم ذهاب الأطفال إلى المدارس بسبب المخاطر الكامنة, بالإضافة إلى أن العديد من المدارس العاملة إنما تعمل بشكل منقطع.

وأخيرًا, فإن الخطر الأمني الحاضر أبدًا يلعب دورًا هامًا في كسر عزلة القرية, إذ يتابع المرء وسائل الإعلام ليحافظ على حياته, والعلاقات مع سكان المدن ليست مجرد علاقات عابرة أو اجتماعية, بل هي غالبًا نتيجة تهجير السكان الذي لازم الحرب الأهلية, فمثلاً هاجر سكان الجنوب كلهم تقريبًا, إلى بيروت والضواحي كنتيجة مباشرة لعملية الليطاني, ولقد انعكس اتجاه التدفق في أحيان كثيرة, فلطالما التجأ سكان بيروت إلى أقاربهم في الجنوب وكافة أنحاء لبنان فالحرب تُعطل الحياة وتجر حتى القرويين البسطاء إلى الاطلاع على أحداث تجري بعيدًا جدًا عن الحقول التي يمضون فيها سحابة يومهم, قد يزدري القرى السياسية وخصوصًا السياسة القائمة على العنف, إلا أنه حتى في ازدرائه هذا, يخضع لعملية تسيس.

ومن الناحية الأخرى فإن إحصاءات التمدين في لبنان تضخم بعض العوامل, فالنظام السياسي في لبنان, بالتخطيط وبالممارسة, لا يسيطر في المركز بل في الأطراف ([88]) قد تكون بيروت هدف طالبي الثورة إلا أن محور المشاركة السياسية هو في الغالب القرية, ففيها ينتخب المواطنون ويقيمون علاقات عائلية وإليها يرجعون في أوقات الشدة, وبينما توفر المدينة أحيانًا مكانًا بديلاً للمارسة السياسية, إلا أنها تتجه في لبنان نحو لعب دور المكمل للمدينة بدلاً من الحلول محلها كمكان مناسب للعمل السياسي, -لذا فإن الاقتراح بأن تعتبر علاقة المدينة الريف ((علاقة اتصالية لا ثنائية)) يبدو اقتراحًا ملائمًا بشكل خاص للبنان ([89]).

المشاركة السياسية:

كما رأينا فإن إحدى الانعكاسات المزمنة للتخلف السياسي للشيعة, تمثل في استمرار رابطة السيد, التابع بين الزعماء والفلاحين, لدى حلول الانتخابات يقوم الناخبون الشيعة -كالكثير من اللبنانيين- بانتخاب الزعيم ومرشحه دون أي اعتبار للبرنامج السياسي الذي لا نهتم به نحن أيضًا على أي حال, ولا للأيديولوجيا ولا حتى لمواصفات المرشح, فالمشاركة السياسية مشاركة معبأة أكثر منها مشاركة ذاتية مستقلة وهي مشاركة تهدف إلى مراعاة الآخرين, أي غير نابعة عن أي شعور بالمسئولية المدنية ([90]) ولكن هذه الروابط ما لبثت أن انحلت كنتيجة للتحديث المتواصل, يلاحظ أرنولد هوتنغر في مقالته الأصلية المبدعة أن السلطة الفعلية كانت تنسل من أيدي الزعماء منذ أوائل الستينات, ويعود ذلك بشكل واسع إلى نمو أجهزة الدولة الإدارية التي منحتهم كخدمات عددًا من السلع السياسية التي كان يوزعها الزعيم كتقديمات ([91]) ومع انتشار تهجير السكان, والتحولات في تنظيم الاقتصاد والوضع الأمني المتدهور في الجنوب, وجد الزعيم أن تلبية حاجات أتباعه المعقدة والمتزايدة ومطالبهم المتكاثرة تزداد صعوبة بشكل تدريجي ( ولسوء الحظ فإن الدولة أيضًا لم تستطع أن تواكب هذا التطور).

المؤسسات السياسية محكومة بالتقاليد والثقافة, لكن التقاليد لا تدفعها نحو الاستمرار, فالناس تنخرط في السياسة (وبالتالي في العلاقات السياسية) لأغراض عملية, وهكذا فمع تقلص حجم الانتفاع من التبعية التقليدية ومع عجز الدولة عن الاستجابة لمطالبهم, سعى الشيعة كغيرهم من اللبنانيين, إلى تبني وسائل أخرى للتغلب على سوء وضعهم الاقتصادي الاجتماعي, وبالطبع فإنه عندما يطالب الناس بصوت سياسي أكثر فعالية فهم يصرون على ضرورة إسماع صوتهم, أي أنهم يودون المشاركة في تقرير مصيرهم. وليست المشاركة السياسية هي هدفهم بل مقدار النفع الذي يحصلون عليه من جراء هذه المشاركة, فالعديد من المتسيسين الشيعة الجدد تخلو عن النظام السياسي القديم؛ لأنه أدار أُذنًا صَمَّاء لمطالبتهم بالأمن, والتعليم, والخدمات الصحية, والتوظيف.

بحلول الستينات كان عدد من الشيعة قد أصبح أكثر تشددًا من أي وقت مضى في التعبير عن مطامحهم ومطالبهم السياسية, وكان الحزب الشيوعي اللبناني إلى جانب حركة ذات طابع شيعي مميز يلاقيان نجاحًا هام في اكتساب العناصر الجديدة, كذلك ازدهرت نوادي الشباب والرياضة والثقافة في كافة المناطق الشيعية, أما الرابطات العائلية المرخصة من قبل الدولة, والتي تقدم الخدمات الاجتماعية والخيرية, وتساعد على تأمين الوظيفة, فكانت تشهد إقبالاً على تأسيسها بسرعة لم تشهد مثيلاً لها من قبل, توجد هذه الرابطات في مناطق التواجد الشيعي سواء في المدينة أم في الريف, وهي تقدم العديد من الخدمات التي كان يوفرها الزعيم, يذكر سمير خلف أنه رغم أن الشيعة لم يشكلوا خلال الثلاثينات سوى ما نسبته 12.8% من الرابطات العائلية المرخص لها خمس رابطات فلقد بلغت النسبة ذاتها 47.2 % في الستينات (77 رابطة) ([92]).

الحرب الأهلية كأزمة مشاركة:

من اهتمامات علماء الاجتماع الثابتة والدائمة: البحث عن الطريقة الفضلى التي على الحكومات الهشة, التي تحكم دول العالم الثالث وجزء كبير مما يُسمى العالم المتقدم, أن تتعامل بها مع القوى الاجتماعية الناشئة في حال نشوئها, هل تسحق أم تحتوى, أم يسيطر عليها, أم يُستجاب لها, أو يعمد إلى اعتماد مزيج من هذه الخيارات ([93]), لقد شاهدنا في الأزمنة الحديثة محاولات لسحقها, في السلفادور, والفلبين, لم تسفر سوى عن نتائج متفاوتة في أحسن الأحوال, لذا فإن عودة ((سامويل هنتنغتون)) لاحتوائها دعوة جد بديهية, أما علاج ((دافيد ابتر)) وهو ما يدعوه غرين بـ ((المشاركة الظاهرية)) فقد فشل في غانا, ومصر, كما فشل مؤخرًا في إيران البهلوية ([94]).

وفي الحقيقة, لا توجد خيارات سهلة, إلا أنه في دولة مثل لبنان حيث يتحدد الحكم أساسًا بقيامه على قاعدة التوزيع الثابت للسلطة السياسية فإن الخيارات ليست فقط صعبة جدًا, لكنها قليلة جدًا أيضًا: إن أسباب الاضطراب المدني في لبنان ليست أسبابًا محض داخلية, لكنها تمثل جزئيًا, حتى في النطاق التي هي فيه داخلية, المطابة بإعادة توزيع السلطة السياسية وموارد الدولة, فما شهدناه في لبنان خلال العقد الأخير هو ما يدعوه ما يرون واينر وزملاؤه بـ ((أزمة المشاركة)) الشيعة من أبطالها الرئيسيين, يمكن تعريف أزمة المشاركة كأزمة تقع عندما تعتبر النخبة الحاكمة مطالب أو سلوك الأفراد أو الجماعات الساعية للمشاركة في النظام السياسي مطالب غير شرعية, والذي يميز أزمة المشاركة عن غيرها من أزمات النمو هو أن المطالب, بغض النظر عن مضمونها الخاص, تشمل أيضًا حق المشاركة في السلطة ([95]).

وبالفعل, فإن التعبئة الاجتماعية للشيعة, بلغت في أواخر الستينات مستوى من التصميمات لم تعرفه من قبل, فبينما كان الشيعة لا يزالون خلف الطوائف الأخرى وفق المعايير المتبعة لقياس الحالة الاجتماعية الاقتصادية, كانت ثمة أدلة قاطعة تشير إلى ظهور تغير اقتصادي اجتماعي حاد, وبالتالي إلى ظهور التعبئة الاجتماعية, ولكن وكما رأينا فإن الانتقال من التسيس بالقوة إلى الممارسة السياسية يعتمد على توفر عملاء التعبئة, وكما ذكرنا أعلاه فإن دافيد كاميرون قد هاجم في نقده لدويتش ذلك التصور التقليدي للتعبئة الذي يعتبر أن التحريض السياسي عملة سلبية وحتمية ([96]) إن تشديد كاميرون على عميل التعبئة يوجه اهتمامنا نحو الأدوات التي تحرض المعبأ اجتماعيًا على السياسة ([97]) وبالتالي نحو تشديد ني وبوويل وبروويت على دور المنظمات الوسيطي ([98]) يدرس كاميرون كيف يتبنى عميل التعبئة أو منظمة ما أديولوجيته ليطبقها على الغضب الداخلي بحيث تكسبه معناه وكيف تحول موارد المجتمع المحلي إلى منفعتها الخاصة عبر اختراقها للبنية التحتية التنظيمية القائمة أساسًا في المجتمع وتتكيف معها لخدمة أغراضها الخاصة ([99]).

وفي أوائل السبعينات, كان عدد من عملاء التعبئة وخصوصًا الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي يتنافسون وحركة شعبية إصلاحية يقودها عالم ديني من مواليد إيران هو الإمام موسى الصدر, على اكتساب أعضاء شيعة حول فترة 1970-1971 يقول وليد الخالدي: ((إن أبرز انعكاس لظاهرة الشيعة هو الاختراق العميق للمنظمات السياسية الجذرية وخصوصًا الماركسية للمناطق الشيعية, كما انعكست أيضًا في تزايد نضالية السيد موسى الصدر القائد الشيعي الشعبي ضد النظام)) ([100]) كان السباق إلى حد لم يقدر بشكل واسع, على تعبئة الطائفة الشيعية, في أوائل السبعينات, سباقًا بين الأحزاب العقائدية وبين حركة ذات طابع طائفي مميز, وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك أوجه شبه براغماتية بينهما, فالاتجاهان العلماني والطائفي كانا متفقين على لعنة النظام الطائفي لحفاظه على السلطة السياسية لأصحاب الامتيازات على حساب أولئك الذين يمنعون من فرصة متكافئة للدخول إلى النظام السياسي. وكانا مختلفين في رؤيتهما لمسألتي دور الدين والشريعة واختيار الحلفاء الخارجيين ([101]).

وهكذا, ما لبثت النخب الحاكمة في لبنان -غير الراغبة في الاستجابة لمطالب الشيعة, وغير القادرة على سحقهم واحتوائهم أو السيطرة عليهم- أن وجدت أن الشيعة الحديثي التسيس قد انتسبوا إلى مجموعة عريضة من أحزاب وميليشيات معارضة منحتهم وعدًا بالتقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بالإضافة إلى مستلزمات تعزيز وضعهم -أي المال والسلاح- هذا إذا لم نأت على ذكر فرصة ضرب رموز النخب الحاكمة.

لم يبدأ الأفق السياسي للشيعة في تطويف الدولة بهذا الشكل إلا في أواخر الستينات, قبل ذلك كان الشيعة على هامش نظام الحكم, وتبدو تسميتهم بالطائفة الشيعية اللبنانية تسمية مغلوطة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تشتتهم السياسي وسيطرة 6 عائلات قوية عليهم.

مع تحديث الطائفة الشيعية تعرضت سلطة الزعماء لتحد خطير وحل مكانها, بشكل حاسم, عدد من الميلشيات والأحزاب السياسية, وهذا التحدي كان الأنجح في ارتقائه حركة شعبية سياسية إصلاحية معارضة, طالبت بأن تؤمن للشيعة حقوقهم الإنسانية الأساسية, حرمة المأوى والحق في العيش الكريم, بالإضافة إلى المطالبة بمساواتهم في الحقوق وبوصفهم مواطنين لبنانيين, فإلى نشوء هذه الحركة حركة أمل ننتقل الآن.

الفصل الثالث

التعبئة السياسية

بغض النظر, بل على الرغم من تخلف شيعة لبنان السياسي والاجتماعي والاقتصادي فإنهم لم يكونوا بمنأى من عملية التغيير العميق التي كانت تؤثر على لبنان كله في أوائل الستينات, وكما أشرنا في الفصل السابق فإن التحولات القطاعية على المستوى الاقتصادي دفعت بالفلاحين بعيدًا عن زراعة العمالة المكثفة ونحو الوظائف القليلة الأجر في قطاع الخدمات في ضواحي بيروت أو نحو البطالة, وبينما لم تشهد البنية التحتية (الطرقات, الآبار, خطوط الهاتف, والكهرباء) تحسنًا فعليًا, ازدادت إمكانية وسهولة الانتقال بين المدينة والقرية ووصلت وسائل الإعلام (الصحف وخصوصًا الراديو) إلى مزيد من المناطق التي كانت تعتبر نائية, وبينما كانت مدارس الشيعة لا تزال أقل عددًا ونوعية من المدارس المتاحة لغيرهم من اللبنانيين, أصبح التعليم وخصوصًا في مرحلته الابتدائية متوفرًا بسهولة ويسر, وفتحت الحوانيت في قرى لم تعرف مثلها من قبل, وهاجر رجال, كانوا في السابق يسيرون على خطى آبائهم من الفلاحين, إلى بيروت أو إلى الخارج, فالشيعة مثلهم مثل بقية اللبنانيين كانوا قد دخلوا في دورة التغيير, وأخذوا يعانون من انتزاعهم من محيطهم المألوف وارتباطاتهم الحميمة في الوقت الذي كانت فيه ضغوطات النظام السياسي التقليدي تتزايد بشكل حاد, وباختصار فمع قدوم الستينات كانت أعداد متزايدة من الشيعة مستعدة, أكثر من أي وقت مضى, للانخراط في الحركات السياسية (عملاء التعبئة) التي تترجم تسيسهم الأولي إلى عمل سياسي وبينما لم يكن أحد خارج لبنان ليعيرهم أدنى اهتمام كان الشيعة قد بدأوا صحوتهم السياسية التي كان من المقدر لها أن تلعب دورًا هامًا في تحديد مصير لبنان السبعينات والثمانينات.

وفي الحقيقة, فإن تحسس أثر التغيير في لبنان إنما جرى على مستوى القيادة أولاً. فكما لاحظ مايكل هديسون في كتابه الرؤوي الصادر عام 1968 ((الجمهورية الرجراجة)) فإن التحديث التدريجي للقيادة السياسية الشيعية هو من أهم التطورات التي جرت بعد الحرب العالمية الثانية ([102]) إلا أنه لم يكن يوجد ما يحتم السير في وجهة معينة دون أخرى, ففي ظل غياب حركة أو حزب متطور بشكل جيد بوسعه أن يتوجه إلى الجماعة بشكل عام ليس من المفاجئ أن يكون الشيعة قد أعاروا أعدادهم إلى مجموعة متنوعة من المنظمات السياسية.

فلقد كان من البديهي أن ينجذب أناس عانوا طويلاً من وطأة الزعماء, الذين يسيطرون على الأرض والثروة والسلطة السياسية, إلى الشعارات الحزبية التي تنادي بالمساواة وتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية وتحسين ظروف العمل والسكن, وهكذا انضم عدد كبير من الشيعة إلى الحزب الشيوعي اللبناني وإلى منظمات أخرى مناوئة للمؤسسات مثل منظمة العمل الشيوعي في لبنان.

أضف إلى ذلك أن الساحة لم تقتصر على الأحزاب العلمانية المناهضة للمؤسسات, فقد التحق العديد من الشيعة, بفعل التشابه بين مأساتهم ومأساة اللاجئين الفلسطينيين, بالمنظمات الفدائية المختلفة, إضافة إلى عدد من الأحزاب التابعة للمقاومة الفلسطينية, إذ التحق عدد لا بأس به من الشيعة بجبهة التحرير العربية, وحركة القوميين العرب وجناحي البعث: السوري والعراقي, لكن الجدير بالذكر هو أن الإيمان بالمبادئ السياسية لم يكن الدافع الوحيد, فقد انضم عدد منهم إلى المنظمات المليشيات لمجرد الحصول على الراتب, وبحلول أواخر السبعينات كان من المستحيل على الأرجح أن تجد قرية أو حيًا شيعيًا لا تسمع فيه الحكايات عن الشباب الذين يرحلون ذات صباح للالتحاق بإحدى المليشيات ثم يعودون بعد ذلك ببضعة أسابيع متأبطين بندقية كلاشينكوف أو مسدس وحفنة من الليرات اللبنانية, لم يتمكن تنظيم بمفرده أن يستقطب الغالبية الساحقة من المنتسبين الجدد, ولكن ما يبدو جديرًا بالملاحظة الآن هو ذلك التنوع الايديولوجي العريض الذي انضموا تحت لوائه.

إلى جانب الأحزاب العلمانية والمجموعات الفدائية, كانت هناك حركة طائفية ذات طابع شيعي متميز يقودها رجل دين هو السيد موسى الصدر, (الذي أصبح معروفًا لدى تابعيه فيما بعد باسم الإمام موسى الصدر) هذه الحركة المعروفة اليوم باسم حركة أمل والتي كانت في أوائل الستينات لا تزال في طور النشوء, أصبحت تسيطر الآن وإلى حد كبير على السياسة الشيعية في لبنان.

فلقد استطاعت عبر مزيج من حسن الطالع والقيادة الفذة أن تبز العديد من منافسيها, وبينما انقطعت أخبار مؤسسها منذ اختفائه في العام 1978 خلال زيارة له إلى ليبيا, إلا أنه لا يمكن إنكار دوره التأسيسي, ومن المهم بالتالي دراسة سيرة حياة هذا المارد. كما يدعوه أتباعه عادة.

الإمام وتعبئة الشيعة:

ولد موسى الصدر في قم, إيران في عام 1928, لقائد ديني مهم هو آية الله صدر الدين الصدر, تابع دروسه الابتدائية والثانوية في قم, ثم التحق بكلية الحقوق والاقتصاد السياسي في طهران, ولم يكن ينوي أن يصبح رجل دين بل كان يود العمل في الحقل المدني, لكنه اضطر إلى التخلي عن طموحاته هذه نزولاً عند رغبة أبيه الذي خشي على استمرارية المؤسسات الشيعية, فرجع إلى قم حيث درس الفقه, وهناك رأس تحرير مجلة "مكاتب إسلامي" مدارس الإسلام, التي ما تزال تصدر حتى الآن في إيران, ثم انتقل بعد عام من وفاة والده إلى النجف, العراق حيث درس على المرجع الكبير السيد محسن الحكيم.

زار لبنان الذي قال: إنه بلد أجداده لأول مرة في 1957 (يذكر أن جد جده اضطر للفرار من لبنان واللجوء إلى النجف) فترك خلال زيارته انطباعًا إيجابيًا قويًا لدى زملائه من العلماء ثم دعي أثر وفاة الزعيم الروحي الديني لمدينة صور الساحلية السيد عبد الحسين شرف الدين, في 1958 من قبل جماعة الشيعة في جنوب لبنان للحلول محل المفتي المتوفى, انتقل إلى صور في أواخر 1959, أو أوائل 1960, بتشجيع فعال من أستاذه ومرشده السيد محسن الحكيم, حيث كان من أول أعماله البارزة تأسيس مؤسسة مهنية في بلدة برج الشمالي الجنوبية كلف إنشاؤها نصف مليون ليرة لبنانية 165 ألف دولار, جمع قسمًا منها من المتبرعين والباقي من وزارة التربية ومن قروض المصارف, ولقد أصبحت هذه المؤسسة رمزًا هامًا لقيادته, وهي ما تزال تعمل بإدراة ورعاية شقيته السيدة رباب الصدر, موفرة التدريب المهني لحوالي 500 يتيم.

استطاع السيد موسى الصدر بحضوره المادي القوي وذكائه وشجاعته وسحر شخصيته (كاريزما) ونشاطه الهائل, (يزعم أحد مساعديه السابقين أنه كان يعمل في الغالب 20 ساعة في اليوم) أن يجذب مجموعة كبيرة متنوعة من المؤيدين تراوحت بين التجار الذين جنوا ثرواتهم في أفريقيا الغربية والشباب البرجوازي الصغير, شرع موسى الصدر في تكريس نفسه كالزعيم الأوحد للشيعة, وما كان ممكنًا أن يصل في وقت أفضل فهو وإن لم يكن المستثير الوحيد لوعي الشيعة السياسي, إلا أنه استفاد من تسيس الشيعة المتبرعم فأثاره وعقلنه في آن ([103]) فقد شهدت تلك الفترة بروز عدد من المؤشرات على وجود أشكال من التنظيم السياسي الأولي, بما فيها النمو المذهل للرابطات العائلية, وحلقات النقاش السياسي الصغيرة وغيرها من أشكال التنظيم الاجتماعي ذات الدلالة السياسية ([104]).

الذي جاء به موسى الصدر إلى لبنان, بالإضافة إلى صفاته المتميزة الأخرى, هو القدرة على النظر إلى الطائفة – الضحية المشتتة من الخارج- وروؤيتها ككل ([105]) فبالنسبة للإيراني, ليس لبنان سوى بلد متواضع الحجم فعلاً, وبينما قد يتحدث اللبنانيون عن بلدات لبنانية بعيدة كما لو كانت في بلاد غريبة إلا أن تلك المسافات الصغيرة التي تفصل بين البقاع والجنوب وبيروت لم تترك في نفسه أثرًا كبيرًا, ولقد تمكن رغم الفروقات الاجتماعية الملموسة أحيانًا بين سكان أحزمة البؤس في بيروت وفلاحي الجنوب وعشائر البقاع من أن يمنح العديد من الشيعة هوية مجتمعية شاملة ([106]) أضف إلى ذلك أنه كان يذكر تابعيه باستمرار بأن عليهم أن لا يتقبلوا حرمانهم كقدر لا مفر منه, فطالما أنهم يستطيعون أن يعبروا عن رأيهم من خلال دينهم, فإنهم يستطيعون التغلب على ظروفهم, وكما لاحظ مرة ((عندما ينخرط الفقراء في ثورة اجتماعية, فإن هذا تأكيد على أن الظلم ليس قدرًا)) ([107]).

كان فارسيًا عندما وصل إلى لبنان لكن سرعان ما تم تقبله كلبناني عاطفيًا وقانونيًا, منحه الرئيس شهاب الجنسية اللبنانية في عام 1963 يذكر كريم بقرادوني أنه لما وصل الإمام إلى لبنان كان يتكلم اللغة العربية بصعوبة أما في العام 1975, ومع احتفاظه بلكنة فارسية, فقد كان يتكلم اللغة العربية بطلاقة تنسجم مع استعداده الشخصي ومؤهلاته ([108]) ومن جهة أخرى كان الإمام موسى الصدر على دراية جيدة بإمكانيات الدين ورموزه التعبدية التأثيرية, واستطاع أن يدرك أن مصدر قوته يعود جزئيًا إلى كونه قيمًا على هذه الرموز, وهو يجيد توظيف المؤثرات الروحانية, إذ كانت خطبه الحماسية تزخر بالإحالات إلى رموز التشيع المركزية, ففي خطاب ألقاه في مناسبة الاحتفال بذكرى عاشوراء في الكلية العاملية عام 1974, قابل موسى الصدر بين حركته وبين استشهاد الإمام الحسين في كربلاء.

وفي الحقيقة كان هناك حاجة إلى تضحية عظيمة تهز الضمائر وتحرك المشاعر فكانت كربلاء تلك التضحية, وضع الإمام الحسين عائلته وقوته وحتى حياته في الميزان ضد الطغيان والفساد, ثم تفجر العالم الإسلامي بهذا الحديث الذي لم يسبقه إليه أحد.

إن هذه الثورة لم تمت في رمال كربلاء, بل دخلت في مجرى حياة العالم الإسلامي وانتقلت من جيل إلى جيل ووصلت إلى يومنا هذا, إنها وديعة في أيدينا وعلينا أن نستفيد منها وأن نستخلص منها مصدرًا لإصلاح جديد, لحركة جديدة, لثورة جديدة تقهر الظلم وتوقف الطغيان.

أيها الأخوة عليكم أن تختاروا بين صف الطغيان وصف الحسين وإنني على ثقة أنكم لن تختاروا سوى صف الثورة والاستشهاد, حتى تتحقق العدالة ويقضى على الطغيان ([109]).

حول نفوذ الإمام الصدر الهائل اجتماعات الذكر الدينية, إلى أدوات بناء لركائز تضامن الطائفة وأسس وعيها السياسي, وأدى ظهوره في الأماكن العامة إلى إعادة إحياء ذكرى عاشوراء وغيرها من المناسبات الشيعية في قرى لا توجد فيها حتى ذكرى لإحيائها, والأهم من ذلك كله, أنه وضع مطالب الشيعة في إطار ثقافي حضاري شرعي خلق تأييدًا للحركة التي يقودها.

وفوق ذلك كله, وكما لم يكف عن تذكيري أحد معاونيه المقربين, فقد كان الإمام الصدر براغماتيًا, فسجل تحالفاته يشي بالتأكيد عن براغماتية متأصلة, ولعل ملاحظة عدد من اللبنانيين الحسني الاطلاع بأن أحدًا لا يعرف أين يقف الإمام الصدر على وجه التحديد تشكل اعترافًا بقدراته السياسية ومهاراته التكتيكية, فلقد ساند مرة فتح ضد الصاعقة ( المنظمة الفدائية التي أنشأها حليفه السوري) مما دفع أحد المسئولين السوريين إلى القول: ((لقد أدركنا فجأة أن صديقنا وحليفنا الإمام موسى الصدر هو شيك من دون رصيد)) ([110]).

ورغم أن أتباعه اليوم غالبًا ما يصبغون عليه صفة الناقد العنيف للشاه, إلا أن علاقاته مع الشاه لم تتدهور جديًا إلا بعد حرب اكتوبر تشرين الأول 1973. ففي خريف 1973 شن الصدر هجومًا عنيفًا على الشاه متهمًا إياه بقمع الدين في إيران, وشجب مواقفه المؤيدة لإسرائيل واصفًا إياه بـ (الدمية الإمبريالية) إلا أنه كان قد أقام ولفترة تزيد عن عشرة سنوات علاقة وثيقة بل وودية مع نظام بهلوي, وكانت زياراته لإيران في الستينات وأوائل السبعينات تقابل بالترحيب والتكريم, ويذهب شهبور بختيار إلى حد الزعم بأن الشاه هو الذي أرسله إلى لبنان لدعم مخطط قيام اتحاد شيعي يضم إيران والعراق ولبنان ([111]).

وبما أن الشيعة مثلهم مثل الموارنة, أقلية في ظل عالم عربي ذي أغلبية سنية, ولبنان بالنسبة إلى كلتي الطائفتين هو الملجأ الذي يمكن فيه الحفاظ على هوية طائفية وضمان أمنها, فليس من المفاجئ أن يرى عدد من الموارنة في الإمام الصدر حليفًا طبيعيًا لهم, خصوصًا قبل تنظيمه للميليشيا الخاصة به في عام 1974. كان الإمام مصلحًا ولم يكن ثوريًا, لقد سعى لتحسين وضع الشيعة في إطار لبناني وكان كثيرًا ما يردد ((لبنان بالنسبة إلينا هو وطن نهائي)).

ورغم إدراكه لدلالات التحولات السكانية التي جعلت من الشيعة أكبر طوائف لبنان, إلا أنه امتنع عن المطالبة بإجراء إحصاء جديد, أدرك موسى الصدر أسباب عدم اطمئنان المسيحيين واعترف بحقهم في احتكار الرئاسة, إلا أنه انتقد موقفهم المتعجرف من المسلمين والشيعة خاصة, وكان يرى أن الحكومات التي يسيطر عليها الموارنة أهملت الجنوب منذ الاستقلال وحولت الشيعة إلى ((شبه بروليتاريا محرومة في لبنان)) ([112]).

كان الإمام الصدر خصمًا للشيوعية فكما لاحظ باحثان في عام 1974: ((بالنسبة إليه فإن نفي الماركسية لله ليس في إلحادها العلني بقدر ما هو في إلغاء الفرد وتجريده من حرياته)) ويمكن تلخيص موقفه في جملتين غالبًا ما كان يرددهما ((نحن لسنا يمينًا ولا يسارًا ولكننا نتبع الصراط المستقيم والحديث النبوي الشريف: ((ليس مسلمًا من بات شبعانًا وجاره جائع)) ([113]) اتهم الإمام الشيوعيين إثر القتال الدموي في عامي 1975- 1976 باستغلال الطائفية في لبنان عبر الزعم أن الإسلام في خطر كي يحصلوا على التأييد ([114]) إلا أن المرء قد يشك في أن معارضته للشيوعيين قامت على الأسس العقائدية وحدها, إذ كانت المنظمات الشيوعية المتعددة من ضمن منافسيه الرئيسيين على اكتساب مزيد من الأعضاء الشيعة الجدد.

وبينما كان جناحا البعث العراقي والسوري يحرزان تقدمًا داخل صفوف الشيعة في بيروت وضواحيها, عمد الإمام الصدر أحيانًا إلى مصادرة شعاراتهما.

ورغم أن الحركة التي أنشأها -حركة المحرومين- تحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية في المرحلة الأولى من الحرب الأهلية التي بدأت في عام 1975، إلا أنه كان يرى في قائدها الدرزي كمال جنبلاط شخصًا غير مسئول ومستغلاً للشيعة, فكما قال لبقرادوني: ((تريد الحركة الوطنية مقاتلة المسيحيين إلى آخر شيعي)). عازيًا استمرار الحرب إلى دور جنبلاط ((لولا كمال جنبلاط لانتهت الحرب في شهرين. وبسببه تستمر منذ عامين والله أعلم إلى متى ستدوم)) ([115]).

من الصعب أن تعتبر أن تخليه عن الحركة الوطنية, في أيار 1976، لدى تدخل سوريا في لبنان إلى جانب الميليشيات المارونية وضد الحركة الوطنية وحلفائها من الفدائيين, يتوافق مع توجهاته السياسية, فرغم صداقته الوطيدة بالرئيس الأسد, الذي كان يعتبره بيت سره, إلا أنه لم يكن يثق بالدوافع السورية في لبنان, ويرى أن ما منع سوريا من هضم لبنان هو أنه يصيبها بعسر الهضم, ومع ذلك كان السوريون ورقة أساسية في لعبة الموت التي خاضها مع المقاومة الفلسطينية.

ادعى الإمام الصدر أنه يؤيد حركة المقاومة الفلسطينية, إلا أن علاقته بمنظمة التحرير الفلسطينية تميزت في أحسن الأحوال بالتوتر والحذر, فخلال الصدامات بين الجيش اللبناني والفدائيين في عام 1973, لام الإمام الصدر المسلمين السنة على تأييدهم للفدائيين وألقى باللائمة على الحكومة لفشلها في حماية الجنوب من العدوان الإسرائيلي, لكنه انتقد من الناحية الأخرى منظمة التحرير على قصف إسرائيل من الجنوب مما يدفع إسرائيل إلى الرد, وكما لاحظ لاحقًا لم تكن المشكلة في تسلل الفدائيين, بل في إطلاق الصواريخ والقذائف عبر الجنوب على إسرائيل, وهذا شيء غير مسموح به على الإطلاق, فإطلاق الصواريخ والقذائف عمل غير ثوري على الإطلاق وهو يعني أيضًا أن لبنان في حالة حرب مع إسرائيل. من يطلق النار؟ ليس هذا مهمًا, فجوهر المسألة هو أن الأراضي اللبنانية تحولت إلى قاعدة لإطلاق الصواريخ والقذائف ([116]) ولقد عبر باستمرار عن تعاطفه مع القضية الفلسطينية, إلا أنه لم يرغب في تشجيع الأعمال التي تعرض على المواطنين اللبنانيين وخصوصًا المواطنين الشيعة في الجنوب إلى مزيد من المعاناة, فإذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف الجيش اللبناني المزمن, ومستواه المتدني نسبيًا في العتاد والعديد بالمقابلة مع مستوى الجيش الإسرائيلي فلسوف يكون من المحتم أن يطالب موسى الصدر منظمة التحرير بضبط النفس ويبرز بالتالي كخصم لها ([117]).

بعد هزيمة منظمة التحرير في الأردن في العام 1970 انتقلت الكتلة الرئيسية من مقاتليها إلى جنوب لبنان حيث بدأوا بالحلول مكان السلطات الشرعية, وحذر الإمام موسى الصدر –وكأنه يرى إلى المستقبل– المنظمة من أنه ليس من مصلحتها إقامة دولة داخل دولة في لبنان ([118]) وكان لفشل منظمة التحرير في الأخذ بهذه النصيحة, أن ساعد في النهاية على توليد النفور الحاد بين الفلسطينيين وبين الشيعة ((حلفائهم الطبيعين)) الذين قاوموا بفاعلية بعد ذلك ببضعة سنوات, وجود الفدائيين في مناطقهم. ونقل مصدر موثوق به (على ما أظن) عن السيد الصدر قوله: ((إن منظمة التحرير هي عامل فوضى في الجنوب, إن الشيعة يتغلبون الآن على عقدة الدونية التي يعانون منها حيال المنظمات الفلسطينية, لقد تحملنا الكثير ولم يعد بإمكاننا أن نتحمل أكثر)) ([119]).

لقد شكك في مجالسه الخاصة بحسن نية الفلسطينيين, ورأى أنهم يفتقدون إلى حس الشهادة, وأن منظمة التحرير هي قبل أي شيء آخر آلة عسكرية لإرهاب العالم العربي وابتزاز الأموال والهبات واكتساب تأييد الرأي العام العالمي. أما مسئولو منظمة التحرير, فرأوا من جهتهم أن موسى الصدر هو صنيعة المكتب الثاني (المخابرات اللبنانية) ([120]).

لكن خصمه اللدود الدائم كان كامل الأسعد الزعيم الجنوبي القوي, والذي تولى رئاسة مجلس النواب تكرارًا من عام 1968 إلى 1984, اعتبر كامل الأسعد عن حق أن السيد موسى الصدر (كان يصر على رفض تسميته بالإمام) يشكل خطرًا على قاعدته السياسية, كما اعتبر -وهو محق على ما يبدو- أنه هدف السيد الوحيد ([121]), وبالمقابل فقد كان كامل بيك يمثل في نظر الإمام وأتباعه كل ما هو سيء في النظام السياسي اللبناني. ورغم أن الإمام الصدر لم ينتقد أحدًا بالاسم-إلا فيما ندر- غير أن أهداف حملاته لم تكن بحاجة إلى مزيد من الإيضاح, ففي رأيه أن كامل الأسعد إقطاعي سياسي, وهو رجل يستمد قوته السياسية من إتقانه لألاعيب السياسة الطائفية على حساب جماهير الشيعة, وهو أيضًا منافس قوي, شهدت أوائل السبعينات تنازعًا حادًا على السلطة بين المتنافسين، كانت إحدى ساحاته الرئيسية هي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

عام 1967 وضع المجلس النيابي قانونًا (رقم 72/67) -صوت إلى جانبه كافة النواب الشيعة باستثناء واحد –ينشئ مجلسًا شيعيًا أعلى, يوفر للمرة الأولى هيئة لتمثيل الشيعة بشكل منفصل عن السنة, وحتى تأسيس هذا المجلس لم يكن يوجد منصب شيعي ينافس في مكانته ونفوذه منصب رئاسة المجلس النيابي, فالمحكمة الجعفرية التي تعالج الأحوال الشخصية للشيعة على القها كانت ذات شخصية دينية بالتعريف, وبالتعالي هامشية سياسيًا, رغم أن رئيسها حسين الخطيب نافس الصدر على رئاسة المجلس الشيعي الأعلى, ولقد أدى إنشاء المجلس المخول ربط المطالب الشيعية المتنامية في النظام السياسي إلى إدخال عناصر جديدة في حسابات توزيع السلطة السياسية.

خرج المجلس إلى حيز الوجود فعليًا في 18 أيار 1969 لدى انتخابه الإمام الصدر رئيسًا لفترة 6 سنوات مما أكد وضعه كرجل الدين الشيعي الأول في البلاد, وواحد من أهم الشخصيات السياسية الشيعية, وما لبث المجلس أن تقدم بمطالب شملت الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية, بما في ذلك الإجراءات الكفيلة بتحسين الدفاع عن الجنوب وتوفير اعتمادات الإنماء والبناء وتحسين المدارس والمستشفيات وزيادة عدد الشيعة المعينين في الفئات الوظيفية الحكومية العليا.

وظف الإمام منصبه الجديد خير توظيف, ففي ربيع 1970, وبعد غارة إسرائيلية وحشية على جنوب لبنان, نظم السيد الصدر إضرابًا عامًا للاحتجاج على الإهمال وعدم الاكتراث بالمشاكل التي يتعرض لها جنوب لبنان, وبالمخاطر التي تتهدده وبالكارثة التي يعاني منها ([122]). و ((للتعبير عن الوضع الذي يعاني منه السكان في الجنوب في مواجهة التهديد العسكري الإسرائيلي )) ([123]) وندد الإمام بموقف الحكومة المتمثل باكتفائها بلعب دور الجمعية الخيرية ووكالة الغوث, التي لا تمد يد المساعدة لموطنيها إلا بعد وقوع الواقعة, فتأتي مصحوبة بخيم الصليب الأحمر, بدلاً من السهر على تأمين الأمن داخل حدود البلاد, وبعد الإضراب بأسبوع واستجابة له, أنشأت الحكومة مجلس الجنوب برأسمال قدره 30 مليون ليرة, مخصص لدعم وتنمية المنطقة, إلا أنه لسوء الحظ فإن مجلس الجنوب سرعان ما اشتهر بوصفه بؤرة فساد أكثر منه مركزًا للمشاريع ذات المنفعة العامة ([124]) كان إنشاء المجلس نصرًا لموسى الصدر, إلا أن كامل الأسعد هو الذي سيطر على إدارته, وكما ذكر أحد المراقبين يصر البعض على أنه لكي يحصل المرء على مساعدة مجلس الجنوب فلا بد له من أن يعلق صورة كامل الأسعد في صدر داره ([125]).

لكن حرب التنافس على النفوذ السياسي والسلطة التي اتسمت بالمد والجزر, لم تضع أوزارها, بل سعى كلاهما إلى مواصلتها بزخم أشد في أوائل ومنتصف السبعينات, فمن أصل الـ 19 نائبًا شيعيًا في البرلمان حافظ 6 نواب على دعمهم لرئيس المجلس وبالتالي للواقع السياسي القائم, بينما تبنى الباقون مواقف مكملة على الأقل لمواقف الإمام. وفي 22 حزيران 1973 وقع 13 نائبًا على اتفاقية تعهدوا فيها بالسعي لنيل كافة حقوق الشيعة ([126]).

أما المطالب الشيعية التي سنبحثها في الفصل التالي فقد قدمت إلى رئيس الوزراء تقي الدين الصلح في تموز 1973 ثم زادت حدة التوتر بين الرجلين بنسبة كبيرة في أواخر 1973, ويعود ذلك جزئيًا إلى طرح مسألة تعديل إحدى مواد النظام الداخلي للمجلس الشيعي الأعلى بحيث تتيح تمديد فترة ولاية الرئيس حتى يبلغ الخامسة والستين بدلاً من تحديدها بست سنوات مما يعني أن عدو الأسعد اللدود سيحتفظ بالموقع السياسي المتميز الذي يتربع عليه. حاول الأسعد منع هذا التغيير, إلا أن المجلس الشيعي اعتبر أن سلطة المجلس النيابي (أقرأ رتبة) لا تخوله حق التدخل في هذه المسألة, وأقر التعديل طوال تلك الفترة كان محازبو الأسعد في داخل المجلس ينتقدون السيد موسى الصدر بحدة وفي آذار 1974 قام ((قبضايات)) رئيس المجلس النيابي بالاعتداء على النائب حسين الحسيني, وهو حليف مهم للصدر في البرلمان, وفي الشهر التالي أفيد عن اعتداء على المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان, في داخل أحد مساجد الجنوب على يد أنصار الأسعد.

من الإنصاف القول أن الصدر قد ربح من المعارك أكثر مما ربح منافسه. كما حدث في كانون الأول 1974 عندما أجريت انتخابات فرعية لانتخاب نائب واحد على منطقة النبطية, حين تفوق المرشح الذي دعمه الإمام رقيق شاهين على رجل الأسعد بنسبة 2 إلى 1, في مباراة كانت تعتبر بشكل واسع اختبارًا لشعبية الإمام. إلا أن كامل الأسعد لم يعدم بعض الانتصارات أهمها السيطرة على مجلس الجنوب والحفاظ على نفوذه في دوائر الدولة وخصوصًا في الميدان الهام جدًا, المتمثل في الوظائف الحكومية.

من الإصلاح إلى الغضب:

مع تدفق آلاف الفدائيين خلال عامي 1970-1971 أثر أحداث الأردن الدموية, تفاقمت مشاكل الشيعة الاقتصادية, الاجتماعية القائمة أساسًا بإضافة عنصر جديد إليها تمثل بالتدهور المتسارع للأمن في الجنوب, ورغم أن الجيش قام بمحاولات متواضعة للسيطرة على المناضلين الفلسطينيين, إلا أنه سرعان ما أصبح واضحًا أن الانقسامات السياسية والاجتماعية بين اللبنانيين تحول دون اتخاذ أي خطوات حاسمة على هذا الصعيد. وهكذا فإن اتفاقية القاهرة لعام 1969، التي كان المفترض أن تحد من نشاطات الفدائيين من لبنان وفيه, عملت بدلاً من ذلك على تشريع إقامة دولة رديفة, وهكذا انقلبت الأوضاع بسرعة مذهلة, فبينما كان المجلس الشيعي الأعلى يؤدي مهامه كأداة مفيدة للدفاع عن مصالح الشيعة (كما يراها موسى الصدر بالطبع) فقد فعاليته في وسط كانت السيطرة عليه تنتقل بسرعة إلى المليشيات والأحزاب غير المرخصة.

ونظرًا لعدم قدرة الدولة على حماية مواطنيها, أدخل موسى الصدر شعار الكفاح المسلح في حملته لتمثيل وتعبئة الشيعة, فصرح, أثر حرب تشرين الأول 1973, أنه لا يوجد خيار أمامنا سوى الثورة والسلاح ([127]) ثم أعلن في خطاب له في شباط 1974

 في بدنايل, البقاع.

(( لا نريد أن نصطدم مع النظام, مع أولئك الذين يهملوننا, فنحن اليوم نرفع صوتنا في وجه الأخطاء المرتكبة بحقنا, سحابة الظلم التي لحقت بنا منذ بداية تاريخنا, وبدءًا من اليوم لن نحتج ولن نصرخ, يقولون: إننا متاولة, اسمنا الرافضون المخالفون الثائرون الخارجون على كل طغيان من أي جهة أتى ولو كلفنا روحنا ودمنا, والحسين وقف ضد أعدائه ومعه سبعون واليوم عددنا أكثر من سبعين وعدونا ليس ربع العالم كله.. لا نريد عواطف بل أفعال. لقد تعبنا من الخطابات والمشاعر والكلمات.

ولقد كنت أكثر من ألقى الخطابات وأكثر من دعاكم إلى الهدوء.. ومن اليوم فصاعدًا لن أبقى صامتًا, وإن التزمتم الصمت فأنا لن أفعل, نطالب بحقوقنا كاملة ليس فقط في الوظائف بل بالمطالب العشرين التي تضمنتها العريضة ولن نقبل عنها بديلاً ([128]).

وليس هناك من شك أن خطاب موسى الصدر الأكثر شهرة هو الذي ألقي في 17 آذار 1974, في مدينة بعلبك, أمام جمهور قدره مراسل النهار بخمسة آلاف وسبعين ألفًا, وقف موسى الصدر أمام جمهور من مؤيديه معظمهم يحمل السلاح لينتقد الحكومة بشدة لفشلها في الاستجابة للحاجات الأساسية لشعبها, ولاحظ أن بعلبك مدينة العشرة آلاف نسمة ليس فيها إلا مدرسة رسمية واحدة تعود إلى أيام الانتداب الفرنسي, وأضاف أن المدرسة هي بداية الطريق, وهاجم الحكومة بعنف لتباخلها في صرف الاعتمادات المخصصة للتنمية ومشاريع تخزين المياه ([129]) وذكر أن آلاف اللبنانيين في الجنوب والشمال محرومون من هويتهم اللبنانية ومحرومون بالتالي من خدمات الدولة ناهيك عن صندوق الاقتراع, وندد بالجيش لعدم حمايته المواطنين في الجنوب وطالب معلنًا أن ((السلاح زينة الرجال)) كل الحاضرين أن يدلوا بقسم يتعهدون فيه بالسعي إلى تحصيل حقوقهم والاستشهاد دون ذلك, ولقد أخبرني عدد من مستشاري الصدر المقربين أن الإمام شعر بأنه لم يعد يملك أي خيار في مواجهة إهمال الدولة وضرب الشيوعيين والبعثيين على وتر الإحباط والغضب الشيعي وكون محاولاته المرنة السابقة لم تحظ بأي نجاح, هذا الوضع يلخصه بشكل جيد ذلك التساؤل الذي ورد في خطابه ((ماذا تتوقع الحكومة؟ ماذا تتوقع منا غير الغضب والثورة)) ([130]).

كان هذا هو المهرجان الذي أطلق فيه الإمام الصدر حركته الشعبية, حركة المحرومين, التي تعهد أن يناضل عبرها حتى تتحقق مطالب المحرومين -أي الشيعة عمليًا- وترتفع كافة أنواع الظلم الاجتماعي عنهم, وكما يذكر كمال صليبي المؤرخ اللبناني البارز ((حتى أنه هدد بمهاجمة واحتلال قصور النافذين إن لم يستجب لمطالب الفقراء والمقهورين))

.

بعد ذلك بعام واحد, طغت الحرب الأهلية على جهود الإمام, وأصبح معروفًا في عام 1975، أنه تم إنشاء ميليشيا تابعة لحركة المحرومين ([132]). تلقت هذه الميليشيا -أفواج المقاومة اللبنانية والمعروفة باسم أمل- تدريباتها الأولى على يد فتح, ولعبت من ثم دورًا ثانويًا في معارك 1975و 1976, وبفعل طغيان القوة العسكرية لمنافسيه المتعددين في ميليشيات اليسار, وضعف الثقة نوعًا ما به نتيجة الازدواجية المزعومة لدوره في سقوط النبعة, في آب 1976, بيد الكتائب ([133]) تراجع الإمام الصدر إلى الجنوب مع حفنة من أتباعه الخلص ورغم استمرار نشاطه في إلقاء الخطب وتوعية أنصاره, بالإضافة إلى زياراته المتعددة إلى بلدان الشرق الأوسط, إلا أن سمعته الوطنية وشعبيته خفتتا بشكل جوهري بين عام 1976- 1978, ((يقال: إنه لعب دورًا هامًا خلال هذين العامين في إثارة المعارضة للشاة بين الشيعة الإيرانيين, إلا أن الطبيعة الخاصة لهذه النشاطات لا تزال نوعًا ما غامضة)).

وكما سبق لنا أن أشرنا, فإن حركة المحرومين والميليشيا التابعة لها أمل كانتا متحالفتين مع الحركة الوطنية وحلفائها من الفدائيين خلال السنة الأولى من الحرب الأهلية, إلا أن الصدر تخلى عن هذا التحالف لدى تدخل القوات السورية في حزيران 1976 لمنع هزيمة الجبهة اللبنانية التي يسيطر عليها الموارنة.

فقبل أربعة أشهر من التدخل السوري قبل الرئيس سليمان فرنجية بالوثيقة الدستورية واعتبرها الإمام قاعدة صالحة لتحقيق الإصلاح السياسي, وبدا أن هذه الوثيقة التي تدعو إلى زيادة حصة المسلمين في المقاعد النيابية, بالإضافة إلى تقليص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية تشكل قاعدة لإعادة الهدوء إلى لبنان, فإذا أضفنا إلى ذلك إمكانية الهيمنة على منظمة التحرير بفضل التدخل السوري المرتقب لبدا أن هناك إمكانية فعلية لبداية جديدة, إلا أن فرصة إيقاف التذابح كانت فرصة ظاهرية لا فرصة حقيقية, فرغم خفوت حدة القتال في أواخر 1976 فقد استمر العنف, وبقي الإصلاح دستوريًا كان أم غير دستوري, طموحًا بعيد المدى.

إن قدرة السيد موسى الصدر على تعبئة الشيعة قبيل اندلاع الحرب الأهلية لعبت دون شك دورًا طليعيًا في تزايد تسيس الشيعية, إلا أنه ينبغي أن نعيد التذكير بأن الإمام لم يقد سوى قسم من المتسيسين في طائفته, فالأحزاب والميليشيات المتعددة الطوائف هي التي جندت أغلبية الأعضاء الجدد، ولقد حمل عدد متزايد من الشيعة السلاح تحت راية هؤلاء لا راية أمل, ولقد عانى الشيعة أكثر من غيرهم, في الحرب كما في السلم, فتكبدوا عددًا من الإصابات أكبر بكثير من أي طائفة أخرى, ولعل النصر الأهم الذي حققه موسى الصدر هو تقليص سلطة ونفوذ النخب التقليدية الزعماء, لكن اندلاع الحرب الأهلية وما ارتبط بها من نمو للأحزاب غير المرخصة هو الذي أحال هذه الشخصيات السياسية إلى مجرد رموز لمرحلة غابرة, ذات دور هامشي في النظام السياسي اللبناني.

وبغض النظر عما كان الإمام فعلاً, ورغم حماس مؤرخيه أحيانًا, فهو لم يكن رجل حرب, ولقد أسر بالفعل إلى أحد معاونيه بأنه لم يسمع طلقة غضب واحدة, قبل مجيئه إلى لبنان, فسلاحه كان الكلمات والرموز, ونتيجة لذلك نجحت الحرب الأهلية في إعاقة جهوده السياسية حتى بدا أن العنف الذي غمر لبنان قد طغى على حضوره, ومن سخرية القدر أن يكون اختفاؤه في عام 1978 هو الذي ساعد على استرجاع الأمل والوعد الذي جسدته جهود الإمام الأولى.

الانبعاث الجديد لحركة أمل:

سرعت ثلاث أحداث جرت في فترة العشرة أشهر الواقعة بين آذار 1978 وكانون الثاني 1979 من عملية تعبئة الطائفة الشيعية وساهمت في توطيد نفوذها السياسي في ظل قيادة أمل التي انبعثت فيها الروح من جديد, كان اسم حركة المحرومين قد بطل استخدامه, ففي آذار 1978 شنت إسرائيل غزوها الرئيسي الأول على لبنان, عملية الليطاني, وفي آب 1978, اختفى الإمام الصدر خلال زيارة غامضة له إلى ليبيا, وفي كانون الثاني 1979, أطاحت الثورة الإسلامية في إيران بالشاة, هذه الأحداث الثلاثة, هي التي أعادت الروح إلى حركة أمل ومكنتها من لعب دور لم يسبق له مثيل -وإن كان من المحتمل أن يكون عابرًا- في الحياة السياسية اللبنانية.

عملية الليطاني:

إن الغزو الإسرائيلي في عام 1978, الذي أدى إلى مقتل 1000 نسمة معظمهم من الشيعة وتدمير عدد كبير من المنازل في كافة أنحاء الجنوب, لم يكشف فقط عن فداحة الخسارة البشرية التي قد يلحقها الإسرائيليون بسكان الجنوب كنتيجة للوجود الفدائي المسلح, ولكنه أشار أيضًا إلى بدء الحملة الإسرائيلية الهادفة إلى تنفير الشيعة من الفلسطينيين الذين يعيشون في مناطقهم, فبعد عملية الليطاني, لم يعد جيش الدفاع الإسرائيلي مهتمًا بالحفاظ على حجة الانتقام الواهية, وانتقل إلى تنفيذ مخطط يرمي إلى وضع الفدائيين وحلفائهم في موقع الدفاع الدائم عبر سلسلة من الهجمات المتواصلة والغارات الجوية وعمليات الخطف ونسف المنازل, ولقد ساعد سلوك الفدائيين القاسي والمتعجرف والقصير النظر على أن تحظى الحملة الإسرائيلية بنجاح هائل, وأكد رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال رافاييل ايتان على المبدأ الذي اعتمدته بلاده قائلاً: ((سنستمر في ضربنا متى نريد, وأنى نريد, وإن مصلحتنا الذاتية هي العليا وهي التي تملي علينا عدم السماح للإرهابيين -أي الفدائيين- بالعودة إلى الشريط الحدودي)) ([134]).

من النتائج الهامة لهجوم جيش الدفاع الإسرائيلي  تذكير سكان الجنوب بشكل دائم بأن استمرار المقاومة الفلسطينية في المنطقة سوف يحبط أي محاولة لإنهاء حملة الإرهاب الإسرائيلية, فعاش القرويون, وخصوصًا سكان المناطق المتاخمة للشريط الحدودي الذي تسيطر عليه إسرائيل بواسطة حليفها ودميتها سعد حداد, في رعب مستمر من الغارات التي تشن على المتعاطفين مع الفلسطينيين أو على الذين يشتبه بانتمائهم إلى مجموعات لبنانية معادية لإسرائيل أو لحداد. وبالفعل فقد خلقت هذه الغارات هوة عميقة, إذ اكتشف القرويون أنهم بتبليغهم عن أخصامهم يتذوقون حلاوة الانتقام ويصفون حساباتهم القديمة, وهكذا عانى عدد كبير من الأبرياء من القبضة الغاشمة لجيش الدفاع الإسرائيلي, وفي هجوم نموذجي قام الإسرائيليون في كانون الأول 1980، مصحوبين باتباعهم اللبنانيين بالإغارة على خمس قرى جنوبية, فقتلوا ثلاثة عن عمد بدم بارد في قرية برعشيت, وجرحوا عشرة ودمروا أو ألحقوا أضرارًا بـ 14 منزلاً ([135])كان لهذه الغارات عدة آثار مهمة.

أولاً: في المناطق التي يتمكن الإسرائيليون وعملاؤهم فيها من الانتقال بحرية, اضطر المناضلون المتعاطفون مع الحركة الوطنية أو منظمة التحرير إما إلى الرحيل أو التواري عن الأنظار مما خفض من إمكانية استقطاب عناصر جديدة تاركًا المجال مفتوحًا بشكل متزايد أمام حركة أمل التي اكتشف الإسرائيليون في وقت مبكر أنها حليف ضمني. ثانيًا: اكتشف القرويون الذين لم تكن لهم علاقة بالسياسة من قبل أن الطريقة الأفعل للحماية من زوار الفجر المتطفلين هي التعاطف مع حركة أمل تمنع غير المرغوب فيهم من دخول قراهم.

ولقد بلغ الأمر بالسكان المحليين أن شكلوا في عدد من القرى والبلدات قوتهم الأمنية المحلية الخاصة, التي كانت تقوم بدوريات حراسة ليلية, ومع الوقت مالت هذه الميليشيات المنشأة للغاية المشار إليها أعلاه إلى الانضمام أو على الأقل إلى التعاطف مع حركة أمل. ثانيًا: كانت النتيجة النهائية للحملة بروز هوة واضحة تتسع باستمرار بين حركة المقاومة الفلسطينية وبين القرويين في الجنوب, كذلك شهدت أحياء بيروت الشيعية نفورًا متزايدًا شبيهًا بما كان يحدث في الوقت نفسه في الجنوب, فقد كان الفدائيون وحلفاؤهم يستنفذون بسرعة ما قوبلوا من ترحيب.

في أواخر السبعينات, أصبح من الشائع لدى زيارة القرى الشيعية أن تستمع إلى كافة أنواع الحكايات التي يكون فيها اللبنانيون هم الضحايا والفلسطينيون هم الأشرار, فقد تبنى حتى أكثر الفلاحين بساطة شعارات مناوئة للفلسطينيين, فبدلاً من إلقاء اللوم على الإسرائيليين -كما كان الحال في الماضي- أرجع القرويون في معظم الأحيان سبب مأزقهم إلى الوجود الفلسطيني, ولقد استمعت شخصيًا إلى عدد من الناس المتواضعي الحال وهم يغمغمون أن الفلسطينيين هم أصل المشكلة, بينما كانوا قبل عشرة سنوات فقط يعتبرون أن أصل المشكلة هو فلسطين, هذا التحول يمثل نجاحًا هامًا للخطة الأمنية الإسرائيلية يمكن فهمه بسهولة إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن المذهل في الأمر هو قوة مشاعر القرويين لا منبعها, إذ يمكن في الواقع إرجاع جذور هذا الموقف إلى أوائل السبعينات, عندما قام بعض الشيعة بمظاهرات تأييد للجيش اللبناني إثر اصطدامه بالفلسطينيين. ([136])

مع استمرار الأزمة في لبنان تزايدت عزلة الشيعة كطائفة, ففي السنوات الأولى من الحرب الأهلية, شكل الشيعة وقود الحرب لمعظم الفئات المتحالفة مع منظمة التحرير, وكانوا يوصفون غالبًا وعن حق بأنهم كشعب مهجر, الحلفاء الطبيعيين للفلسطينيين, إلا أنهم سرعان ما أصبحوا ضحايا الحرب الإسرائيلية الفلسطينية على إسرائيل فلسطين وجد الشيعة أنفسهم بفعل عملية ديالكتيكية لا تعرف الشفقة, مستهدفين من الإسرائيليين بسبب قربهم المكاني من الفدائيين, بينما قوبلوا بالريبة والاحتقار من الذين حاولوا الابتعاد عنهم, ويجب التشديد هنا, على أن الحملة الإسرائيلية لم تكن لتحظى بمثل هذا النجاح لو لم تتعزز بعدم شعبية الفدائيين ([137]).

أدت حملة جيش الدفاع الإسرائيلي المكثفة التي بدأت عام 1978 إلى إخراج المتناقضات والتوترات الكامنة والدفينة إلى السطح ([138]) وشكل تحول الشيعة عن الفلسطينيين أرضًا خصبة لنمو منظمة أمل وعدت بتلبية حاجة ملحة جدًا هي الأمن.

قام العديد من الشيعة, تدفعهم إلى حد كبير الرغبة في حماية عائلاتهم وبيوتهم وقراهم, إما بالانضمام إلى حركة أمل أو تأييدها بشكل فعال, وجرت في عامي 1980-1981 اصطدامات مهمة بين أمل من جهة والفدائيين وحلفائهم من جهة أخرى, سعى مسئولو فتح بدون نجاح يذكر أحيانًا, وادعوا أنهم يسعون في أحيان أخرى إلى ترتيب صلح بين أمل وبين أعدائها اللدودين (كجبهة التحرير العربية, التي تدعمها العراق, والاتحاد الاشتراكي العربي الذي تموله ليبيا) إلا أن أولويات الشيعة والفدائيين كادت تكون متعارضة تمامًا, وتوقع عدد كبير من الشيعة أثر أسبوع من القتال العنيف جدًا, الذي دار بين الفلسطينيين وأمل في ربيع 1982 نشوب حرب فدائية – شيعية في أية لحظة ([139]).

اختفاء موسى الصدر:

كان التطور الثاني الذي ساعد في إيقاظ حركة أمل هو اختفاء قائدها الإمام موسى الصدر فبعد وصوله إلى ليبيا في 25 آب 1978, اختفى الإمام في ظروف لا تزال غامضة, ويعتقد معظم قادة أمل أن الزعيم الليبي معمر القذافي هو المسئول عن مصيره, ولم تتبخر هذه الشكوك بمرور الزمن, كما تشهد بذلك سلسلة من الأعمال المعادية لليبيا كخطف الطائرات والأشخاص وغيرها من الهجمات على المسئولين والتجهيزات الليبية ([140]).

وصل السيد موسى الصدر برفقة اثنين من مساعديه الشيخ محمد شحادة يعقوب والصحافي عباس بدر الدين, إلى ليبيا في 25 آب 1978 في زيارة لم تحدد مدتها أو هدفها, ويقول أحد كبار معاوني الصدر إلى أن الزيارة تمت استجابة لدعوة من القذافي قبلها الصدر ليتسنى له الدعوة إلى عودة السلام إلى لبنان ومن أجل العمل في سبيل السلام ([141]), وكان الصدر قد زار- قبل وصوله إلى ليبيا- المملكة العربية السعودية والكويت والجزائر للسبب نفسه على ما يبدو.

وبحسب رواية مصدر متعاطف معه, قرر الإمام مغادرة ليبيا في 31 آب 1978 أي عشية العيد الوطني الليبي بمناسبة ذكرى ثورة 1 أيلول 1970, بعد أن قابل خلال زيارته مسئول مكتب العلاقات الخارجية الليبية السيد أحمد الشحطي, والمفترض أنه قابل القذافي أيضًا, ويزعم الزعيم الزئبقي لليبيا أن السيد موسى الصدر قد غادر ليبيا على متن طائرة تابعة لشركة إيطالية متجهة إلى روما, إلا أن أتباعه ينفون ذلك ويدعون أنه لم يغادر ليبيا على الإطلاق, ولقد أيد تحقيق رسمي إيطالي نفيهم هذا ([142]). يقول أحد كبار مساعديه, وهو الذي أخبرني أنه حث الإمام على عدم الذهاب إلى ليبيا, أن الليبيين وضعوا ثلاثة أشخاص على متن الطائرة المغادرة إلى روما بالإضافة إلى حقائب الإمام ورفيقيه حتى يتمكنوا من الادعاء بأن الوفد قد غادر ليبيا ([143])، وعلى أي حال فقد انقطعت أخباره منذ ذلك الحين, ورغم أنه بين الفينة والأخرى تتردد الإشاعات بأنه ما زال على قيد الحياة ([144]) إلا أن أغلب المراقبين الحياديين يعتقدون بأنه توفي, وهذا ما يعبر عنه أيضًا عدد لا بأس به من أتباعه عندما يتطرقون إلى الموضوع في مجالسهم الخاصة.

رغم كثرة الروايات التي تعلل أسباب اختفاء الإمام, لكن المؤكد أنها مسألة غامضة لن يتوصل أحد على الأرجح إلى الكشف بشكل نهائي عن ملابساتها, إلا أنه من المفيد أن نطلع على هذه الروايات؛ لأن كلاً منهما يخبرنا شيئًا عن المدى الذي وصل إليه البعض في استغلال هذه الحادثة الغريبة, إن لم يكن في استغلال مصير الإمام نفسه.

فبحسب إحدى الروايات, كان القذافي قد أعطى 3 ملايين ليرة لبنانية حوالي المليون دولار للصدر الذي لم يستطع أن يقدم كشفًا بكيفية إنفاقها.

وتزعم هذه الرواية أن المبلغ وجد طريقه إلى أحد المصارف السويسرية وإن هذا هو السبب الذي حدا بالقذافي إلى إعدامه أو زجه في السجن, هناك عدة أسباب للتشكيك بهذا التقرير, أولاً: وزعت الأموال الليبية على عدد من المنظمات الفلسطينية واللبنانية كالاتحاد الاشتراكي العربي دون أي محاسبة أو حتى تساؤل. ثانيا: يقول رفاق الصدر المقربون جدًا أنه كان غارقًا في الديون (2 مليون دولار) لدى اختفائه, بنتيجة القروض التي كان قد وقع عليها شخصيًا لتشغيل المؤسسة المهنية في برج الشمال قرب صور, ولقد كشف التدقيق في حسابات الصدر الشخصية عن مبالغ متواضعة جدًا. ثالثًا: كان الصدر يعيش حياة بسيطة رغم أنها لم تصل إلى حد التقشف, ولا يوجد أي سبب يحمل على الاعتقاد بأنه ادخر مالاً كان من الممكن استخدامه في دعم حركته, فعلى أي حال كان كل ما يؤدي إلى نمو حركته يعزز بالنهاية من مكانته الشخصية, أضف إلى ذلك, إن المقابلات التي أجريت مع أشخاص يعرفونه بمن فيهم بعض أخصامه, لم تسفر عن أي اتهام له بالفساد, وأخيرًا يدعي أتباع الصدر أنهم أبلغوا القذافي عن استعدادهم, في حال تمكن من إقامته الدليل على أنه أعطى الأمام أي مبلغ من المال, للموافقة على سجنه أو حتى إعدامه, وكما قال أحد كبار مسئولي أمل بالحرف فيما يتعلق بقضية المال: ((فإننا نعتبر ادعاء القذافي بأنه أعطى الإمام أي مبلغ من المال ادعاء عبثيًا كاذبًا, ولقد أبلغنا القذافي أنه إذا تمكن من إثبات صحة ما يدعيه فإننا نوافق على سجنه أو حتى إعدامه, لكن القذافي اكتفى في رده علينا بالقول أن الإمام غادر ليبيا إلى إيطاليا, بينما تظهر كافة الدلائل أنه لم يترك ليبيا على الإطلاق)) ([145]).

وتزعم رواية أخرى أن شاه إيران كلف جهاز مخابراته السافاك بتصفية الصدر, الذي لعب كما يبدو دورًا ثانويًا على الأقل في إثارة المشاعر المعادية للشاة في إيران, ثمة علاقة وثيقة جدًا تربط تقليديًا بين القادة الدينيين الشيعة في إيران وزملائهم في لبنان, خصوصًا وإن عددًا من العلماء اللبنانيين تدرب لفترة في مدارس إيران الدينية, كما فعل موسى الصدر لفترة قصيرة, أضف إلى ذلك, فإن الصدر لم يكن إيرانيًا بالولادة فقط بل تربطه صلة نسب عبر الزواج باثنين من أعداء الشاة الرئيسيين آية الله روح الله الموسوي الخميني وآية الله محمد حسن طبطبائي, (ابنة أخيه تزوجت من أحمد بن الخميني, وإحدى شقيقاته هي زوجة صادق طبطبائي ابن آية الله طبطبائي) مما يوفر بالتالي إمكانية سطحية معينة لتصديق هذه الرواية.

وفي الحقيقة, فعندما تشكلت قوات الطوارئ الدولية في لبنان اليونيفل في ربيع 1978, شاركت إيران بكتيبة -ذكر أنها كانت تعج بعملاء السافاك- وبحسب تقارير أحد المراسلين الصحافيين فإن الوحدة الإيرانية كانت مشغولة بتحديد وعزل أتباع الزعيم المناهض للشاه الإمام موسى الصدر ([146]) لكن رغم احتمال توفر الدافع وبالطبع الإمكانية المادية لتصفية الصدر إلا أن أتباع الإمام, والنظام الإيراني الحالي وكلاهما يملك الكثير من الدوافع التي تحملهم على وضع اللوم على الشاة, يصران على إلقاء التبعة على كاهل القذافي, وكما لاحظ مسئول إيراني في عام 1980 ((إننا نعتبر الحكومة الليبية مسئولة مباشرة عن الغموض الذي ما يزال يحيط بالمسألة)) ([147]).

أما شهبور بختيار الذي سلمه الشاة الحكم لدى مغادرته إيران فيقدم بدوره برواية أخرى لملحمة الاختفاء, زاعمًا أن الشاة أرسل الصدر إلى لبنان لتعزيز مخطط يرمي إلى إنشاء دولة شيعية تضم إيران والعراق ولبنان, وإنهما اختلفا لاحقًا بسبب فشل الشاة في إرسال 500 ألف دولارًا كان قد وعد الصدر بها (تشير مصادر أخرى إلى أن هذا المبلغ كان مخصصًا لبناء مستشفى في صور) إلا أن شهبور يزعم أن المسئول عن اختفاء الصدر ليس الشاة بل الخميني الذي كان الصدر منافسًا قويًا وخطيرًا له, ويرى بعض المراقبين الحسني الاطلاع أنه حتى بعد انتصار الثورة الإسلامية فقد كان هناك خوف من أن يستولي الأمليون على الثورة.

والأمر المثير للاهتمام هو أن هذه الرواية تلقى قبولاً من أحد رفقائه الأقربين, وهو رجل كان على علاقة مباشرة بالتحقيق الذي أجري حول اختفاء الإمام, يرى هذا المصدر أن الإمام لقي مصرعه بنتيجة مؤامرة سورية ليبية إيرانية, ويضيف أنه بغض النظر عن الروابط الشخصية والدينية فإن كلاً من الخميني والصدر لم يكن يحب الآخر, (يشير شخص مطلع آخر إلى أن الخميني بدا غير مهتم عندما سأله صحافي مصري بارز عن سر اختفاء موسى الصدر).

وبحسب المصدر الأول فإن السوريين وبالتحديد وزير الخارجية آنذاك عبد الحليم خدام, هم الذين حثوا الإمام على قبول الدعوة الليبية, بالطبع يحتاج المرء إلى قفزة استهلالية جوهرية كي يصل إلى الحديث عن مخطط اغتيال متكامل, لكن قد تكون هناك دوافع أخرى وراء الترويج لمثل هذا الاحتمال ([148]).

هناك رواية أخرى تربط اختفاء السيد موسى الصدر بنمو المعارضة للوجود الفلسطيني المسلح في جنوب لبنان وبالعلاقات المتوترة بين الحركة الشيعية وبين المنظمات الفدائية التي يدعمها القذافي على وجه الخصوص. يقول عزيز عمر الشنيب -ديبلوماسي ليبي سابق عمل في الأردن والتجأ إلى المملكة الهاشمية-: إن القذافي حاول فرض خط سياسي جديد على الإمام موسى الصدر وقد أدى به الاعتراض إلى الإعدام, وبحسب رواية الشنيب فإن المصير نفسه كان بانتظار ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية لانحرافه عن خط الرفض في مواجهة إسرائيل, ويذكر الديبلوماسي السابق أن ثلاثة من مساعدي القذافي (أحمد رمضان, وبو كبير حنيش وخليفة حنيش) هم الذين نفذوا الاغتيال, ويقول: أن جثث الإمام ورفيقيه دفنت جنوبي بلدة ساحلية تدعى سرت بالقرب من مشروع زراعي يديره أحد أبناء عم العقيد, ويدعي أن لديه ما يثبت ذلك من الوثائق, إلا أن هذه الوثائق لم تخرج إلى العلن حتى الآن ([149]).

ويدعي آخرون تابعوا هذه الملحمة أن القذافي كان يكره الإمام كرهًا شديدًا, وإنه تظاهر بالنوم خلال اجتماع جمعه به حتى يظهر عدم احترامه له.

ورغم أنه يبدو أن وجود يد للقذافي في تصفية الصدر أمرًا لا يخرج عن إطار شخصيته, لكن لنقل: إن محضر القضية لم يقفل بعد.

بينما يبقى لغز اختفاء ومصير الإمام الصدر مفتوحًا, إلا أن اختفاءه هذا كان ذو أهمية رمزية بالغة لدى حركة أمل, فلقد رفع العديد من شيعة لبنان شخصه إلى مقام الشهيد الوطني. وفي عام 1979 أخذت صورته مكانها في فسيفساء الملصقات الجدارية التي تشهد على ذلك الكم الهائل من القضايا والأحزاب في لبنان, أما صحيفة أمل فتضع صورة الإمام على صدر صفحتها الأولى وتعيد بانتظام نشر خطاباته وتعليقاته (المصحوبة عادة بصورة إضافية له).

ويعرف أعضاء الحركة عن نفسهم من آن لآخر بوصفهم ((صدريين)) ويضع أغلب أعضاء الحركة الحديثي السن زرًا أو قلادة عليها صورة الإمام الصدر, وبل بعضهم يلبس قميصًا (تي شيرت) قطنيًا يحمل صورته, ففي بلد لا يوجد فيه سوى عدد قليل من الأبطال المعاصرين نال موسى الصدر درجة رفيعة من الشهرة.

ولو كان الإمام الصدر قد اختفى عن مسرح الأنظار بشكل هادئ, لكان من المرجح أن تكون سياسة الشيعة أشرس بكثير مما هي عليه الآن, فبينما يحيى أتباعه إنسانيته وتفانيه وتضحيته والتزامه العميق بمحرومي لبنان وبلبنان نفسه, يشير أولئك الذين يقللون من شأنه إلى تكيته في تغيير التحالفات, وإلى ذلك الدور المتعمد أو غير المتعمد الذي لعبه في خدمة مصالح ((الثورة المضادة)) ومؤسساتها -أي المكتب الثاني- وفي خدمة طموحاته السياسية, وبالتالي فلو كان واصل جهوده في لبنان لكان من غير المرجح أن يكون قادرًا على رأب أو تجاوز الهوة التي تفصله عن زعماء الشيعة واتباعهم من جهة وعن العديد من المجموعات المناصرة للحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى, ورغم أن اختفاءه لم يلغ هذه الانقسامات, إلا أنه جعلها نوعًا ما غير ذات بال, فالعديد من الشيعة يجدون في إمام مختف رمزًا أصيلاً على الصعيد الثقافي يلزمهم التعبير عن القهر الذي فرض عليهم أن يعانوا منه, إن اختفاء الصدر قد غذى وتكامل مع مزاج سياسي, وشكل عاملاً مؤاتيًا لتبلور حركة شعبية هي حركة أمل.

يسلم عدد ليس بالقليل من قادة أمل بأن إمامًا (مش موجود) هو بلا شك ذو قيمة أكبر من إمام موجود في تعبئة الجماهير سياسيًا, إذ أن اختفاء الإمام الغامض لم يؤد فقط إلى جعل انتقاد الحركة التي يمثلها أصعب بكثير, بل ومن الواضح أن غيابه يذكر بإيمان الشيعة بعقيدة الإمام الغائب, مما يعزز من أصالة المنظمة السياسية الوحيدة في لبنان, الشيعة بشكل كلي ([150]) وكما يسلم أحد مفكري أمل فإن اختفاء موسى الصدر هو أهم شيء حصل لحركة أمل.

الثورة الإسلامية:

كان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران, بلا ريب, أثرًا قويًا جدًا على لبنان, فلقد شكل خلع الشاة في كانون الثاني 1979 نموذجًا مهمًا, يظهر ما الذي تستطيع أمة مؤمنة, حسنة التنظيم ومعبأة أن تنجزه في وجه الظلم والطغيان ناهيك عن أن النظام الجديد في طهران كان يعد بأن يكون مصدرًا مهمًا للدعم المادي والمعنوي.

وللروابط التي تربط شيعة جبل عامل وشيعة إيران تاريخ طويل ومتميز, فكما يذكرنا ميشال مازاوي: ((وفي الواقع أن الفصل المتعلق ببروز التشيع في إيران أثر قيام الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس عشر لا يمكن كتابته دون الإحالة المباشرة إلى الدور الذي لعبه علماء عامليون من جنوب لبنان الذين توافدوا على البلاد ما أن سيطر النظام الجديد عسكريًا وسياسيًا)) ([151]).

وفي القرون التالية تلقى العديد من رجال الدين اللبنانيين تعليمهم الديني في النجف –العراق التي طغت على جبل عامل كمركز للتعليم الديني الشيعي. ثم ومع بروز قم كمركز للتعليم الديني أخذ عدد من العلماء الشيعة اللبنانيين يتلقى العلم فيها أيضًا.   

لعب عدد من مسئولي أمل دورًا هامًا في الأحداث الأخيرة في إيران, كما تلقى عدد من الإيرانيين بمن فيهم ابن الخميني أحمد الخميني ونسيبه صادق طباطبائي تدريبهم العسكري في لبنان تحت إشراف أمل ([152]), ولعل المثال الأهم هو مثال مصطفى شمران: إيراني درس الهندسة في أمريكا, تولى إدارة المؤسسة المهنية في برج الشمالي حتى عام 1979, حين غادر إلى إيران ليصبح رئيسًا لمجلس الدفاع الأعلى في الجمهورية الإسلامية الجديدة وبينما ليس من غير المنطقي الافتراض بأن وجود هذا المسئول في مكان مناسب إلى هذا الحد قد ساعد بشكل هائل على توفير مساعدات جوهرية لأمل, إلا أن موته الغامض في عام 1981 الذي يقال: إنه من جراء حادث تحطم طائرة على الجبهة العراقية – يلقي ظلالاً من الشك على افتراض كهذا, ويعقتد العديد من اللبنانيين المؤيدين لحركة أمل أن موت شمران من صنع أشخاص أو فئات مؤيدة لنظام الخميني رأت في شمران منافسًا قويًا له, لذا فمن المرجح من أن تكون المعلومات المنتشرة بين الناس حول تدفق مساعدات مكثفة ومتواصلة من طهران إلى أمل معلومات إلى حد ما غير دقيقة, ولقد تعزز هذا الرأي بدعم الجمهورية الإسلامية بشكل مباشر منظمات إسلامية حقيقية في تنافس مباشر مع حركة أمل, وهو موضوع سندرسه بتفصيل أكثر في الفصل السادس.

من المهم أن نميز بين النتائج السياسية الخاصة بالثورة الإسلامية التي أنتجت ما أفضل أن أسميه ((بالنموذج الإيراني)) وبين الظاهرة الاجتماعية السياسية الأعرض المتمثلة بالتشيع أو الدين بشكل عام كملجأ للذين يجدون أنفسهم معزولين أو مستثنين من النظام السياسي والذين يجدون في الدين هوية جماعية مألوفة, وأداة للنضال من أجل تحقيق أهدافهم السياسية.

إن ظاهرة الانبعاث الإسلامي ليست ظاهرة جديدة ولا حتى متجانسة, ورغم تنبؤات الأكاديميين المبكرة بأن العلمنة سوف تبتلع ظاهرة الأحزاب السياسية الدينية ([153]), فقد أصبح من البين الآن أن هذه التنبؤات كانت في أحسن الأحوال سابقة لأوانها, فهذه الحركات كما توصلت في دراسة مقارنة لي عن حركات الاحتجاج الإسلامي في لبنان وسوريا, ليست جزءًا من كتلة خرسانية تزحف من مكان لآخر في الشرق الأوسط, لكنها تمثل خليطًا من التاريخ الطبيعي والبرامج والاحتمالات ([154]).

ففي سوريا مثلاً تمسك المسلمون السنة بعد أن فقدوا السلطة, بالإسلام كوسيلة لإضفاء الشرعية على حملتهم السياسية العنيفة غالبًا على نظام حافظ الأسد, أما في لبنان وحيث الطائفة هي جوهر السياسة فقد سعى الشيعة لنيل حقوقهم السياسية في حركة تضع هويتهم اللبنانية الشيعية على المحك. وفي الحالتين معًا فإن سبب اتخاذ الاحتجاج طابعه الديني يعود -جزئيًا على الأقل- إلى فشل الطابع العلماني.

ومع ذلك لا يمكن إنكار القوة الإيحائية للنموذج الإيراني, إلا أن العديد من الباحثين قد فشلوا في ملاحظة أن الشيعة اللبنانيين العاديين, كالعديد من مسلمي الأمة يملكون نظرة مزدوجة إلى الثورة الإسلامية, فثمة من جهة اعتراف بأنها قد برهنت عما يمكن لجماعة مؤمنة معبأة أن تنجزه, ولكنها من جهة أخرى لا تعتبر بشكل واسع نموذجًا يصلح للتطبيق في لبنان, وباختصار, فإن الأهمية العاطفية للثورة الإسلامية أكثر أهمية من شكلها المؤسساتي, فالكثير من اللبنانيين الذين يمجدون النموذج الإيراني تراهم يدينون ويشجبون بصراحة ودون أي قيد المغالاة التي وقعت فيها الثورة (الإعدامات المتعجلة التعذيب وغيرها بالإضافة إلى الرؤية السياسية التي عفا عليها الزمن لعدد من شخصياتها الرئيسية) وحتى منتصف عام 1986 على الأقل لم يكن يوجد ما يشير إلى أن التيار المسلم الرئيسي (الشيعي والسني) يسعى إلى نقل الثورة الإسلامية إلى لبنان, وفي الواقع فإن العديد من المسلمين اللبنانيين يزدرون ويخشون في آن ما يصفونه أحيانًا بالخمينية, غير أن هذا لا ينفي أن العديد من الشيعة اللبنانيين ينظرون إلى لبنان كجزء من الأمة إلا أنه جزء ينبغي المحافظة عليه لا استبداله بالكل الإسلامي, يبقى أن النقطة المهمة هي أن الأحداث في إيران قد شكلت حافزًا مهمًا لتعبئة الشيعة سياسيًا, دون أن ترى فيها أغلبية الشيعة نموذجًا للتقليد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

نهاية حلف طبيعي

استفادت حركة أمل, كما أشرنا في الفصل الثالث, وإلى حد كبير, من عدد من الظروف التي لم يكن لها يد في نشوئها, إذ لم يكن ثمة ما يحتم بروز حركة أمل أو أي منظمة شبيهة بها, فلو أن موسى الصدر عاد من ليبيا, أو استمر حكم الشاه في إيران, أو كيف الفلسطينيون أنفسهم فقللوا من عدائيتهم وزادوا من تعاطفهم مع مضيفيهم اللبنانيين, لكانت السنوات الأخيرة قد أنتجت ربما أنماطًا مختلفة كثيرًا من النمو التنظيمي لدى الشيعة, فالحركة ما أنقذها من الدخول في طي النسيان, إلا إنتاجها للبطل والمثال والوعد بالأمن لشيعة لبنانيين تعبوا من دفع الدية وضريبة الدم نيابة عن الفلسطينيين والإسرائيليين, وغير الشيعة من اللبنانيين، يعرض هذا الفصل للطريقة التي شكل فيها المحيط الأمني القاعدة التي قامت عليها الحركة كمنظمة وكمحور للهوية الشيعية, وإذ يركز هذا الفصل على جنوب لبنان فإنه تجدر الملاحظة إلى أن الأحداث التي تجري فيه تنعكس على الجماعة الشيعية ككل, فالجنوب, بما هو جبل عامل, هو المركز السطحي EPicentre الروحي للجماعة, كما أن دور الروابط العائلية الكثيفة التي تربط بين الشيعة في كافة أنحاء لبنان يتسم بالأهمية نفسها, فهي تعمل على توليد درجة كبيرة من الاهتمام بأحداث الجنوب التي كانت في الغالب إما تمارين (بروفة) أو إعادات لأنماط عنف مشابهة في ضواحي بيروت.

أمل كأداة لأمن الجماعة:

رغم أن تباعد مصالح الفدائيين والشيعة لم يكن -في أواخر الستينات- بالتطور الجديد, إلا أن الشيعة لم يبدأوا إلا في تلك الفترة بالانخراط في معارضة منظمة للوجود الفلسطيني المسلح, فالأغنياء والفقراء, والمتعلمون والأميون, والمدنيون والريفيون, وجهوا جميعًا عدائيتهم نحو الفدائيين, فلاموهم على تعريض عائلاتهم ومنازلهم وأرزاقهم للخطر الدائم, ورغم أنه من المؤكد أن هناك عدة متهمين آخرين بالتورط في المأساة اللبنانية إلا أن الفدائي هو الذي بدا للعيان, وهو الذي وقع اللوم عليه.

حتى قيادة أمل التي ظلت لوقت طويل تبذل قصارى جهدها للحفاظ على مظاهر العلاقات الودية مع الفدائيين وحلفائهم, كانت تتجه وبشكل متزايد إلى اللجوء إلى النقد العلني لحلفائها السابقين, والملاحظات التالية التي أدلى بها نبيه بري (الذي مارس مهام رئيس الحركة منذ أوائل 1980) في أوائل 1982, حول الثمن الفادح الذي دفعه الشيعة, تعكس مزاج الجماعة بدقة ((إن شعب الجنوب بمن فيهم الشيعة, أعطى القضية الفلسطينية أكثر مما أعطاها كافة العرب مجتمعين, لقد أعطوا القضية أرضهم وأبناءهم وأمنهم وحقولهم – أعطوها كل شيء باستثناء شرفهم وعزتهم وكرامتهم- )) ([155]) إلا أن تعليق بري كان لا يزال يحتفظ بضبط النفس إذا ما قورن بالآراء المتشددة التي كانت تتردد في قرى الجنوب في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات.

فالقروي, الذي كان من المؤكد أن لهجة بري هي لهجة ملطفة في نظره, كان يضع المسألة في إطار مباشر, أعطينا الفلسطينيين كل شيء ولم يعطونا بالمقابل سوى الإهانات والجثث ودروسًا في الفساد, ولقد قال لي أحد المخاتير تعبيرًا عن احتقاره لمنظمة التحرير الفلسطينية: ((الثورة الفلسطينية بتصير التجارة الفلسطينية بلبنان)) إشارة إلى عدم إخلاص المنظمة -بحسب رأيه- لأهدافها المركزية, نفذ صبر الناس, ومع كل حادث وكل صدام وكل إهانة كانوا ينشدون أكثر نحو حركة شعبية وعدت بتحقيق الأمن للفلاح والعامل والمزارع والمعلم.

إن ميلنا للتفكير وفق منشورات بنائية مألوفة, قد جعل الكثير من الدراسات الأولى تميل إلى التشديد على أن الشيعة قاموا ببساطة بتنظيم أنفسهم في ميليشيا تتنافس مع الميليشيات الأخرى المتواجدة بكثرة على الساحة اللبنانية ([156]), إلا أن نظريات كهذه تنقص من شأن حركة أمل فهي لم تكن كقوة عسكرية بمستوى خصومها, حتى إن قادتها أنفسهم تمكنوا بسرعة من اكتشاف ضعفها العسكري: ((إذا كان المقياس هو السلاح والذخيرة والمعدات فنحن, على الأرجح الحزب الأضعف في البلاد والأرجح أن تكون أصغر منظمة أحسن تسلحًا وأفضل تجهيزًا منا, إلا أن قوتنا تتمثل في قدرتنا على جعل الناس (الجماهير) ينفذون أوامرنا, وهم يفعلون ذلك لأنهم يعلمون أننا إنما نستجيب لمطالبهم)) ([157]). إذا كانت ملاحظة بري هذه تبالغ إلى حد ما في تقدير ضعف أمل العسكري, إلا أنها تلقي الضوء على قوة الحركة الحقيقية وهي قدرتها على تجاوز القوة العسكرية المجردة وامتلاكها بالتالي لنفوذ سياسي جوهري في لبنان.

في الجنوب, الذي أمد أمل بالكثير من قوتها, وتعهد نموها, كان عدد أعضاء الحركة الفعليين, -بالتعارض مع عدد مؤيديها- ضئيلاً بشكل غير معقول, ففي إحدى القرى الشيعية الرئيسة لم يزد عدد أعضاء الحركة عن التسعين عضوًا بينما بلغ عدد الذكور العاملين 1500 رجلاً, وتراوح عدد الأعضاء في قريتين مهمتين أخريين بين 30 و 40 عضوًا, ورغم ذلك اعتبرت الحركة هذه القرى معاقل قوية لحركة أمل, وليس المقصود هنا أن هناك تضخيم لأهمية الحركة بل علينا أن ننظر إلى أمل بمعناها الأعرض كحركة سياسية ينتمي إليها الشيعة فكريًا إن لم ينتسبوا إليها رسميًا.

يتماهى الناس مع حركة أمل في عدد ليس بالقليل من القرى الجنوبية, لكنهم لا يملكون أي رابطة تنظيمية تربطهم بها, بالطبع يرى عدد غير قليل أيضًا من القرويين أن أحسن سياسة هي اللا سياسة, وهو شعور يعبر عنه بشكل جيد المثل الشيعي الذي يقول: ((رأي البقر أحسن من سياسة البشر)) إلا أنه من المستحيل بشكل عام تجنب السياسة خصوصًا في أشكالها العنيفة.

وهكذا كان من الشائع جدًا أن تصادف قرية جدرانها مغطاة بالملصقات التي تمجد الإمام الصدر وآية الله الخميني, ومختارها وأعيانها وفلاحيها يجمعون على تبني الشعارات التي تمثل أمل خير تمثيل, ثم تكتشف أن مسئولي أمل, الذين يملكون كل الحق في أن يدعوا أن لديهم عددًا كبيرًا من الأعضاء في تلك القرية, ليس باستطاعتهم أن يدَّعوا وجود عضو واحد مسجل رسميًا, فعندما يقول القروي: ((أنا مع حركة أمل)) فإنه إنما يؤكد على أن رسالة أمل الشعبية تضرب على وتر حقيقي وأساسي في وجدانه.

وبينما دعت قيادة أمل إلى إعادة بناء النظام السياسي اللبناني تركزت أهداف القرويين على مسألة محلية هي بكلمة واحدة ((الأمن)) وهذا ما دفعهم إلى تأييد حركة شعبية تدعو دون هوادة إلى تمكين الشرعية ومؤسساتها -وخصوصًا الجيش- من ممارسة دورها. وإلى تأييد النضال الفلسطيني في فلسطين لا في لبنان, وإلى نزع السلاح من الميليشيات وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق المتغلغلين في كافة أرجاء البلاد ([158]).

هذه القرى والبلدات كانت تمد أمل بالكثير من قوتها, إلا أنها كانت في الوقت نفسه منبع ضعفها, فبينما شكل التجار والطبقة الوسطى الزراعية الصغيرة الحجم والمهاجرون مصدر دعم مالي مهم للحركة, فمزارعو الحمضيات الأغنياء مثلاً (أصحاب البساتين على الساحل الجنوبي خصوصًا المنطقة الواقعة جنوبي مخيم الرشيدية للاجئين) ساهموا بحماس في دعم الحركة, إلا أنهم باستثناء حضور بعض الاجتماعات المتفرقة, (وحضورها بحد ذاته أمر ينطوي على خطورة) فإن مشاركتهم الفاعلة في نشاطات أمل خارج نطاق قراهم كانت شبه معدومة وبما أنه تسنى لي حضور عدة لقاءات جمعت بين قادة في حركة أمل وبين المتبرعين فبوسعي أن أشهد على الطبيعة البدائية للهيكلية التنظيمية للحركة في عامي 1980-1981.

تعتمد أمل على قاعدة شعبية تمتد على رقعة جغرافية متنوعة وحدتها الرئيسية هي القرية, وبالتالي فإن حركة أمل لم تكن قادرة دائمًا على تركيز قوة عسكرية أو سياسية رادعة, مما دفعها -وفي الجنوب بشكل خاص- إلى تبني أسلوب دفاعي والمؤكد أن الوضع استمر هكذا طوال عام 1981 ([159]). وباختصار فإن أمل كانت تعاني من نقص حاسم؛ إذ تضطر لمواجهة خصومها على أرضهم ووفق شروطهم ولم تبدأ الجاهزية العسكرية لقوات الحركة بالاقتراب من مستوى جاهزية أعدائها إلا في أوائل عام 1982.

من جهة أخرى لا يتسم الحديث عن حركة أمل واحدة بالدقة, ففي كل قرية يهيمن فيها المتعاطفون مع أمل ثمة حركة أمل منفصلة بذاتها, والنتيجة منظمة تدعي عن حق بأنها تلقى تأييدًا واسعًا, إلا أنها لا تتمكن في الغالب من ترجمة قوتها المؤثرة إلى سيطرة فاعلة لا على أعضائها ولا على نشاطاتهم, ويشير هذا الرأي الثاقب لأحد قياديي حركة أمل البارزين إلى هذه الظاهرة إذ يقول: ((لا تنسوا أن أمل حركة. وبالتالي فإنه لا يمكن إعطاء أوامر مباشرة, بل يجب على القيادة أن تكون مزيجًا من الإقناع وتوفير القدوة, وما شابه ذلك)) ([160]).

حافظت البنية التحتية للحركة على تخلفها رغم توفر المال والسلاح فلقد صرف عدد من قادتها الأكثر كفاءة جل وقتهم في إخماد الصدامات المسلحة ومحاولة الحفاظ أقله على وهم علاقة أخوة مع الفئات الأقل عداء, بشكل علني في القوات المشتركة, (قيادة عسكرية خاضعة لسيطرة فتح, تجمع بين مقاتلي منظمة التحرير ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية) كذلك تعرضت جهود بناء التنظيم لعقبات إضافية وذلك ببساطة؛ لأن عددًا من القادة الرئيسيين اضطر للبقاء في عمله طلبًا للرزق عادة بحكم الضرورة, وشكل الأمن الشخصي همًا رئيسيًا آخر, إذ كان العديد من القادة, يعيشون في قرى آمنة في داخلها, إلا أنها متاخمة لمواقع عسكرية تابعة للقوات المشتركة (كان أحد القادة السياسيين في الحركة يعيش في بيت يبعد مائتي متر عن مركز عسكري يبدو أنه اختير في موقعه بالذات لإرهابه ومراقتبه. ولقد اكتشفت بنفسي في حزيران 1981 مدى تعرض هذا الرجل للخطر عندما حصارنا الفدائيون, في منزله -لاعتقادهم الخاطئ بالطبع- بأننا قد تورطنا في عمل تخريبي ما. بعد تلك الحادثة بعدة أشهر قامت عناصر من القوات المشتركة بطرده وإحراق منزله).

لم تكن الحركة على هذا القدر من الضعف في ضواحي بيروت وخصوصًا في معقلها القوي في الغبيري, حيث سهل تركز الوجود الشيعي والطبيعة المتكاملة في حد ذاتها للأهالي, نمو الحركة ونبذ الغرباء (تباهى أحد سكان الغبيري بأن اليساريين والفدائيين لا يجرءون على دخول المنطقة) وبالتالي ففي بيئة يسيطر عليها العنف, كما هو الحال في لبنان, فإن مدى السيادة الجغرافية لمجموعات السكان الشيعة هو الذي يحدد إلى حد كبير مدى نمو حركة أمل الرسمي أو الجماهيري.

أما في الجنوب, ونتيجة لغياب التنظيم المتكامل, فقد كان اسم أمل أحيانًا ملكًا لمن يشاء استخدامه, فهو بالنسبة إلى العديد من القرى الشيعية, مجرد مرادف لأي نشاط جماعي في القرية يهدف إلى الدفاع عن النفس, وكان هذا بحد ذاته دليلاً مقنعًا -وإن ملتبسًا- يشير إلى مدى رؤية القرويين للحركة كرمز (عنوان للتنظيم الشيعي) وهكذا جرى تبني اسم حركة أمل في بضعة حالات على الأقل, من قبل شباب محليين وجدوا أنه يوفر لهم ولنشاطاتهم شرعية معينة ما كان متاحًا الحصول عليها لولاه, زد على ذلك أن العديد من الذين انتموا في السابق إلى جبهة التحرير العربية أو إلى العديد من المنظمات الشيوعية الأخرى استكشفوا اتجاه الريح ووجدوا أن الوقت مناسب لتغيير اليافطة, ولقد كان هذا الاتجه قويًا إلى درجة دفعت بالحركة في ربيع 1981 إلى التوقف مؤقتًا عن قبول أي انتساب أقله في الجنوب حيث كان من المعروف بشكل عام -وهو اعتقاد له ما يبرره- أن الحركة قد نظمت عددًا من العناصر المشكوك في ولائها وخلفيتها. (ولكي لا نضلل القارئ فإنه من الضروري الإشارة إلى أنه بينما كانت حركة أمل في أوائل الثمانينات تنمو على حساب أحزاب ((اليسار)) فإن الحزب الشيوعي اللبناني ظل يقوم بحملات تنسيب ناجحة حتى بدء الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982).

ليست الخصائص والتطورات المشار إليها أعلاه أمرًا مفاجئًا, كما أنها ليست تعبيرًا عن خلل وظيفي بالنسبة إلى تنظيم ناشئ ذي قاعدة مجتمعية كحركة أمل, إلا أن بنيتها التحتية الضعيفة جعلتها عرضة لأن يقاسمها القادرون على استخدام الرموز نفسها -أي رجال الدين- ولاء الناس لها.

خلفت موسى الصدر في قيادة أمل قيادة غير دينية, ورغم أنها حفظت على اتصالاتها بكبار رجال الدين, إلا أنه لا توجد دلائل على مشاركة علماء دين في أعمال المتابعة اليومية, إذ طالب البعض في داخل الحركة بتكامل أوثق مع رجال الدين, لكن يبدو أن هؤلاء لم يتمتعوا بتأثير يذكر قبل 1982 ([161]), ومع ذلك يوجد من الناحية الأخرى ما يشير إلى أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى, (فالإمام هو الرئيس رسميًا) نجح في بداية العام 1982 في منافسة نبيه بري على قيادة حركة أمل, هذا الصراع على السلطة الذي توقف بفعل الغزو الإسرائيلي ما لبث أن تجدد كما سنرى بعد الغزو.

على الصعيد المحلي, كان عدد من رجال الدين المتعاطفين مع أهداف أمل الأمنية يترددون في التسليم بدور قيادي لقيادتها الدنيوية, ولقد لعب هؤلاء, مستلهمين على ما يبدو دور رجال الدين الإيرانيين, دورًا مباشرًا في تنظيم نشاط شعب الوحدات التنظيمية أمل في القرى الحافلة بالنشاطات الميليشياوية والأمنية, حدثت حالة طريقة من هذا النوع في قرية صديقين الجنوبية, إذ استشاط شيخ البلدة غضبًا, بعد أن قصفت عناصر مؤيدة للعراق منزله وقرر أن يرد بنفسه متجاهلاً ممثلي الحركة في القرية, فوجه ميليشيا البلدة والظاهر أنه قادها بنفسه, وعندما حاول مسئولو الحركة أن يردوا الشيخ المنشق إلى بيت الطاعة, رفض أن يسلم بسلطتهم, ولم يبدأ في التعاون معهم إلا بعد أن قام الشيخ محمد مهدي شمس الدين بإقناعه بناء على طلب من قيادة الحركة ولكنه فعل ذلك وهو بادي التذمر. وقال مزدريًا حق المسئولين اللا دينيين في تمثيل الأهالي وتوجيه نشاطاته: (( أنا صدِّيقين وصديقين لنا)).

البرنامج الأمني للحركة:

مع التعدد الهائل للميليشيات والمجموعات السياسية في لبنان أصيبت البلاد بالتخمة من جراء تعدد البرامج السياسية الحافلة بوصفات العلاج لكافة الأمراض ([162]) وقبل أن نعرض لمساهمة أمل في هذا الكم المجنون الحافل بكل أنواع المقترحات السياسية البناءة منها والمبتذلة, لا بد لنا من عرض الأسباب التي تجعل من تقديم البرنامج السياسي لأمل أمرًا في غاية الصعوبة.

من البديهي جدًا في أي حرب أن تكون المثل العليا التي يحملها المتحاربون من أولى ضحاياها, والحرب اللبنانية, التي بدأت في عام 1975, لم تشذ عن هذه القاعدة, إلا في كون مثل المتحاربين قد انطفأت بسرعة مذهلة.

وبينما كان بوسع كل ميليشيا شاركت في الحرب أن تدعي -إلى حد أكثر أو أقل- أنها تملك تصورًا سياسيًا عقلانيًا, إلا أن منطق أو لا منطق النزاع سرعان ما أحال الأساس النظري الذي تستند عليه الصدامات والحملات الفردية إلى نوع من البراغماتية العسكرية, تبدأ الحروب بأهداف كبيرة ولكنها تخاض بأهداف صغيرة, وفيما التذرع بالضرورة التكتيكية لبعض الاصطدامات يمكن أن يكون موضع نقاش, خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك العدد الهائل من حوادث العنف التي تشعلها إهانة ما على حاجز تفتيش, أو قتل أو خطف الأصدقاء والأقارب أو حتى الفرصة المتاحة للسطو والنهب, ([163]) لكن الحرب تصبح مبرر ذاتها, ولا يملك المشتركون فيها وقتًا أو ميلاً للتفكير في مستقبلهم الجماعي, وبالتالي فلا بد في محيط لا سوي كالمحيط اللبناني للمقترحات الداعية إلى إزالة الظروف التي سببت الحرب أن تنتظر غالبًا حتى يستنفذ المتقاتلون بعضهم أو حتى يتم التوصل إلى نتائج حاسمة (أي النصر أو الهزيمة).

من المهم أن نعرف أن حركة أمل كانت تعمل قبل غزو 1982 على تحقيق برنامجين متكاملين, الأول ضمني ينكره مسئولوها علنًا, والثاني صريح ومحدد في برنامجها, وقبل أن ننتقل إليه في الفصل الخامس لا بد لنا أن نتعرض لبرنامجها الضمني أو المخبأ.

كما رأينا, فإن الدافع الأولي على الصعيد المحلي للانضمام للحركة أو تأييدها كان ببساطة ووضوح, التخلص من الوضع الأمني السيء الذي يخيم على معظم أرجاء لبنان, وكما دل تزايد حدة الصدامات بين أمل والقوات المشتركة في عامي 1981-1982, على أنهم اعتبروا أن التهديد الرئيسي لأمن المجتمع الشيعي إنما يصدر عن الفدائيين وحلفائهم في الحركة الوطنية اللبنانية ([164]) وبما أن وجود المقاتلين الفلسطينيين وحلفاءهم كان يرى بوصفه دعوة لقيام إسرائيل بهجماتها فقد كان من المفهوم أن يعارض القرويون وجود القواعد الفلسطينية في مناطقهم, أكثر من ذلك لم يقتصر الأمر على الخوف من خطر الهجمات الإسرائيلية, بل غالبًا ما كان وجود الفلسطينيين في مكان قريب يعني مصادرة الأراضي الزراعية والمشاعية والمنازل, ناهيك عن الاعتداءات الجسدية والإهانات الدائمة, (هذه الآثار الجانبية الكريهة لم تقتصر بالطبع على المناطق التي احتلها الفدائيون بل كانت إحدى أعراض انتقال سلطة القمع إلى المجموعات المسلحة والميليشيات في كافة أنحاء لبنان).

أملت الهجمات الإسرائيلية المتتالية والقصف المدفعي والغارات الجوية على الفدائيين نشر قواعدهم في أماكن متفرقة حتى لا يصبحوا هدفًا أكثر سهولة للمدافع الإسرائيلية, إلا أن هذا الانتشار أدى إلى تزايد استياء وإصرار الذين دفعوا أغلى ثمن القرويين, وبالتالي فإن حركة أمل لم تفعل مع ازدياد قوتها, أكثر من زيادة تقييد حرية الفدائيين في الحركة مما جعلهم بالتالي أكثر عرضة من أي وقت مضى للهجمات الإسرائيلية, وهكذا فإن برنامج أمل الضمني الهادف إلى منع نفاذ الفدائين إلى المجتمع الشيعي لم يكن ليؤدي إلا إلى إضعافهم, فليس من المستغرب -والحال هذه- أن يدرك مسئولو أمل من جهة وقادة التنظيمات في القوات المشتركة من جهة أخرى النتائج المترتبة عن نمو الحركة.

فعمدت المجموعات التي تتعرض للخطر المباشر أكثر من غيرها إلى شن حملة هدفت إلى إعاقة الحركةوصولاً إلى تصفيتها, وقد كانت الجبهة العربية على وجه التخصيص, بارتباطها الوثيق بنظام صدام حسين في بغداد وكرهها العميق للحركة الموالية لإيران -إضافة إلى المنظمات الشيوعية المختلفة المنافس الرئيسي للحركة على استقطاب العناصر – من أشد المعادين لأمل تصلبًا.

إذ أدرك مسئولو فتح الخطر الذي يمثله تنامي قوة حركة أمل دعوا في الوقت نفسه إلى ضرورة الحفاظ على علاقة جيدة أقله ظاهريًا مع الحركة الأهم في الطائفة الشيعية, حاولت فتح تجنب أي عداء مكشوف مع أمل, إلا أن مسئولي الأخيرة سارعوا إلى الإعراب عن عدم ثقتهم بنوايا فتح, إذ رأوا أنها تحرض على القيام بنشاطات معادية للحركة رغم أنهم لم يغفلوا عن أهمية الدور المؤقت الذي يمكن أن تلعبه كبرى منظمات منظمة التحرير الفلسطينية كواسطة, وفي الواقع كانت فتح بلا شك المنظمة الأبرز في القوات المشتركة والوحيدة القادرة على محاولة فرض النظام على خصوم حركة أمل, برزت هذه الأهمية ولو مرحلية لحركة فتح في أواخر آذار 1980, عندما نشب قتال ضار في شوارع بيروت بين أمل من جهة والجبهة العربية والتنظيم الشعبي الناصري من جهة أخرى, هذا القتال الذي خلف وراءه 27 قتيلاً, أثار ياسر عرفات زعيم فتح ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية, إلى الحد الذي دفعه إلى مغادرة دمشق قاطعًا مشاركته في المؤتمر الرابع لحركة فتح والعودة إلى بيروت ليتوسط في حل النزاع.

في صيف 1980, كان يمكن تمييز اتجاهين داخل حركة أمل فيما يتعلق بالموقف من الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان: رأى الاتجاه الأكثر اعتدالاً انطلاقًا من التعاطف مع القضية الفلسطينية والاعتراف بأن الوجود الفدائي لن يصل على الأرجح إلى نهايته, بواسطة حل سلمي, في وقت قريب, وإن أعداء أمل هم مؤيدو النظامين المحتقرين العراقي والليبي, وهؤلاء لا تعتبر فتح مجرد واسطة مفيدة في التعامل معهم, بل وحليف جدير بالثقة, أما الاتجاه الثاني, والذي كان في عام 1980 يمثل الاتجاه الغالب في الجنوب فقد اعتبر أن المقاتلين الفلسطينيين وكافة الغرباء مسئولون عن المشاكل المستمرة في لبنان, وبحسب هذا الاتجاه فإن أي علاقة مع فتح أو مع أي منظمة فلسطينية أخرى هي علاقة تكتيكية ومرحلية.

رغم الوقفة العلنية لمسئولي أمل وجريدة أمل الأسبوعية المؤيدة بحزم لمنظمة التحرير فإن الوفاق الجزئي الهش القائم بينهما أخذ يتدهور باطراد بين عامي 1980 – 1982 وأخذت الاصطدامات تتوالى بشكل متسارع وبينما حاول مسئولو فتح تطويع حركة أمل عبر اللجان الأمنية المحلية المشتركة التي كانت فتح تسيطر عمليًا عليها, وعبر أشكال مختلفة من الضغط والتهويل, باءت هذه المحاولات بالفشل بفعل نمو التأييد الجماهيري المتسارع للحركة وانتشارها الجغرافي وتوزع قيادتها في المناطق.

من النتائج المنبثقة عن برنامج أمل الضمني التي تجدر الإشارة إليها ذلك التأييد العلني المستمر قبل 1982 لانتشار الجيش في جميع الأراضي اللبنانية.

فبينما مثلت الحركة الوطنية والجبهة اللبنانية بنى شرعية بديلة, ألزمت أمل نفسها بالوقوف الحازم إلى جانب إقامة السلطة المركزية القوية, وهو موقف محافظ أساسًا بدا أنه يخدم بشكل جيد مصالح القاعدة الشعبية التي كانت تسعى إلى الأمن زائد حصة عادلة من المناصب السياسية, ساهم موقف أمل من انتشار الجيش في ازدياد التباعد بينها وبين أخصامها, الذين كانوا يعتبرونه جيشًا فئويًا يهيمن عليه الموارنة وهو بالتالي مناوئ بالتعريف للحركة الوطنية وحلفائها الفلسطينيين ([165]) وأدى هذا الموقف إلى ازدياد تأكد القوات المشتركة من الخاصية التناحرية لموقع الحركة, وهكذا نمت بذرة الشك في أن تكون الحركة (أو على الأقل بعضها) ليس سوى ستارًا للمخابرات اللبنانية المعروفة باسم المكتب الثاني, وبينما أثلج تأييد أمل صدر البعض في الجيش اللبناني, إلا أنه ليس هناك ما يشير إلى ضلوع المكتب الثاني في توجيه أو دعم الحركة رغم الاتصالات المستمرة بين فعاليات من أمل والمكتب الثاني خلال الفترة السابقة لعام 1982.

بالإضافة إلى تأييد الجيش, سعت الحركة إلى المشاركة في أي جهد أو مؤسسة ترمز إلى الشرعية في لبنان أكثر من ذلك, فلقد اغتنمت كل فرصة سنحت لها لإجبار الحكومة على بسط سلطتها, وركزت باستمرار على لا مبالاة الدولة إزاء ما يحدث في الجنوب, الذي يعتبر مجلس الجنوب (الذي أنشئ في 1970 لتشجيع النمو الاقتصادي ولكنه تحول إلى مؤسسة يعشعش فيها الفساد) من أهم رموزه. جعلت أمل المجلس هدفًا لحملاتها المركزة, ثم أقدمت في أيلول 1980 على احتلال مكاتبه في صيدا مانعة الموظفين من الدخول إلى المبنى, وأعلن نبيه بري عن سلسلة من المطالب التي شملت التعويض المناسب, ودون أي تأخير غير مبرر للمهجرين ولأصحاب المنازل المتضررة, وهددت الحركة بأنها ستتولى إدارة مجلس الجنوب بنفسها ما لم يُستجب لمطالبها ([166])إن اختيار مجلس الجنوب هو اختيار للهدف السياسي الأكثر ربحًا, فلقد طرحت أمل قضية تحظى باهتمام واسع وأجبرت حكومة سليم الحص الضعيفة علىأن تكثف اهتمامها -أو تتظاهر بالاهتمام- برعاية مصالح مواطنيها, وأعربت عن تماهيها مع وظيفة حكومية شرعية.

العلاقة مع سوريا:

إن العلاقة بين أمل وسوريا هي علاقة مثيرة للاهتمام, كان الإمام موسى الصدر, قبل زمن طويل من انقلابه على تحالفه مع الحركة الوطنية اللبنانية في عام 1976 (عندما أيد السوريين على حلفائه السابقين) قد أنشأ علاقة متينة مع حافظ الأسد, وفي وقت لاحق, وبينما كانت حركة أمل تتمتع بموقعها الجديد في أعقاب اختفاء الإمام موسى الصدر, تلقت الحركة أسلحة عبر سوريا ([167])، ولعب السوريون دورًا في تدريب مليشيا أمل خصوصًا منذ عام 1980 وأكد بري في  شباط 1982 على علاقة حركته بالحكم السوري, فطالب في مجال تعداد أهداف حركة أمل في لبنان بـ ((إقامة علاقة مميزة عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا وثقافيًا بين سوريا ولبنان وتحديد إسرائيل بوصفها العدو الرئيسي)) ([168]).

قدمت علاقة أمل – سوريا دليلاً جديدًا على الخطر الذي تمثله الحركة على القوات المشتركة فمنذ التدخل السوري في حزيران 1976 إلى جانب الجبهة اللبنانية والعلاقات بين سوريا وفتح وحلفائها تتسم في أحسن حالاتها بالبرود الشديد ([169]) وبالتالي فإن علاقات أمل الجيدة بسوريا لم يكن بوسعها إلا أن تزيد حدة الصراعات القائمة, ولقد شكلت أمل من وجهة نظر الرئيس حافظ الأسد أداة مفيدة لتليين وإعاقة أو حتى للسيطرة على أعمال المجموعات التي تقع خارج نطاق نفوذه, وخصوصًا تلك المناطق الواقعة جنوبي الخط الأحمر الذي حددته إسرائيل, وهكذا ففي المناطق التي استثني منها وجود القوات السورية والتي للنفوذ السوري المباشر فيها دور محدود, يمكن لحركة ناشطة تسعى لخدمة مصالحها أن تخدم أيضًا مصالح دمشق.

تمهيد للغزو الإسرائيلي:

في بداية عام 1982 زادت حدة تدهور العلاقات بين أمل وأخصامها, مع نشوب مناوشات واسعة في عدد من القرى الجنوبية, ثم اندلع القتال في بيروت و 16 قرية جنوبية في نيسان, وبحسب رواية أمل فإنه خلال هذا القتال قامت عناصر تنتمي إلى فتح -أو متحالفة معها- بقصف متواصل للمؤسسة المهنية في برج الشمالي دام عشر ساعات ([170]) شكلت هذه المواجهات الخطيرة حدًا فاصلاً لأكثر من سبب, فعندما توقف القتال حافظت قوات الحركة للمرة الأولى على مواقعها في قرى كانت سابقًا موضع تنازع ([171]) وبينما كانت الحركة لا تزال بعيدة جدًا من أن تصبح منظمة عسكرية فعَّالة ومتكاملة, فإنها برهنت عن مهارات تكتيكية أساسية, وصلت إلى حد القيام بهجمات تمويهية, والعنصر الأهم هو أنه للمرة الأولى يتم, بإشراف لجنة التنسيق العليا التي تهيمن عليها سوريا (وتتألف من ممثلين عن منظمة التحرير وأمل والحركة الوطنية وسوريا), الاتفاق على أن تلتزم منظمة التحرير الفلسطينية بعدم التدخل في الشئون الأمنية اللبنانية الداخلية، لم يتوقع أحد أن تراعي منظمة التحرير هذه الاتفاقية, إلا أن إقرارها بحد ذاته كان بمثابة وثيقة اتهام.

بلغت التناقضات التي تفصل بين حركة أمل والقوات المشتركة في الأشهر التي سبقت الغزو الإسرائيلي حدًا من الوضوح لا يمكن تجاهله. ولعل النموذج الأبرز عن هذا التدهور يتمثل في التصريحات المتناقضة لكل من صلاح خلف (المعروف باسمه الحركي أبو أيَّاد) والذي غالبًا ما يشار إليه بوصفه الرجل الثاني في فتح, والشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى, عندما سئل صلاح خلف في كانون الأول 1981 عن علاقة فتح بأمل أجاب: ((في الواقع لا توجد أزمة والعلاقات جيدة بالفعل )) ([172]) وفي تصريح له بعد ذلك بشهرين فقط بدا واضحًا أن صلاح خلف قد فقد صبره مع الحركة ((إننا نتوجه لإخواننا في حركة أمل, لا للمتآمرين في الحركة, بل إلى إخواننا الوطنيين الذين نعرف أنهم سيأخذون المبادرة في الحركة ويشتركون في القيادة المشتركة والقوات المشتركة في الجنوب لكي نتمكن من منع كافة العناصر الشريرة والمتآمرة من التآمر في جنوب لبنان, إننا نؤكد أننا نحرص على حركة أمل.. حتى يكونوا معنا في الخندق نفسه في ظل قيادة مشتركة واحدة)) ([173]).

أما الشيخ شمس الدين فوجه في تصريح له إثر اندلاع القتال في نيسان, أول انتقاد علني للفدائيين وللحركة الوطنية اللبنانية, أُعتُبِر التصريح التالي المصاغ بعبارات قاسية, بشكل واسع, مؤشرًا على تصلب مهم في الموقف الشيعي والأملي: ((المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يحث كافة المسئولين في المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية على وقف القصف على القرى فورًا وسحب المسلحين منها والسلاح الموجه إليها, إن استمرار هذا الوضع ينذر بعواقب وخيمة على الوضع العربي كله, إن أهل الجنوب يوجهون الآن رصاصًا عربيًا من المفترض أن يوجه نحو إسرائيل, ويهجرون من بيوتهم لا من قبل إسرائيل بل من قبل عرب مثلهم)) ([174]),حتى نبيه بري الذي كان قد تبنى موقفًا علنيًا توفيقيًا حذرًا لم يتردد في دحض مزاعم قادة منظمة التحرير التي قالت: إن الفلسطينيين لم يتدخلوا في صدامات نيسان.

قضت اصطدامات 1982 على آخر أمل بالتوفيق بين الجانبين, لكن إن أخذنا أهدافهم المتضاربة بعين الاعتبار لا يمكن اعتبار هذا الحكم اكتشافًا مذهلاً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

التناقض والثبات في سياسة أمل

يحتوي الاتجاه -أو بالأحرى الاتجاهات السياسية التي تبنتها حركة أمل- على عناصر استمرارية وثبات وعناصر تناقد. التناقض في أنه رغم كون حركة أمل طائفية بشكل جوهري, تدين بحيويتها وببروزها إلى شعور معمق بالهوية الشيعية المشتركة, إلا أنها وفي الوقت نفسه تدعو باستمرار إلى إنهاء النظام السياسي الطائفي (أي النظام القائم على قاعدة توزيع الامتيازات السياسية وفقًا لمقاييس طائفية) وهكذا نجد أن الحركة تندد بالسياسة الطائفية, وحتى ولو برهنت عن مهارتها باللعب بحسب قواعدها, ورغم أن قادة أمل قد يبررون هذه الانحرافات الظاهرية بوصفها تنازلات مؤقتة فرضتها حقائق الوضع القائم, فإنه من غير المفاجئ أن تواجه الحركة اتهام العديد من منافسيها وخصومها بالازدواجية والرياء نتيجة للتناقض بين النظرية والممارسة.

بالطبع يدفع هذا إلى التساؤل عما إذا كان إلغاء توزيع المناصب السياسية بحسب الطوائف يؤدي إلى إضعاف دور العامل الطائفي في السياسة اللبنانية.

وفي الواقع قد لا يكون هناك تناقض, كما يبدو للوهلة الأولى, بين إعادة توزيع الامتيازات السياسية بما فيه مصلحة الشيعة والدعوة إلى إلغاء النظام الحالي ككل, وبتعبير آخر, إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى تحصن الهويات الطائفية في لبنان منتصف الثمانينات, نجد أنه من المرجح في هذه الحالة أن يحافظ الناخبون الشيعة -أو ناخبو أي طائفة أخرى- على وعيهم العميق بالعامل الطائفي.

فهناك إذن ما يبرر الافتراض بأنه بوسع الحركة أن تدعو إلى إصلاح للنظام السياسي باتجاه منح سلطة أكبر لنتائج الانتخابات المجردة بدلاً من الصيغة الطائفية التحاصصية القائمة التي ألغاها أصلاً النمو السكاني المتفاوت طائفيًا.

ولسوء الحظ فإن أي نقاش لإصلاح سياسي عميق في لبنان يبقى أمرًا سابقًا لأوانه, إلا أن الراهن أن حركة أمل ازدادت تصلبًا في مطالبتها بحقوق الشيعة الشديدي الاستياء من مستوى تمثيلهم السياسي المنخفض في لبنان.

ولقد قبلت حركة أمل عدة برامج تشترك جميعها في إقرار إعادة توزيع السلطة السياسية, بما يخل بموقع الطائفة المارونية المسيطرة ويعطي الشيعة بعض الامتيازات, كان آخرها عندما وقع نبيه بري (مع وليد جنبلاط ممثلاً الدروز وإيلي حبيقة ممثلاً القوات اللبنانية ذات الغلبة المارونية) في 28 كانون الأول 1985 على اتفاق جهيض, ثم التفاوض بشأنه في دمشق, يزيد من التمثيل الشيعي في البرلمان ويضعف من سلطة الرئاسة, وهو منصب كما يذكر القارئ, محفوظ تقليديًا للموارنة.

إن التزام الحركة بلبنان كوطن نهائي متميز هو الخط الثابت الذي يبرز في كافة أدبيات حركة أمل, وهو ما يميز الحركة عن مناوئيها من الشيعة الراديكاليين الذين يعتبرون لبنان جزءًا من الأمة الإسلامية ينبغي إقامة الجمهورية الإسلامية على أرضه, إذ تكفي قراءة سريعة لميثاق حركة أمل بالمقارنة مع البرنامج السياسي لحزب الله وكلاهما أعيد نشره في الملاحق, للكشف عن الفروقات الحادة في البرنامجين.

البرنامج السياسي:

قد تكون اهتمامات ومشاغل حركة أمل الحالية قد تحددت بفعل ضغط الوضع الأمني المتدهور والفوضى المستشرية, وهي حالة ساهمت أمل بدورها في تفاقمها, إلا أنه من الخطأ الافتراض أن الحركة, في جوهرها, هي مجرد تشكيل من تشكيلات المليشيات ([175]) فالحركة نشأت في البداية كحركة احتجاج ذات طابع إصلاحي وهي ما زالت كذلك, وإن أحاط الغموض أحيانًا ببرنامجها السياسي تحت ضغط الضرورات الآنية في خضم المعارك والصدامات, إلا أنه يبقى هو الأساس الذي يحدد نشاطات الحركة, يتميز برنامج الحركة كما يتبين من دراسته بنسبة عالية من الوضوح وبقدر كبير من البراغماتية ([176]) وسندرس الآن هذا البرنامج بالتفصيل مشيرين إلى بعض الحالات التي توضح فيها عبر الممارسة, فكما أن المصالح والأهداف تحدد الممارسة, فالممارسة بدورها تكشف عن الأهداف والمصالح وتؤكدها.

باختصار, حركة أمل هي حركة شيعية واعية لذاتها تعتبر الالتزام بالتراث الشيعي أحد مبادئها المقررة, إلا أنها لا تسعى لإقامة دولة إسلامية أو شيعية في لبنان وهي تثني باستمرار على لبنان بوصفه بلد يمتاز تاريخيًا بالتسامح الديني.

رفض عدد من قادة أمل في عدة مناسبات علنية النموذج الإيراني في ولاية الفقيه, إلا أنهم بذلوا مجهودًا كبيرًا للتعبير عن احترمهم لآية الله الخميني الذي يشير إليه نبيه بري مجاملة بـ لقب ((سيدي)), ونظرًا للحيوية التي ما زال يتمتع بها منافسها الأكثر جذرية –حزب الله, وقدرته على الاستقطاب العاطفي في صفوف أقلية شيعية كبيرة, أجبرت أمل على لعب لعبة دقيقة, فعليها من جهة أن تدعي أنها حركة شيعية حسنة النية وأن تسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق برنامج وجدت فيه إيران ما يدفعها لنقده بشدة, ولقد تفاقمت معضلة أمل هذه مع استمرار تفشي مناخ اليأس التام الذي دفع بالعديد من الشيعة إلى البحث لدى التشيع المتطرف عن أجوبة بدا أن القادة السياسيين المعتدلين قد فشلوا في توفيرها.

مع ذلك فقد واصلت أمل دعوتها, سواء في المحافل الخاصة أو العامة, إلى بقاء لبنان كوطن نهائي مستقل قادر على الدفاع عن نفسه, وعضو في عائلة الدول العربية, وأكدت الحركة على دعهما لنظام الحكم البرلماني -ولو معدلاً- وبينما ترى إلى التنوع الأثني والتسامح الطائفي المتبادل بوصفه حسنة من حسنات البلد فإن أمل ترفض تطبيق نظام المحاصصة الطائفية, أي النظام الطائفي الحالي وترفض بالتالي النخب التي ولدها, ولعل الأهم هو مطالبة الحركة بتبني الدولة دورًا فاعلاً في إعادة توزيع موارد البلاد الاقتصادية على مجالات التنمية الداخلية والخدمات الاجتماعية.

استقلال لبنان:

كتب الباحثون أبحاثًا مطولة حول اصطناعية حدود الدول في الشرق الأوسط, ولاحظوا بحق أن دول المنطقة تفتقر إلى المشروعية الأثنية وإلى تطور طبيعي ذي مغزى, فالحدود, كما تعكسها خارطة المنطقة, غالبًا ما تكون مرسومة من قبل ممثلين خارجيين لتسهيل الهيمنة بدلاً من المساعدة على توليد حكم ذاتي أهلي, إلا أن إحدى الظواهر الأكثر إثارة للاهتمام في حقبة ما بعد الأمبريالية, تتمثل في قدرة الدولة في الشرق الأوسط على البقاء, بالمقارنة مع احتضارية أيديولوجيات القومية العربية التوحيدية ([177]) أما لبنان فهو كجيرانه, نتاج جغرافي لقرار عشوائي (إعادة رسم الفرنسيين لحدوده عام 1920) لكن اللبنانيين كجيرانهم أيضًا يتقبلون اليوم بشكل واسع, ما كان يعتبر في أحد الأيام قرارًا مزاجيًا لسلطة أجنبية عليا, وبتعبير أبسط فإنه بوسع اللبنانيين الاتفاق -على الأقل- على حدود بلادهم.

وبالطبع فإن الشيعة اللبنانيين يعكسون الظاهرة الأوسع, فحركة أمل ليست حركة شيعية دون انتماء وطني فهي تدعي بشكل ملتبس إلى حد ما, بأنها حركة جميع محرومي لبنان بل هي حركة لبنانية تمثل مصالح المواطنيين اللبنانيين, وتعرف عن نفسها كما ورد في ميثاق الحركة بأنها حركة وطنية ((تتمسك بالسيادة الوطنية وسلامة أراضي الوطن وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان)) ([178]) ويوضح المقطع التالي من الميثاق التزام الحركة الثابت بالوطن اللبناني:

(( إن ما تركز عليه الحركة هو التمسك الشديد بالسيادة الوطنية والاستقلال في الإرادة ورسم السياسة ورفض الوصاية الخارجية على الوطن, والعمل على صيانة كيانه وحدوده, والحفاظ على كرامته من التشويه والتحطيم, ليبقى الوطن هو الصانع الوحيد لقدره ومستقبله وحاضره دون تدخل الأيدي الخبيثة والمغرضة في أي شأن من شئونه.

إن سيادة الوطن لا تتحقق إلا بسيادة أبنائه فيه بعيدًا عن التشنجات والبهلوانيات السياسية وعمليات فرض الرأي والإرادة, مع التشديد على التحام الشعب في بوتقة الوطنية المتسامحة لإخراج البنية اللبنانية إخراجًا صحيحًا من مختبرات الحضارات, وليكون لبنان هو المثال الأول لعملية بناء الأوطان)).

ثمة زاوية أخرى لالتزام أمل ببقاء لبنان وهي الإقرار الصريح بأنه على الشيعة أن يحافظوا على لبنان حتى يتمكنوا من المحافظة على سلامة طائفتهم السياسية والاجتماعية, وباختصار فإن الشيعة يدفعون ثمنًا غاليًا لأي انتقاص من سيادة لبنان على أراضيه واستقلاله, بل إن مسئولي أمل يرون في بقاء لبنان بلدًا مستقلاً ومتماسكًا شرطًا ضروريًا لبقاء حركة أمل. ((إذا كان تقسيم لبنان وتوطين شعب -أي اللاجئين الفلسطينيين في لبنان- يلحقان ضررًا بالغًا بالبعض, فإنه يؤدي بالتأكيد إلى تصفية حركة أمل )) ([179]).

عارضت الحركة كافة الجهود الهادفة إلى إنشاء أجهزة تحكم بديلة بغض النظر عن الداعي أو المخطط إليها وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن القتال الذي نشب في بيروت في نيسان 1982 بين أمل والميليشيات المنتمية إلى الحركة الوطنية اللبنانية, إنما كان بسبب محاولة الحركة الوطنية إنشاء مجالس محلية في بيروت الغربية, اعتبرت أمل أن انتخاب هذه المجالس يشكل ((نوعًا من الحكم الذاتي)) قد يمهد لتقسيم البلاد ([180]).

ظلت أمل تنظر إلى الجيش اللبناني حتى الأشهر التالية للاجتياح في عام 1982, بوصفه الأثر المتبقي من الشرعية اللبنانية, ففي السنتين أو الثلاثة التي سبقت الاجتياح, كانت أمل تؤيد بثبات انتشار الجيش في الجنوب حتى ولو كان, كما قال نبيه بري, مرة مارونيًا, مائة بالمائة ([181]) فقضايا الإصلاح والتوازن الطائفي في الجيش تأتي في المرتبة الثانية عندما يتعلق الأمر ببقاء الطائفة الشيعية ككل, والجيش اللبناني -حتى ولو افتقد إلى الفعالية- يجسد الشرعية اللبنانية, وهو بهذه الصفة يشكل نقيضًا للبنى السلطوية البديلة, التي أنشأتها في الجنوب منظمة التحرير الفلسطينية, من جهة وإسرائيل من جهة أخرى, ولقد كان مسئولو أمل من الذكاء بحيث أدركوا أن أي خطوة تقلل من سلطة أخصامهم هي بالنهاية خطوة لصالحهم, أضف إلى ذلك أن أمل حافظت, وللأسباب نفسها, على علاقة ودية مع قوات الطوارئ الدولية.

لبنان العربي وسياسته الخارجية:

عرف مسئولو أمل دائما لبنان بوصفه دولة عربية ذات مصالح مشتركة مع أشقائها العرب, بهذا المعنى فإن موقف أمل يتوافق مع واحد فقط من قطبي الهوية كما حددها الميثاق الوطني غير المكتوب, فبالتعارض مع الموارنة الذين كانوا أحيانًا يعتبرون أنفسهم أحفادًا للفينيقيين (نافين أي أصل عربي) والذين يرون لبنان كبلد في الشرق الأوسط وليس من الشرق الأوسط, يرى المسلمون -والأرثوذكس أيضًا- أنهم شعب عربي في بلد عربي يعرف بشكل واسع باسم لبنان, طبعًا التوفيق بين المنظورين يتطلب تنازلات من كلا الطرفين, لكن هذا لم يكن شكل التعاطي الذي ساد بشكل دائم في لبنان.

أما فيما يتعلق بحركة أمل فهي قد أقرت بضرورة أخذ ((التصور الماروني )) والمخاوف المارونية, بعين الاعتبار, فكما قال لي نائب شيعي: ((نريد أن نعيد إعمار لبنان مع الموارنة, وليس رغمًا عنهم)) إلا أن القتال العنيف بين عامي 1983 – 1986 عقد بشدة من إمكانية التسوية, وبحلول عام 1985 كان مسئولو أمل قد أصبحوا أقل تحسسًا بمطالب واحتياجات الموارنة, وأخذ بعضهم بمن فيهم بري يتحدث عن الحاجة إلى فرض هزيمة عسكرية على المليشيات المارونية ([182]).

مصدر آخر للمتاعب مع الطائفة المارونية تمثل بطرح أمل لسياسة خارجية يجدها العديد من الموارنة غير مقبولة على الإطلاق؛ إذ دعت إلى حياد لبنان وطالبت على وجه التخصيص بأن لا ينحاز لبنان إلى أي من المعسكرين الدوليين, وبينمالم يعدم هذا المشروع بعض المؤيدين من الموارنة (مثلاً حركة لبنان المحايد التي يرأسها روجيه أده) إلا أن ميل الموارنة إلى التطلع نحو أوروبا والولايات المتحدة لا العالم العربي, يجعلهم على خلاف مع أمل ومع المسلمين اللبنانيين بشكل عام.

ولكن العامل الأكثر أهمية يبقى، علاقة أمل الوثيقة بسوريا, والتي يمكن إرجاعها إلى أكثر من عشر سنوات, والتي تطرح مجموعة من الأخطار الحقيقية والمتخيلة التي تهدد استقلال لبنان حتى بالنسبة لغير المليشيا المارونية, ولقد مرت أوقات, كما حدث عندما بدا في عام 1982 وأوائل 1983 أن السلم الأمريكي في طريقه للقضاء على النفوذ السوري في لبنان, حاولت فيها حركة أمل أن تحتفظ لها بمسافة عن سوريا, ولكنها عادت منذ ذلك الحين إلى أحضان دمشق والاعتماد على تأييدها في كافة المجالات الممكنة, ففي خطاب مهم له في بعلبك في آب 1985 وهو خطاب ما كان ممكنًا أصلاً لولا الدعم الذي وفره الوجود السوري في البقاع, طرح بري منظورًا رسمت بنوده لاحقًا في الاتفاق الثلاثي السيئ الحظ: ((يجب أن يكون هناك تكامل مع سوريا عبر اتفاقيات حقيقية اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا وتربويًا ولا تخشوا على سيادة واستقلال لبنان أبدًا, ففرنسا الأم الحنون لم تفقد استقلالها عندما انضمت إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية أو عندما وقعت ميثاق الدفاع الأمني الأوروبي)) ([183]).

من الواضح أن العديد من اللبنانيين يجدون في سوريا تهديدًا أكبر بكثير مما قد تشكله المجموعة الاقتصادية الأوروبية على أعضائها, وليس أمرًا بلا مبرر على الإطلاق أن يتوصل الكثيرون إلى اعتبار أمل ستارًا لسوريا. لكن رغم جدية هذه المخاوف فإن التزام أمل بوجود لبنان المستقل التزام ثابت. ومن المهم أن لا يخلط بين حسابات المصالح المشتركة والرغبة في الخضوع لهيمنة سوريا كلية.

تدعو الحركة إلى تحرير الأراضي العربية من سيطرة الاحتلال, وقد أخذ هذا على أنه يعني بشكل خاص تحرير فلسطين, وهي قضية استمرت أمل في إعلان التزامها بها, حتى عندما كانت تواجه بشكل عنيف الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان, لكن هذه المواقف المؤيدة لفلسطين يجب أن ينظر إليها بكثير من التشكيك كما يظهر تذكير بري ((أن الدم الفلسطيني ليس أزكى من الدم اللبناني))([184]).

ولم تؤد مشاكل الحركة مع الفلسطينيين إلى إضعاف أعدائها والذي يكاد يكون مقدسًا للصهيوينة، ولقد استمعت في أكثر من مناسبة إلى المساواة بين إسرائيل ويزيد, العدو التاريخي للشيعة, المسئول عن النهاية الدموية للإمام الحسين (في 680 ميلادية) وبشكل عام فإن إسرائيل تعتبر بوصفها ((كيانًا صهيونيًا)) عدوًا للبنان والعرب, ورغم وجود بعض الاختلافات في وجهات النظر أو ((النفور)) كما قال بري مرة بين قيادة أمل غير الدينية وبين رجال الدين, إلا أن ثمة ما يجمعون عليه, وهو العداء لإسرائيل ففي تصريح له, كان الممكن أن يكون الشيخ محمد مهدي شمس الدين أو السيد محمد حسين فضل الله أو أي زعيم ديني شيعي آخر هو الذي أدلى به, قال بري: ((علمنا الإمام الصدر أنه على المحرومين في أرضهم أن يساندوا المحرومين من أرضهم, وأن التعامل مع إسرائيل حرام, وإسرائيل شر مطلق, وكل من يقف ضدها يصبح في نظرنا بشكل أو بآخر خير مطلق)) ([185]).

هذا لا يعني أن أمل تسعى إلى نقل القتال إلى داخل إسرائيل فهي أكثر براغماتية في حساباتها السياسية- العسكرية من أن تفعل هذا, ولقد وجهت الحركة نقدًا مريرًا للعرب الذين يسعون لمقاتلة إسرائيل بالدم الشيعي وعلى الأراضي اللبنانية, ورغم تمجيدهم للعروبة وقضاياها فإن نبيه بري وغيره من مسئولي أمل قد أبدوا ضيقًا شديدًا إزاء لا مبالاة العرب بالوضع في جنوب لبنان خاصة ولبنان كله عامة ([186]) نزع هذا العامل إلى تحصين إحساس الحركة بمسئوليتها المنفردة عن مصيرها وعزز بالتالي من هويتها كحركة محض لبنانية.

طبيعة المجتمع في لبنان:

يصور ميثاق الحركة لبنان كمجتمع تعددي يجب أن يحافظ فيه على حرية الفرد, ويعرف الحرية وفق مفهوم قد لا يجده طلاب القانون الدستوري الأمريكي غريبًا, فيرى أنها تكفل حق الفرد في القيام بأي عمل شرط ألا يتعدى على حقوق الآخرين, ولا غرابة في الأمر, فمن الطبيعي أن تطالب حركة تعتبر نفسها طليعة للمحرومين بفرص متساوية لكافة المواطنين وأن تطالب الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها التقدمي الشامل.

ولقد أعلنت حركة أمل في مقدمة ورقة العمل التي أعدتها للمؤتمر الوفاقي الذي

الذي عقد في جنيف في تشرين الأول 1983: ((لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الرأي والمعتقد, وعلى مبدأ تقسيم السلطات وعلى العدالة الاجتماعية والتساوي في الحقوق والواجبات بين كافة المواطنين دون امتيازات أو تمييز, وهو يملك نظامًا اقتصاديًا وخطة اقتصادية وتنموية عامة لكافة إمكانيات ومتطلبات ونشاطات القطاعات المختلفة, أنه وطن الكرامة الإنسانية والطموحات الوطنية)) ([187]).

الاقتصاد:

بشكل عام طالبت حركة أمل الحكومة بلعب دور أكثر فعالية في توزيع الموارد الاقتصادية, فاقتصاد لبنان الحر الذي يتسم بلا مبالاة الدولة شبه الكلي في الشئون الاقتصادية يعتبر المسئول عن حرمان الطائفة الشيعية وعن تركيز الثروة في يد الزعماء ومحاسبيهم, من ناحية أخرى وصفت الحركة, في محاولة للوي مفهوم الإقطاع, الذين يملكون الأراضي الشاسعة بالإقطاعيين (الإقطاع هو تملك مجموعة قليلة من الناس لمعظم الأراضي) وهو وصف مفيد حتى ولو كان مشكوكًا بدقته, إلا أنه بغض النظر عن مدى دقة التعريفات, فإن المطالبة بإعادة توزيع الموارد الاقتصادية تؤدي إلى ضرب السلطة السياسية لأولئك الذين يوصفون بالإقطاعيين, وهذا بالنهاية هو هدف حركة تعكس جزئيًا طموحات الطبقة الوسطى الشيعية الجديدة.

أقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في عام 1974, مجموعة شاملة من المطالب الشيعية (نذكر القارئ أن الإمام الصدر كان يترأس في تلك الفترة المجلس الشيعي, بالإضافة إلى رئاسته لحركة المحرومين) رفعت إلى الحكومة في العام نفسه ([188])وبما أن هذه المطالب لا تزال تمثل نواة برنامج أمل الاقتصادي فهي بالتالي جديرة بذكرها هنا باختصار:

1-         الدعوة إلى فتح الاعتمادات في الموازنة العامة لتأمين نمو متساوي تقريبًا لكافة المناطق, ويؤدي ذلك عمليًا إلى زيادة كبيرة للاعتمادات المخصصة للمناطق المختلفة, خصوصًا الجنوب والبقاع.

2-         القيام باتخاذ ما يلزم للمباشرة بمشاريع الري وتخزين المياه. خدمة للطائفة التي تضم أكبر عدد من المزارعين, سواء بالمقارنة مع الطوائف الأخرى أم بشكل مطلق؛ الشيعة).

3-                  إعطاء الأولوية لفتح المدارس في المناطق المختلفة (بدلاً من تمويل بناء المدارس بالنسبة نفسها في كافة المناطق).

4-                  التسريع في إنشاء المستشفيات والمستوصفات, في المناطق المتخلفة.

5-         تحسين وإنشاء الطرقات خصوصًا بين بيروت وصور وبين بيروت وبعلبك. (وهما المدينتان اللتان تضمان أكبر نسبة من التركز السكاني الشيعي).

6-         تحسين وضع مزارعي التبغ (يعني ذلك عمليًا إعادة النظر ببنية احتكار الدولة المتمثل بشركة الريجي أو إلغاؤه, وهو الهدف الذي ركزت عليه التظاهرة المشهورة التي اشترك فيها حوالي 10 آلاف مزارع صغير في عام 1973.

7-                  تحسينات عامة في الزراعة مع التركيز على الاعتمادات الممنوحة للمناطق المحرومة.

8-                  مشاريع سياحية في بعلبك وصور.

9-                  مسح شامل للثروة المعدنية في لبنان.

10-              نظام جديد لتوزيع الاعتمادات المالية على البلديات.

11-       عفو عام عن مخالفات البناء حتى يتمكن سكان ضواحي بيروت من الاستفادة من خدمات المياه والكهرباء,( التي يحظر القانون تقديمها إلى المباني غير المرخصة التي يشغلها عدد كبير من النازحين الشيعة).

12-              تحسينات عامة في شروط العيش في ضواحي بيروت.

بالإضافة إلى ما سبق يدعو ميثاق أمل إلى وضع حد للاستدانة بالفائدة, وهو مطلب يبدو إلى قلة قليلة من قادة أمل تتبناه بشكل جدي, التقيت لدى عودتي إلى لبنان في عام 1982 بالعديد من المصرفيين الشيعة المتحالفين مع أمل, إلا أن أحدًا منهم لم يفقد أي نفوذ له في الحركة, لكون المصرف الذي يعمل فيه, أو الذي يملكه -كما في إحدى الحالات- يستوفي نسبة الفائدة السائدة.

الإصلاح السياسي في لبنان:

قد نتناقش في مدى مفاقمة وتأجيج التدخلات الخارجية للانقسامات الداخلية, لكن يبدو أن دور الانقسامات السياسية الداخلية والطوائفية في توليد أرضية خصبة للنزاع المسلح أمر لا يحتاج إلى نقاش فعلي, يعتقد أن العديد من اللبنانيين, من مسيحيين ومسلمين أن أكبر خطأ للنظام السياسي اللبناني هو اعتماده التقسيم الطائفي, والمفارقة أن الذين أعدوا الميثاق الوطني كانوا ينظرون إلى الميثاق بوصفه أداة لتخفيف لا لترسيخ الاعتبارات الطائفية في السياسة.

يقول رياض الصلح, أول رئيس وزراء في لبنان المستقل: ((من مبادئ الإصلاح التي فرضتها المصلحة الوطنية اللبنانية ضرورة مواجهة الطائفية والقضاء على شرورها, بما أنها تعيق النمو الوطني وتقضي على سمعة لبنان الطيبة, على الصعيد الدولي, بالإضافة إلى أنها تسمم العلاقة بين العائلات الروحية المختلفة التي تؤلف لبنان, لقد رأينا كيف أن الطائفية استُخدمت في أغلب الحالات كأداة لتأمين مصالح خاصة, أو لإضعاف الحياة الوطنية في لبنان لمصلحة حساده. إننا متأكدون من أنه ما إن تنمو المشاعر الوطنية تحت تأثير الاستقلال والحكم الشعبي, فإن الناس سيوافقون من تلقاء أنفسهم على إلغاء النظام الطائفي الذي يضعف البلاد, إن الساعة التي سنكون فيها قادرين على إلغاء الطائفية هي ساعة مباركة, ولسوف تمثل يقظة وطنية شاملة في تاريخ لبنان.

ولسوف نسعى -إن شاء الله- للوصول إلى هذه الساعة في المستقبل القريب)) ([189]).

بالطبع هذه الساعة المباركة لم تأت بعد, لكن طموحات الصلح لا تفتقد إلى المؤيدين ([190]).

لقد درست الفصول السابقة عددًا من العوامل التي عززت هوية الشيعة الطائفية, لكن حتى مع نمو هويتهم الخاصة ومطالبة أمل بالمساواة السياسية وفقًا للمقاييس الطائفية, استمرت الحركة في مطالبتها بإلغاء المعادلة الطائفية.

باختصار, طالبت الحركة بمساواة فورية في ظل نظام يجب إلغاؤه في النهاية, إن وجود برنامجين في وقت واحد أمر ليس بالجديد على السياسة الشيعية, الأول عملي للحاضر والثاني مثالي للمستقبل, ففي عام 1974 كان الإمام الصدر, حتى وهو يطالب بمنح الشيعة أحد عشر منصبًا إضافيًا في وظائف الفئة الأولى يطالب في الوقت نفسه بإلغاء الطائفية في وظائف الدولة, فلا تعود المناصب المحددة حكرًا على طوائف معينة.

ويرى نبيه بري, انسجامًا مع ميثاق الحركة, أن الطائفية تعيق نمو الهوية الوطنية اللبنانية, وهي السبب الأساسي لمشاكل البلد, ((إن هذه الهلوسة الطائفية قد جعلتنا نتصرف كعشائر بدلاً من مواطنين في بلد واحد, إن ميثاق عام 1943 الوطني الذي خلقناه هو ميثاق تقسيمي, لقد ساعدنا على أن نبني مزرعة وليس وطنًا, أنا أقول بأن هذا الاتفاق هو سبب كل مشاكلنا)) ([191]).

و(( بما أن التنافس الاقتصادي والوظيفي مبني على أساس محض طائفي, فإن الطائفية مفروضة علينا, جعلونا نرتدي العمامات وثوب الكهنوت وفرضوا علينا التفكير بشكل طائفي)) ([192]) وحتى أوائل 1982 كانت أمل تطالب بإلغاء الطائفية من ((أعلى الهرم إلى القاعدة)) ([193]) باستثناء المناصب السياسية الثلاث التي استثنيت إلى أن يبرهن النظام الجديد عن فعاليته. في شباط 1982 كان الموقف قد لان نوعًا ما فرغم أن إلغاء الطائفية كان لا يزال الهدف النهائي لكن ((إلغاء الطائفية يجب أن يبدأ في الجيش وفي التعليم على الأقل, أملاً في أن يؤدي ذلك إلى الإلغاء التام للطائفية السياسية في النهاية)) ([194]).

وفي عام 1985, ومع تعثر الاتجاه نحو الوفاق الطوائفي, تصلب موقف بري بشكل ملحوظ, فدعا في آب إلى إنشاء مجلس رئاسة من ستة أعضاء يمثلون الطوائف الرئيسة الستة (السنة والموارنة والشيعة والدروز والارثوذكس والكاثوليك) ويتداورون الرئاسة سنويًا, وهنا أيضًا أظهر بري عن ميل للحلول الطائفية, حتى وهو يدعو إلى إلغاء الطائفية.

للوهلة الأولى, قد تبدو دعوة بري إلى إلغاء الطائفية غير متماثلة مع المصالح الجماعية للطائفية الشيعية المؤهلة للاستفادة من إعادة توزيع المناصب السياسية بما يتناسب مع حجمها الديموغرافي, كذلك يبدو أن أمل لم تعمل دائمًا بما يتلاءم مع هدفها المعلن ففي خريف 1980 مثلاً, نجحت الحركة في تأخير تشكيل حكومة جديدة لمدة 56 يومًا؛ لأنه لم تتم استشارتها في التشكيلة الحكومية ولم تمنح أي من الحقائب الأربعة الممنوحة للشيعة, ورغم أن حكومة شفيق الوزان تجاوزت بالنهاية اعتراضات أمل (واعتراضات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وجبهة المحافظة على الجنوب) إلا أن الحادثة أظهرت أن أمل لا تتجنب الخوض في السياسة الطائفية, وحتى ولو كانت تدعو إلى إلغائها.

لتبرير دعوتها للإلغاء التدريجي للطائفية السياسية, قدمت الحركة عاملين مثيرين للاهتمام, الأول وهو الأهم، أن تولد المصالح الطائفية الضيقة هو الذي جعل الحرب الأهلية ممكنة وهو الذي منع توقف العنف. والثاني طرحه مسئول في حركة أمل حسن هاشم الذي قال بأن القوى الخارجية -وخصوصًا المعسكرين الشرقي والغربي- تمكنا من استغلال الطائفية لخدمة هدفهما في السيطرة على الثورة الفلسطينية, يقول هاشم:

((لبنان هو ضحية اللعبة السياسية القذرة للمعسكرين الشرقي والغربي, كل المنظمات الفاعلة على الساحة اللبنانية (باستثناء حركة أمل) ارتبطت بإحدى الدول العربية, أو بإحدى القوى الخارجية, وكل هذه المجموعات والمنظمات تورطت بشكل عميق وكثيف في لبنان, وكافة التطورات التي جرت فيه)) ([195]).

وبالتالي, فإن ترك النظام السياسي اللبناني على حاله يعني أن نتركه عرضة لتدخل القوى الخارجية, بالتأكيد ثمة جرعة كبيرة من الحقيقة في هذا التحليل, لكن ثمة وجه آخر للموقف يتمثل في النقطة التي تذكرها جريدة أمل من آن إلى آخر، وهي أن الطائفة الشيعية هي الطائفة الوحيدة التي تفتقد إلى رعاية خارجية, وأن افتقادها هذا يجعلها غير قادرة على التمتع بالامتيازات التي تحظى بها الطوائف الأخرى([196]).

إذا كان من الممكن فهم أهداف أمل الآنية في إطار الصراع المرير على السلطة السياسية, فإن طروحاتها الطويلة الأمد قد تؤدي إلى اعتماد شكل جديد لدوران العجلة السياسية في لبنان, ولعل مسئولي أمل قد قدموا مبررات جدية ومقنعة لمطالبتهم بإلغاء الطائفية السياسية في لبنان, إلا أن هذا التوجه على نزاهته يشكل في الوقت نفسه وسيلة لإضعاف الزعماء الطائفيين التقليديين, وفي الواقع فإن ميثاق أمل يساوي بين إنهاء الطائفية وإنهاء نظام الزعماء, الذي غالبًا ما يعتبر نظامًا متخلفًا سياسيًا.

للوهلة الأولى قد يبدو أن إلغاء الطائفية السياسية يحمل معه بذور القضاء على حركة أمل؛ لأن القضاء على دور الطائفية في السياسة يشكل خطوة نحو تعزيز هوية المواطن بوصفه ببساطة مواطنًا لبنانيًا, وهكذا فإننا قد نتوقع ابتعاد قسم مهم من القاعدة الشعبية عن حركة هي في الأساس -وبغض النظر عن ادعائها العكس- حركة طائفية, إلا أنه لا يوجد بين كافة قادة أمل من هو من السذاجة بحيث يتوقع ذوبان الهوية الطائفية, حتى ولو تم القضاء على الصيغة الطائفية لتوزيع المناصب السياسية, والواضح بالتالي أنهم يتوقعون أن تحافظ أمل على جمهورها, بل لعل اقتراح أمل الداعي إلى قيام تمثيل نسبي يصب في هذا الاتجاه, خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد الناخبين الشيعة, بالإضافة إلى ذلك, فإن أمل تؤيد إلغاء النظام الانتخابي الحالي الذي يقسم لبنان إلى 26 دائرة انتخابية, واستبداله بجعل لبنان كله دائرة واحدة, وهو اقتراح يقوض الأسس التي يعتمد عليها السياسيون ذوي النفوذ المحلي ويصب في مصلحة حركة سياسية وطنية.

ورغم أن مواقف أمل قد استثنت بشكل واضح أي حل فدرالي وكونفدرالي ([197]) كالحلول لتي تدعو إليها الجبهة اللبنانية من وقت لآخر ([198])فإن الحركة حرصت على الخوض في نقاش كافة البرامج السياسية, وباختصار فإنها سعت لإظهار نفسها كقوة وفاقية, وبالتالي كمحور طبيعي لأي فئة ترغب في نقاش الإصلاح, ويقول بري: إن إقرار أي تغيرات أخرى يجب أن ينتج عن حوار بين كافة القوى الفاعلة في لبنان دون استثناء ([199]).

ويبقى أن نرى إذا كان ورثة موسى الصدر سيبرهنون عن كونهم أكثر اهتمامًا بالمكاسب القصيرة المدى أم بالمثل البعيدة المدى وهي نقطة سنبحثها في الفصل الأخير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الغزو الإسرائيلي ونتائجه

على مدى سبع سنوات من النزف الدموي, انتظر اللبنانيون -بفارغ الصبر- الفصل الأخير من الحرب المدمرة التي قضت على بلادهم, وعشية الغزو الإسرائيلي في حزيران 1982, كان كثيرون منهم قد وصلوا إلى آخر المطاف وإلى قناعة مشتركة تفترض أنهم قادرون على حل مشاكلهم بمجرد رحيل الفلسطينيين والسوريين والإسرائيليين وغيرهم, ومما له دلالته أن شعار ((لبنان للبنانيين)) كان يردده الشيعة والموارنة معًا, وأن الكثيرين شعروا أن بلادهم ضحية السلب والنهب من كافة أشكال القوى الخارجية.

إلا أن اللبنانيين جميعًا أدركوا أنهم عاجزون عن امتلاك الوسائل الكفيلة بطرد كافة القوى الأجنبية, وهكذا فعندما غزا الجيش الإسرائيلي لبنان في عام 1982 انتعشت الآمال في جميع أنحاء البلاد, فقد حقق الإسرائيليون ما عجز اللبنانيون عن تحقيقه إعادة لبنان إلى اللبنانيين, وما أن انقشع الدخان في خريف 1982 حتى تنفس اللبنانيون جميعًا الصعداء, ها هي ((المعركة الأخيرة)) التي طال انتظارها, وسوف ينعم لبنان أخيرًا بالسلام, ولم يتوقف إلا قليلون ليثيروا السؤال: ((من الذي يحدد شروط هذا السلام؟)) فقد وجهت الولايات المتحدة الكلية القوة أنظارها إلينا أخيرًا, وعما قريب ترحل الجيوش الأجنبية كما قال المفاوض الأمريكي فيليب حبيب للرئيس سركيس في آب 1982 ويبدأ الإعمار والإصلاح السياسي, لقد انتهى على ما يبدو ليل لبنان الطويل.

من المحزن أن هذه الآمال -كما نعرف الآن- كانت واهمة, ففي السنوات التي تلت غزو حزيران, تعرض لبنان إلى مستويات جديدة من العنف والتمزق, وبدا أن البلاد بعيدة جدًا بالفعل عن أن تنعم ولو بقدر ضئيل من السلام والاستقرار, فليس هناك حل سهل لمعضلة لبنان لا في وصفات وتحليلات الخبراء ولا في فرضيات علماء الاجتماع, فالحلول, كما المسئولية, تقع في آن معًا داخل لبنان وخارجه, فمن السهل جدًا, بل من المريح, أن يحكم المرء بشكل دغماتي على لبنان بالفشل, بوصفه كارثة طال انتظار حودثها, إلا أن هذه الأحكام الحتمية تتجاهل التأثير المتفاوت للأحداث والسياسة. هذه النقطة تبدو صحيحة على الأخص بالنسبة لحركة أمل, وعلى ضوئها نستطيع أن نفهم الأحداث التي حصلت مؤخرًا في داخل المجتمع الشيعي وفي لبنان ككل بشكل أفضل.

ندرس فيما يلي العوامل المتفاعلة, التي تحكمت بالتعبئة السياسية للشيعة منذ عام 1982, وكما سنرى فإن الأحداث التي جرت منذ ذلك الحين سرعت من إمكانية تحول التعبئة السياسية للشيعة إلى عملية طاردة لا جاذبة, رغم أن الحركة كانت تكسب قبل 1982 تأييدًا متسارعًا وتدفع بأعدائها إلى الظل والهامشية.

تخطي عقبة 1982:

في أوائل عام 1982 كانت العلاقات بين أمل والقوات المشتركة التي تسيطر عليها فتح, قد تخطت نقطة اللا رجوع, فبعد اصطدامات خطيرة في كانون الثاني ونيسان أصبح من الواضح أن مصالح الشيعة لم يعد بإمكانها أن تتوافق مع الوجود الفدائي, وبينما كانت الحركة لا تزال أضعف, على الصعيد العسكري من خصومها, ساعدت التحسينات التكتيكية والقيادة العسكرية الأكثر نضجًا على جعلها أكثر فأكثر قوة عسكرية لا يستهان بها, وحتى في الجنوب حيث تفتقد أمل للتمركز الجغرافي الذي تتمع به في ضواحي بيروت؛ حيث كان مقاتلوها يتوزعون على القرى, فلقد عوضت عن ضعفها باستخدام أسلوب ((اضرب واه رب)) والهجمات التمويهية في الوقت الذي كانت تدافع فيه بشدة عن مراكزها القروية القوية.

من المرجح أن ازدياد فعالية أمل (في الصدمات) مع الفلسطينيين شجع مهندسي الغزو الإسرائيلي الذي كان يستهدف القضاء على منظمة التحرير عسكريًا وسياسيًا, إلا أنه سرعان ما بدا واضحًا أن المخططين الإسرائيليين قد أخطأوا في تقديرهم للدلالات البعيدة المدى لموقف أمل, إذ لم تترجم ضآلة التأييد للفدائيين نفسها إلى تأييد أعمى طويل الأمد لإسرائيل, فلا قائد حركيًا بارزًا قادر على تقبل علاقة مع إسرائيل أو مع دميتها سعد حداد, ورغم تضخيم بعض التقارير لحجم التعاون بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والحركة, إلا أنه من الواضح أنه في الأسابيع الأولى من الغزو بشكل خاص, قدم سكان الجنوب مساعدات من نوع تحديد مواقع مخازن أسلحة الفدائيين أو التعرف إلى قادة الجماعات المناوئة, بل إن أحد القادة قال: إنه لو لم تقم إسرائيل بغزوها لما كان هناك مفر من وقوع الحب بين الفلسطينيين وأمل, إذن ليس من قبيل المبالغة القول بأن عددًا من شيعة الجنوب رحب بالغزو الإسرائيلي إلا أنهم إنما -وهنا ينبغي التشديد- فعلوا ذلك ظنًا منهم أن إسرائيل لن تتلكأ في الانسحاب من لبنان.

هذا المزاج الجنوبي لم ينتقل حرفيًا إلى معقلي أمل الآخرين في بيروت والبقاع, فالجنوب هو المنطقة الوحيدة التي تعرض فيها الشعب بشكل دائم لثقل الآلة العسكرية الإسرائيلية, وهو أيضًا المنطقة التي فرضت قواعد الجغرافيا عليهم الاختيار بين تحمل منظمة التحرير أو مقاومتها, لكن قصر نظر منظمة التحرير الفلسطينية, وخصوصًا جناحها المسيطر فتح, ما لبث أن ساعد في الوصول إلى قرار بالمسألة, فبغض النظر عن قيام حملة إسرائيلية فاعلة تهدف إلى تنفير الأهالي في الجنوب من الفدائيين, فإن سلوك هؤلاء (أو سلوك حلفائهم اللبنانيين) الكريه حسم الأمر بما لم يترك مجالاً لخيار فعلي.

خارج الجنوب حددت أمل إطار إخصامها بشكل أضيق, فمثلاً كان القتال (الذي كانت أمل طرفًا فيه) الدائر في محيط برج البراجنة في جنوبي بيروت يميل إلى أن يكون قتالاً ضد القوى التي رأت أمل في عدائيتها للشيعة أو لإيران عدائية مطلقة, كجبهة التحرير العربية التي ترعاها العراق, بالإضافة إلى أن العديد من معارك ضواحي بيروت لم تكن ناتجة عن خلافات أيديولوجية بقدر ما كانت نتيجة للتنافس على استقطاب الأعضاء الجدد, كما هي حال عدة صدامات مع الحزب الشيوعي, ولقد ظهر هذا التباين في الظروف بوضوح في اكتفاء مقاتلي أمل في الجنوب بمراقبة أرتال الدبابات الإسرائيلية الزاحفة, بينما شن مقاتلون حركيون من الشياح والأوزاعي والغبيري بعضًا من أشد الأعمال العسكرية الدفاعية عزيمة وإيمانًا ضد الغزاة (مثلاً الدفاع عن مثلث خلدة, الذي كبد جيش ((الدفاع)) الإسرائيلي المهاجم خسائر فادحة, كان في معظمة شيعيًا أمليًا).

صحيح أن الغزو حقق ما لم تتمكن أمل من تحقيقه, وهو طرد الفدائيين من الجنوب, إلا أن ابتهاج الشيعة لم يدم طويلاً, فسرعان ما بدا واضحًا أن ما شهدوه هو مجرد استبدال احتلال باحتلال آخر, أضف إلى ذلك أن أمل وجدت نفسها مع الاجتياح, أمام جملة من المشاكل التي إن لم تحل بنجاح قد تهدد حيوية الحركة وحتى استمراريتها.

وكما حدث في مرحلة سابقة عندما انقطعت عملية التعبئة السياسية للشيعة باندلاع أحداث 1975-1976, بدا من المرجح أن أحداث 1982 ستؤدي إلى قطع جهود التعبئة التي بدأت في 1978- 1979, واكتسبت زخمًا مشهودًا في 1981- 1982 فقد بدا للوهلة الأولى وكأن مبرر وجود أمل نفسه -الأمن المجتمعي- قد سقط. وبينما شكل النموذج الإيراني واختفاء موسى الصدر رمزين تعبويين فائقي الأهمية, إلا أن العامل الحاسم في دفع الاستقطاب كان تزايد النفور الشيعي الفلسطيني, الذي اكتسب بشكل متزايد أشكالاً أكثر خطورة وعنفًا, وهكذا فمع إزالة الفدائيين برز السؤال الأساسي التالي: هل يمكن المحافظة على عضوية تغذت على جاذبية الأمن المجتمعي عندما تكون ضرورة هذا الأمن أضعف بكثير أو حتى أقل وضوحًا؟ وبمعنى آخر هل يمكن لأمل أن تعيد توجيه جهودها بما يكفل المحافظة على دورها القيادي الأولي لمجتمع شيعي متسيس, أم هل ستفقد الحركة أي مبرر تاريخي لوجودها مع قيام لبنان الجديد؟ وفي الواقع, فقد واجهت الحركة تحديات على ثلاث مستويات متميزة, من داخل الحركة ومن داخل الطائفة ومن الطوائف الأخرى.

التحديات الداخلية:

لم تكن أمل في أي وقت من الأوقات منظمة متماسكة داخليًا, بل كان احتمال بروز انشقاقات تنظيمية قائمًا بشكل دائم, كانت الحركة مثالاً وموقفًا سياسيًا اجتماعيًا, بقدر ما كانت كيانًا مستساغًا حسن التنظيم, وعلى عكس غيرها من الميليشيات في لبنان, فقد كان مقاتلوها يقبضون رواتب ضئيلة جدًا بحيث دفعت الحاجة الاقتصادية عددًا منهم إلى معاودة البحث عن رزقهم, كلما تسنى لهم ذلك, فإذا أخذنا الطبيعة التنظيمية الأولية للحركة بعين الاعتبار, لا يعود من المستغرب أن تحدث انشقاقات في المناطق المتاخمة للحدود الإسرائيلية والسورية إذ احتوت أمل بالإضافة إلى خلافات محلية المنشأ، على مزيج من الاتجاهات السياسية والتفضيلات الأيديولوجية.

حافظت أمل بشكل دائم على حصتها من العملاء والانتهازيين الذين كانوا مستعدين تمامًا للرجوع إلى علاقات السيد -التابع خارج التنظيم, إذ لم تمثل لهم سوى البديل عن سيدهم المفضل, سواء كان هذا الزعيم أو ذاك, أم منظمة سياسية منافسة, أكثر من ذلك فإن عددًا ليس بالقليل من الشيعة وجدوا أنه من الأسلم بل ومن الأفيد لهم أن يؤيدوا الحركة أو ينتسبوا إليها من أن يعارضوها بشكل علني, تساقط أغلب هؤلاء من الحركة بعد الغزو الإسرائيلي في عام 1982, أي بعد تضاؤل جدوى هذا المنطق البراغماتي.

شكل الذين طرحوا تساؤلات خطيرة حول الأهداف السياسية لحركة أمل, بما في ذلك التساؤل عن مدى مصداقيتها كحركة شيعية, تهديدات إضافية, كان أحدها ذلك الذي أثاره حسين الموسوي عضو مجلس القيادة المؤلف من 30 عضوًا ففي تموز 1982 اتهم الموسوي قادة الحركة بالتعامل مع الغزاة الإسرائيليين، وحاول بمساعدة إيرانية على ما يبدو, أن يعيد توجيه الحركة نحو ما يشكل حسب رأيه أهدافها الحقيقية, استنساخ الثورة الإسلامية في لبنان, وبحسب مسئولين في أمل, فإن الموسوي طرد بعد ذلك من الحركة في صيف 1982 أو لعله ببساطة ترك الحركة, ثم أقام منذ منتصف 1986 في بعلبك البقاع الخاضع للسيطرة السورية, حيث يرأس حركة أمل الإسلامية بالتعاون -على ما يظهر- مع كتيبة من الحرس الثوري كانت إيران قد أرسلتها إلى لبنان في منتصف 1982, ورغم أن دوره لم يعرف بعد بشكل محدد فقد اتهم بالتورط بعدد من أعمال العنف السياسية بما فيها خطف رئيس الجامعة الأمريكية دافيد دودج في 1982, وتدمير السفارة الأمريكية في نيسان 1983.

وفي تشرين الثاني 19783 كان الموسوي وأتباعه هدفًا لغارات جوية إسرائيلية وفرنسية للرد على دورهم المشتبه به في حادث تفجير شاحنة مفخخة في مقر الوحدة الفرنسية في القوات المتعددة الجنسيات (التي هوجمت في اليوم نفسه الذي هوجم فيه مقر قيادة قوات المارينز الأمريكية حيث قتل 243 جنديا أمريكيًا) في تشرين الأول، وتفجير مقر قيادة إسرائيلي في صور في تشرين الثاني, بالإضافة إلى اتهام عنصرين من أتباعه بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء شفيق الوزان في تموز 1983 ([200]).

ورغم أن عدد أتباعه محدود إلا أن نشاطاته المدعومة -كما يبدو من إيران والتي كانت سوريا تغض النظر عنها أو حتى تشجعها على الأقل حتى منتصف 1984- قد قامت بحمل جزء من السكان الشيعة في البقاع على الخروج عن الخط الرئيسي لحركة أمل ([201]).

ورغم كون نشاطات الموسوي قد حظيت درجة لا بأس بها من الشهرة إلا أن المهمة الفورية الأكثر إلحاحًا أمام حركة أمل كانت تتمثل في كيفية المحافظة على كتلتها الحيوية من الشخصيات السياسية المعتدلة في ظل راية واحدة, ولهذه الغاية عقدت الحركة مؤتمرًا عامًا في منتصف نيسان 1983, أعاد هذا المؤتمر تنصيب نبيه بري دون معارضة تذكر في منصب الرئاسة الذي كان يتولاه منذ منتصف نيسان 1980, كذلك وافق على خطة أعدها بري وعدد من معاونيه الأقربين تهدف إلى إعادة تنظيم البنية التنظيمية لحركة أمل, إذ ألغي مجلس القادة الذي كان يتألف من ثلاثين عضوًا, وحل محله مكتب سياسي من 60 عضوًا على أن يرأسه العقيد المتقاعد عاكف حيدر, وهو سياسي معتدل يمتاز بنشاطه وحضور بديهته ويحظى باحترام واسع خارج نطاق الطائفة الشيعية, لكن يبدو أنه يفتقر إلى الشعبية التي يتمتع بها العديد من قادة أمل في الشارع الشيعي, لذلك ورغم تكريسه الرجل الثاني في حركة أمل إلا أنه من غير المرجح أن يخلف نبيه بري يومًا ما.

ويبدو أن بري المعروف بحسه الغريزي للبقاء يسعى إلى استخدام حيدر لإحداث توازن في وجه بعض منافسيه الأكثر جدية داخل أمل مثل حسن هاشم الذي برز كأهم منافس جدي له في داخل الحركة والذي تولى مهام رئاسة اللجنة التنفيذية الملكلفة بتنفيذ قرارات المكتب السياسي, يتمتع حسن هاشم -من قرية الزهراني الجنوبية- بتأييد شعبي ملحوظ في الجنوب. بالإضافة إلى حسن هاشم أعطيت مقاعد في اللجنة التنفيذية المؤلفة من 12 عضوًا إلى زكريا حمزة وهيثم جمعة, وغسان سبلاني وهو مواطن أمريكي, ولعل القرار الأهم كان إنشاء مجلس قيادة مكلف بالقيادة اليومية للحركة برئاسة بري وعضوية حيدر وهاشم وشقيقة الإمام موسى الصدر السيدة رباب الصدر, (التي تسكن في صور) والمفتي الشيخ عبد الأمير قبلان (من كبار قادة رجال الدين الشيعة).

من النتائج الواضحة للمؤتمر التأكيد على سلطة بري بوصفه الأول بين متساويين, لكنه ليس بأي شكل من الأشكال الزعيم المطلق, صفت إعادة التنظيم عددًا من الموالين لإيران, الذين كانوا ينتقدون سياسات بري المعتدلة وعدم رغبته في محاكاة الخط الإسلامي الثوري الإيراني, كما أسقطت من عضوية القيادة الجديدة واحدًا من المتعاملين بشكل صارخ مع إسرائيل في الجنوب.

وبينما كان من المستحيل الحصول على قائمة شاملة بأسماء مسئولي أمل فمن الجدير بالإشارة أن الشيخ شمس الدين (الذي سنتحدث عنه لاحقًا) توقف كما يبدو عن لعب أي دور رسمي, أشار بري في أحاديث خاصة إلى أن هدف إعادة التنظيم كان التخفيف من التشديد على الطابع العسكري للحركة وتعزيز إمكانياتها للعب دور سياسي أكثر فاعلية, يهدف بشكل خاص إلى تأمين مكاسب اقتصادية للشيعة وتحسين ظروفهم الاجتماعية, ولتحقيق هذه الأهداف أعطيت عدة مقاعد في المكتب السياسي والهيئة التنفيذية إلى عدد من التكنوقراطيين (أمثال هيثم جمعة وغسان سبلاني) ([202]).

يعكس أسلوب بري في القيادة عدم تمتعه بسلطة شاملة فهو لا يقود بالتوجيه بقدر ما يقود بالإقناع والمحاباة، فقد كان الوصول إلى أي قرار يفترض كشرط ضروري مسبق, مرحلة من المفاوضات والمساومات الداخلية, لذلك فقد كان من الأسهل في أغلب الأحيان اتخاذ قرار بعدم اتخاذ قرار من السعي لتوفير قيادة إيجابية, وباختصار شكلت ضرورات البقاء السياسي والمادي في أغلب الأحيان, مصدرا لتبني بري سياسة اللا حسم المتعمد, واعتماده لسياسة تميل إلى ترك كل الخيارات مفتوحة.

المنافسون الشيعة:

شهدت فترة ما بعد الغزو عودة عدد من الزعماء التقليديين إلى البروز, والذين كانوا على افتقارهم إلى قاعدة شعبية قوية داخل الطائفة الشيعية, وما برحوا يحتفظون بصلات سياسية هامة خارجها, وبالطبع فإن أهم هؤلاء هم كامل الأسعد رئيس المجلس النيابي (حتى هزيمته في تشرين الأول 1984) أما الآخرون فبينهم من يحمل أسماء مألوفة مثل حمادة وعسيران والخليل, هؤلاء الزعماء الذين يطلق عليهم أخصامهم عادة صفة ((الإقطاع السياسي)) عفا عليهم الزمن ولم يعد لهم أي مكان في لبنان المعاصر, فالسيطرة التي تمتعوا بها على جزء من الطائفة الشيعية إلى ما قبل 1975 أخذت تتلاشى, وهو ما يبدو بوضوح لدى مراجعة النجاحات التي حققها السيد موسى الصدر في أوائل السبعينات, فالعملية -التعبئة الاجتماعية نفسها- التي ساعدت على إتاحة الطائفة للعمل السياسي قللت من عزلتها وتمزقها وقلصت بالتالي من قدرة الزعيم على الهيمنة على أجزاء معينة من الطائفة.

تنتمي قيادة أمل -فيما خلا استثناءات قليلة- إلى عائلات لم تتمتع تقليديًا بنفوذ سياسي, ولا يوجد من يجسد هذه الحقيقة أحسن من نبيه بري نفسه, فهو لا يملك أن يقول -كما يفعل الزعماء التقليديون- بأنه سليل أسرة من الأعيان وتاريخه الشخصي يكاد يلخص حكاية العديد من إخوانه الذين كانت الهجرة مفتاحهم للهروب من طغيان النظام السياسي القديم والدخول في حقبة سياسية جديدة, ولد نبيه بري في فريتون سيراليون, لأب مهاجر يعمل في التجارة, هاجر إلى سيراليون كالكثير من إخوانه هربًا من النظام الاقتصادي المحبط في الجنوب, عاد بري الطفل إلى مسقط رأسه في بلدة تبنين الجنوبية, ولم تعرف عائلته بغناها أو بنفوذها رغم كونها عائلة كبيرة نسبيًا. باختصار, بري رجل ذو أصول برجوازيه صغيرة, لا يملك أسلوب منافسيه الزاهي البراق, ولا اتصالاتهم. أحد منافسيه الرئيسيين وهو نائب بوسعه أن يفاخر بنسبه وكافة المظاهر الأخرى التي يفتقدها بري, تساءل مرة في حضوري: من هو ابن مصطفى بري هذا؟ (إلا أنه بالطبع يعرف الجواب عن ظهر قلب) كما أن أخصامه داخل الطائفة الشيعية يشيرون تكرارًا إلى أنه لم يرافق الإمام الصدر قبل عام 1974 ويلمحون إلى أنه كان عضوًا في حزب البعث.

من السهل أن تسيء تقييم رجل كبري, فهو رجل لا لون له, على الأقل بالمقارنة مع عدد من أخصامه السياسيين, هو قادم جديد إلى صرح السياسة, ولديه من المخاوف كل مايتوقعه المرء من رجل كان نجاحه مفاجأة بالنسبة إليه, بقدر ما كان مفاجأة لأخصامه, وهي المخاوف التي نمت فيه غريزة بقاء تستحق الإعجاب والتقدير.

بري محام, درس الحقوق في الجامعة اللبنانية, وفيها مارس نشاطات طلابية سياسية, حتى وصل إلى منصب رئيس اتحاد الطلاب, بعد تخرجه في عام 1963, سافر إلى السوربون ليكمل دراسته, أمضى بري بضعة سنوات في أفريقيا الغربية, وزار الولايات المتحدة مرتين على الأقل, في الفترة الواقعة بين 1963 وأوائل السبعينات (زوجته السابقة وأطفاله الستة ما زالوا يعيشون في الولايات المتحدة, ولقد حصل بري علىبطاقة إقامة ((غرين كارد))) وهو بالتعارض مع حسين الحسيني, الذي خلفه بري في رئاسة الحركة, نموذج للطبقة الوسطى الشيعية الجديدة, التي تجد في سياسة الزعماء التقليديين سياسة قائمة على القمع, أنه رجل ذو مرجع سوسيولوجي, استطاع لدهشة مناوئيه أن يحافظ على تأييد نسبة لا بأس بها من أغنياء الشيعة العصاميين, مع حفاظه على تأييد فقرائهم (في منتصف الثمانينات كان يناضل للاحتفاظ بتأييد الفئة الأخيرة له).

إن التغيرات السياسية الاجتماعية التي ساعدت على نمو نفوذ بري المتزايد لم تخف عن أنظار الزعماء الشيعة وحلفائهم, إلا أنهم لم يسارعوا بالطبع إلى إفساح المجال أمام القادمين الجدد. وكما سأشرح أدناه, فإن محاولة تجاهل تسيس الشيعة أو حتى إرجاع عقارب ساعة التسيس الشيعي إلى الوراء, والذي ليس بوسع من يقف أمام احتمال فقدان الكثير سوى اللجوء إليها غير أنها مناورة محكومة بالفشل, فقد تطيل المناورات وألاعيب السياسة من الأجل المحتوم لهذه الفئة, إلا أنه من المشكوك فيه كثيرًا أن تكون قادرة على استعادة ولو جزء بسيط من النفوذ والهيمنة التي كانت تتمتع بها, وهذا الحكم لا ينطبق على الشيعة فقط, بل وخصوصًا على الموارنة الذين تبدوا أنساق تحديثهم المتأخرة في أحيان كثيرة موازية بشكل مدهش لمثيلاتها لدى الشيعة ([203]).

أحد التحديات الأكثر جدية داخل الطائفة على أولوية أمل في قيادة الشيعة خصوصًا في أواخر 1982, وخلال عام 1983 كله, كان مصدرها فرد واحد هو الشيخ محمد مهدي شمس الدين, من مسئولي أمل السابقين (من الأعضاء البارزين في مجلس القيادة حتى 1983) وأحد أهم علماء الدين في لبنان, فلا منافس فعلي له, فيما يتعلق بالشرعية المؤسسية, إلا المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان (الذي حافظ بالمقابل على علاقات وثيقة بالحركة) ([204]) منذ اختفاء الإمام الصدر الذي كان قائد حركة أمل ورئيسًا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في آن, انقسم هذان الموقعان القياديان إلى منصب يتولاه مسئول غير ديني, وآخر يتولاه مسئول ديني, فتولى النائب حسين الحسيني قيادة حركة أمل حتى 1980 حينما استقال وخلفه نبيه بري, ثم تحالف الحسيني مع شمس الدين الذي يرأس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بينما يحتفظ بلقب نائب الرئيس؛ احترامًا للإمام الغائب موسى الصدر المنتخب رئيسًا حتى عام 1992 وجاء انتصار الحسيني على كامل الأسعد في انتخابات رئاسة المجلس في تشرين الأول 1984 لتعزز من أحقيتهما (الحسيني وشمس الدين) في المطالبة بزعامة الطائفة.

قد تكون تفاصيل الصراع على الزعامة بين شمس الدين وبري مضللة ومخادعة, لكن الواضح أن كلاً منهما يعتبر الآخر منافسًا سياسيًا رئيسيًا له, ففي أوائل 1982 مثلاً, أشارت التقارير الصحافية إلى وجود صراع على السلطة بين بري وشمس الدين ([205]).

ثم دفع الاجتياح الإسرائيلي ببري إلى شمس الدين, على الرغم من بروز بعض الخلاف المتعلق بإلى أي مدى يجب على مقاتلي أمل مواجهة الجيش الإسرائيلي, كان بري -بحسب بعض المصادر- يدفع إلى دور أكثر هجومية وخصوصًا في رأس بيروت, لكن يبدو أن شمس الدين تمكن من فرض رأيه في النهاية (ومع ازدياد جذرية المناخ السياسي في أواخر 1982, أصبح شمس الدين من الدعاة الصاخبين لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي ) في الشهور التالية للاجتياح, تغلب الاثنان على خلافاتهما أو على الأقل وضعاها جانبًا إلا أن سنة 1983 شهدت عودة المنافسة بينهما إلى الظهور.

رغم اكتساب بري لبعض الشرعية عبر الدعم النشط للشيخ قبلان الذي دعا أمل ((العمود الفقري للطائفة الشيعية)) ([206]) إلا أن شمس الدين مؤكدًا على دوره في مؤسسة تستمد شرعيتها من الدولة حاول عزل بري باعتباره مجرد أحد قادة المليشيات, وبالتالي فهو لا يعدو كونه أحد أعراض الأزمة التي حلت بلبنان, ففي أوائل عام 1983 أعلن المجلس الشيعي الأعلى عن قطع شمس الدين لكافة العلاقات مع قيادة حركة أمل, ([207])  وأدت هذه القطيعة إلى وضع الشيخ شمس الدين فوق الصراع وأكسبت سعيه إلى لعب دور سياسي قيادي للشيعة, بعض المصداقية, وجعلته في الوقت نفسه محاورًا جذابًا لدى ممثلي الطوائف الأخرى.

فبينما كان بري ورفاقه يناضلون على الجبهة السياسية للحفاظ على سلامة بنية أمل التنظيمية, تجاوز شمس الدين هذا الصراع, وانضم إلى زعماء مسلمين آخرين, في تبني ما سمي بـ ((الموقف الإسلامي)) شارك شمس الدين إضافة إلى المفتي حسن خالد (سُنّة) والشيخ حليم تقي الدين (درزي) ورئيسي الوزراء السابقين سليم الحص وصائب سلام (سنة) وغيرهم من الشخصيات الإسلامية المعروفة, بالتوقيع على برنامج كان من السهل أن يكون صادرًا عن أمل, يعلن البرنامج عن التزام موقعيه بلبنان وطنًا نهائيًا مستقلاً, وبجمهورية ديمقراطية برلمانية تؤمن بالحرية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية, ويدعو إلى إلغاء الطائفية السياسية (بينما يحافظ ضمنيًا على قانون الأحوال الشخصية) ويرفض أي مخطط لتقسيم وكنتنة ولا مركزة لبنان.

والنقطة هي أن الفروقات الجوهرية بين ((الموقف الإسلامي)) وأمل قليلة جدًا, فشمس الدين وبري لا يتنافسان بسبب أي اختلاف حاد في البرنامج السياسي بل بسبب غيرتهما أو حتى خصومتهما المتبادلة, فقاعدة بري هي الشارع بينما يكتسب شمس الدين مكانته من المؤسسة الشيعية المحترمة, مع الذين أحبط في يدهم من الفعاليات الجامحة وغير المصقولة التي تملك السلاح والرجال, وهكذا نجد رجالاً مثل رجل الأعمال الثري محمد حمود ونوابًا مثل عبد اللطيف الزين وحسين الحسيني يقفون مع شمس الدين ضد بري, وهم يقفون بالتالي مع الشرعية والمدنية وهما صفتان لا تتمتع بهما في رأيهم حركة أمل, وفي كافة الأحوال فإن الذين وقفوا مع شمس الدين والمجلس الشيعي الأعلى هم من مرافقي الإمام الأوائل. ([208]) وهم جميعًا يدركون الأهمية الماسة للإصلاح السياسي في لبنان, إلا أنهم يسعون لأن يكونوا عملاء الإصلاح, أي أنهم يريدون إدارته, وهو أمر لا بد لهم من القيام به, إن أرادوا أن ينجوا من الغرق خلال العملية فهذه ليست مباراة في تحقيق الذات, إنها مسألة بقاء سياسي والنتيجة النهائية, بغض النظر عن بعض الانتصارات الثانوية التي حققها الفريقان, لا تزال في علم الغيب.

في الوقت الذي انخرط بري وشمس الدين فيه في صراع لتحديد الناطق الرسمي باسم الشيعة, كانت تجري عملية تفتيت أخرى هددت بجعل الصراع بينهما مسألة فيها نظر, فبعد أن كانت أمل في السنوات الثلاث أو الأربع السابقة لاجتياح 1982 تحظى بنجاح كبير في تعزيز هيمنتها, شهدت خاتمة الاجتياح بدء عملية معاكسة تمامًا.

بينما كان الغزو الإسرائيلي يمضي قدمًا, اشترك نبيه بري في لجنة الإنقاذ الوطني, التي أُنشئت لتبدأ ما برهن لاحقًا على أنه طريق طويل جدًا ومُضنٍ إلى الوفاق الوطني, ورغم أن حركة أمل لم تؤيد علنًا انتخاب بشير الجميل في آب 1982 مثلها مثل الشيخ عبد الأمير قبلان والشيخ محمد مهدي شمس الدين, القائدين الرئيسيين لرجال الدين الشيعة, لكنها عادت وأيدت انتخاب أمين الجميل بناء على ملفه السياسي الأقل إشكالية, على افتراض أنه سيسعى لتحقيق الوفاق بين الطوائف والإصلاح السياسي ([209]).

لسوء الحظ كان الشيخ أمين الجميل يفتقد إلى قاعدة شعبية هامة داخل الطائفة المارونية, مما دفعه إلى التنافس, دون نجاح مع إرث أخيه التنظيمي القوات اللبنانية, واجه الرئيس ميليشيا مارونية ضخمة وقوية على ما يبدو, كانت مقتنعة بخلاف ما حدث في أزمة 1958, حين تمكن الرئيس فؤاد شهاب من تحقيق الوفاق على قاعدة لا غالب ولا مغلوب, بأنها خرجت منتصرة من هذه الحرب ولو بالنيابة, أذكر جيدًا حوارًا أجريته مع أحد مسئولي القوات اللبنانية في تشرين الأول 1982, ما لبث أن سادته البرودة مما إن أدليت بملاحظة مفادها أن هناك لومًا يكفي ليطال الجميع, لم يكن الموارنة -في نظر محادثي- قد ارتكبوا أي خطأ على الإطلاق, وهو رأي لم يكن غير شائع في أوساطهم.

في مواجهة طائفة مارونية متصلبة ومستاءة من تولي أمين الجميل للسلطة التي هي ملك شرعي للشهيد بشير اضطر الرئيس الجديد لقضاء الكثير من وقته في إلقاء نظرات خاطفة إلى الخلف, فلم تكن استمراريته السياسية وحدها هي المهددة, بل بقاؤها على قيد الحياة أيضًا, كما يظهر من الشائعات الدورية الصادرة عن مصادر مسئولة حول المخططات التي تحكيها القوات اللبنانية والتي قد تكون قد خططت بالفعل للإطاحة به في أواخر عام 1983. أما افتقاده للتأييد الماروني فقد برز بشكل دراماتيكي في ربيع 1985, عندما شن أخصامه في القوات اللبنانية انتفاضة لتعزيز سلطتهم وللتأكيد, بطريقة لا تدع مجالاً للشك, على عدم رغبتهم في الخضوع لأمين الجميل.

والمفارقة هي أن سعي أمين الجميل الفاشل لاكتساب قاعدة تأييد داخل طائفته قد بدد التأييد المعقول الذي كان يتمتع به لدى الطوائف الإسلامية. فبدلاً من أن يحاول توظيف تعاون قادة حركة أمل, بدا أنه أكثر ارتياحًا في التعامل مع الزعماء التقليديين, فاختار التحالف مع كامل الأسعد, الذي كان قد سهل, بوصفه رئيسًا للمجلس النيابي انتخاب بشير وأمين (يُشاع أن مساعدة رئيس المجلس لم تكن عملاً خيريًا, بل لعله تلقى على الأقل بحسب ما تقوله مصادر لبنانية مارونية تعويضات طائلة) ولعله من المثير للاهتمام ومما له دلالته أيضًا, أن كامل الأسعد الذي تمتع بتأييد قوي لدى الموارنة, لم يتمتع بأي تأييد تقريبًا في طائفته, كما يظهر من إقامته الدائمة منذ عام 1976, في جبل لبنان بدلاً من جبل عامل (الذي تقع فيه قرية الطيبة مسقط رأسه) كما أنه ليس من المستغرب من الناحية الأخرى, أن تكون صلته القوية بالرئيس قد أعادت تأجج الخصومة القديمة بينه وبين أمل.

في خريف 1982 كانت أمل قد توصلت إلى تبني موقفًا معتدلاً واعتمدت مبدأ ((الصبر مفتاح الفرج)) وبينما أدركت الحركة أن أيام القتال لم تنته بعد, إلا أنها اتخذت عدة مبادرات لتوسيع نشاطات الحركة في مجال الإنعاش الاجتماعي, في محاولة لاستعادة جوهرها الأصلي كحركة إصلاح اجتماعية سياسية, فأنشأت في الجنوب مثلاً سلسلة من المستوصفات العسكرية المجهزة بشكل جيد, على أن تقدم خدماتها لكافة المواطنين لقاء أجر زهيد, مع توفير الخدمة المجانية إذا دعت الضرورة, وهي مستوصفات تنم -كما بدا لي عندما زرتها في عام 1982- عن تخطيط جيد, ونية في الاستمرار, كما مولت أيضًا -رغم محدودية مواردها المالية- بعض المشاريع التحسينية العامة, كغرس بعض أشجار الجوز وتعبيد الطرقات داخل القرى.

أما مجلس الجنوب بؤرة الفساد التي طالما لاكتها ألسنة الناس, فقد تم بعد طول انتظار وبعد عدة تدخلات من حركة أمل, تعيين حسين كنعان رئيسًا له, وهو رجل, أكثر اهتمامًا -اسميًا على الأقل- بالخدمة المدنية من الخدمة الشخصية, ثم استُبدِل لاحقًا بمحمد بيضون الذي تمتع بعلاقة طيبة مع نبيه بري والذي ينتمي فعلاً -بخلاف كنعان- إلى الجنوب, أضف إلى ذلك, أن مهرجان صور قد قدم تأكيدًا مبكرًا على حيوية الحركة إذ تجمع أكثر من 250000 شيعي في أيلول 1982 لإحياء الذكرى الرابعة لاختفاء الإمام الصدر. (وأقيم في النبطية مهرجان آخر كان أصغر من مهرجان صور, إلا أنه اتسم أيضًا بطابعه المؤثر, وعملت الاضطرابات الدورية والمظاهرات المحلية على التذكير بأن أمل ما زالت تحتفظ بقاعدة شعبية هامة.

في الوقت نفسه كان مسئولو حركة أمل الرئيسيون يتوقعون بادرة حسن نية من الحكم على شكل تنازلات إضافية متواضعة نسبيًا, لكن للأسف خاب فألهم فلم ينبعث طائر الفينيق من الرماد, بل تدهور الوضع الأمني طوال أشهر الخريف في عام 1982 وامتدادًا حتى العام 1983.

ففي تشرين الأول 1982 نشب القتال في الشوف بين ميليشيا الدروز والقوات اللبنانية التي كانت قد عاودت الدخول إلى المنطقة ((لتعزيز انتصارها)).

وبدا أن إسرائيل التي احتلت الشوف حتى انسحابها المتهور في أيلول 1982, غير قادرة على إيقاف القتال, وفي الواقع, فقد يكون الإسرائيليون هم الذين سهلوا اندلاع القتال كما تشير بعض التقارير الموثوقة ([210]) عبر بري ورفاقه عن دعمهم للدروز, إلا أنهم لم يقدموا أي مساعدة جوهرية, وفي الوقت نفسه بدأ الجيش, الذي يعمل أحيانًا بتعاطف ظاهر مع القوات اللبنانية, بشن سلسلة مداهمات لأحياء في بيروت الغربية والضاحية, ملقيًا القبض على عدد من المناضلين الشيعة -غالبًا بناء على أدلة هشة- ومحاولاً نزع سلاحهم. وكما أخبرني مواطن شيعي في الغبيري في تشرين الأول 1982: ((يعتبرونني عدوًا لمجرد أني ملتحٍ وزوجتي ترتدي كما ينبغي لامرأة مسلمة عادية أن تفعل, وفي كل مرة أقترب من أحد الحواجز أخشى أن يعتقلوني)) ترك هذا الرجل حركة أمل ليلتحق بمجموعة أكثر جذرية يعتقد بأنها ستدافع عن حقوقه.

شكلت اتفاقية 17 أيار 1983 التي تم التوصل إليها عبر وساطة أمريكية بين إسرائيل ولبنان, نقطة تحول رئيسة في الوضع المتدهور, نصت الاتفاقية على شروط مخلة بالسيادة اللبنانية بشكل جوهري بما في ذلك تقييدات على استخدام المجال الجوي وتحديد انتشار الجيش والأسلحة, أكثر من ذلك, فإن الاتفاقية لم تأت على ذكر قوات الأمم المتحدة اللهم إلا في مجال مراقبة محيط المخيمات, مما أثار مخاوف العديد من المسلمين من أن تكون إزالة القوات الدولية مقدمة لمنح القوات الإسرائيلية حرية في التحرك ما إن تكف عن كونها محط أنظار الرأي العام العالمي. وشكلت الرسالة الجانبية السرية التي وجهتها إسرئيل إلى الولايات المتحدة والتي تشترط تزامن الانسحاب الإسرائيلي الجزئي والممرحل بانسحاب سوريا وبقية القوات الفلسطينية من لبنان عائقًا رئيسيًا في وجه تطبيق الاتفاقية.

لقد أصبح واضحًا الآن أن اتفاق السابع عشر من أيار, شكل نهاية مرحلة التراجع السوري في لبنان, إذ ضمن بشروطه الملحقة معارضة سوريا التي رفضت مساواتها بالقوات الغازية الإسرائيلية جاعلة بالتالي من موقف الرئيس حافظ الأسد العنصر الحاسم في تحديد مصير تنفيذ الاتفاق, استند الأسد إلى الاتفاقية مستخدمًا إياها كرمز فاعل في تعبئة المشاعر المعادية لأمريكا ولإسرائيل, ووجدت المعارضة اللبنانية للاتفاقية ولأمين الجميل أيضًا تعبيرها المؤسسي في جبهة الإنقاذ الوطني التي تأسست في تموز 1983.

حققت الاتفاقية مكسبًا واحدًا, وإن لم يدرك بشكل جيد, فقد نجحت عمليًا, ودون تخطيط أمريكي مسبق بالضرورة, في أن تشكل عملية إنقاذ للعلاقات العامة الإسرائيلية, فبتوقيعها على هذه الاتفاقية تمكنت إسرائيل من رد تهمة التعنت التي لازمتها منذ الخريف الفائت. لاحظ وزير الدفاع موشى آرنز بدقة أنه ليس لدى إسرائيل ما تخسره في هذه الاتفاقية فهي توفر لإسرائيل -في حال تطبيقها- بنية تحتية تتيح لها السيطرة على جنوب لبنان وتحيلة إلى حزام أمني مفيد, وهي تصفي -في الوقت نفسه- الوجود السوري العسكري الفاعل في لبنان, أما في حال فشل تنفيذها فستؤدي على أي حال لتحرير إسرائيل من الضغط الأوربي والأمريكي. ([211]) رأى الشيعة في الاتفاقية أداة إسرائيلية لتقسيم لبنان سياسيًا, واعتبروا الانسحاب الإسرائيلي الجزئي وسيلة لتخفيف كلفة الاحتلال دون استئصال الاحتلال نفسه, وهو رأي له ما يبرره في نظري, إذ أجل الإسرائيليون انسحابهم المكتمل حتى كانون الثاني 1985 وقرروا, حتى في ذلك الوقت الاحتفاظ, بوجود متبق في الجنوب عبر مليشيا رديفة في لبنان مدعومة بمئات الجنود الإسرائيليين والمستشارين العسكريين وعملاء المخابرات ([212]).

كان لهذه الاتفاقية أثران هامان على حركة أمل: الأول دفعتها أكثر نحو التحالف مع سوريا, وهو تحالف كانت الحركة قد حاولت الابتعاد عنه في صيف وخريف 1982 وثانيًا شككت بمصداقية حيادية الولايات المتحدة الأمريكية والمساعي الدبلوماسية الحميدة التي تبذلها, كما طرحت أسئلة جدية تتعلق بنواياها في لبنان, ورغم كون السجلات الدبلوماسية تظهر أن الولايات المتحدة حضت أمين الجميل على الاتفاق مع الشيعة وخصوصًا بعد منتصف 1983, إلا أن اتفاقية السابع عشر من أيار منحت الشيعة ما يكفي من الأسباب للتشكيك بمصداقية الدور الأمريكي.

في النصف الثاني من عام 1983, كانت الآمال التي انتعشت في الخريف الماضي تتبدد بسرعة, إذ أحاط الشك بإمكانية تنفيذ اتفاق 17 أيار وامتد ليتناول الجميل الرئيس الذي تمكن من التوصل إلى إنجاز فريد, لم يسبقه أحد إليه, تمثل في ضعف الثقة به في أوساط طائفته كما في أوساط الدروز والشيعة والسنة, وسقطت مخططات إسرائيل في إقامة دولة يهيمن عليها الموارنة في لبنان, فانتشر الجيش الإسرائيلي في أوائل أيلول جنوب منطقة الشوف مخلفًا وراءه القتال المستمر بين ميليشيات الدروز والموارنة منذ الخريف السابق.

وفي وقت لاحق من الشهر نفسه اتخذت الولايات المتحدة قرارًا مصيريًا يتعلق بتوفير الإسناد المدفعي البحري لقوات الجيش اللبناني المدافعة عن سوق الغرب في منطقة عاليه, وشكل هذا التورط خطًا فاصلاً آخر, حيث أن العديد من المراقبين يعتقدون بأن الولايات المتحدة بعملها هذا قد نجحت في أن تصبح مجرد ميليشيا أخرى في وضع مثقل أصلاً بالتشكيلات العسكرية الفئوية. ([213])إلا أنه إنصافًا للولايات المتحدة لا بد من القول: إنه بينما اعتبر كثير من اللبنانيين -مسيحيين ومسلمين- عمل الولايات المتحدة تخليًا عن حياديتها, فإنه كان هناك شعور قوي لدى صانعي السياسة الأمريكية بأنهم يساندون السلطات الشرعية, وثمة احتمال بأن تكون قيادة الجيش اللبناني قد استدرجت الولايات المتحدة في دعمها في سوق الغرب بالضبط من أجل إجبارها على دعم فريق ضد آخر, خلال هذه الفترة كان الدروز والشيعة يعتبرون الجيش مجرد رديف للقوات اللبنانية, وهو رأي ليس غير مبرر كليًا, نظرًا لماضي بعض كبار ضباط الجيش وكون أول عمل قام به الجيش بعد إعادة بنائه كان قيامه بحملة قاسية لإزالة المنازل غير المرخصة في الضاحية الجنوبية –وخصوصًا في الأوزاعي- إلا أنه بغض النظر عن النظريات التآمرية التي تفترض وجود المخططات داخل مخططات, فإن دعم الولايات المتحدة للجيش في سوق الغرب, -والذي لم يكن له تأثير يذكر كما كان من المفترض على مجرى المعركة- ساعد في مفاقمة الاستقطاب الطائفي المتسارع الخُطى.

قُبيل التورط الأمريكي الجديد في الشوف, وإثر فترة من الاضطرابات شن الجيش اللبناني في 31 آب هجومًا واسع النطاق شمل 10000 جندي على المناطق الإسلامية, وبحسب بعض الروايات المنحازة فإن ضباطًا عسكريين أمريكيين شجعوا وشاركوا في التخطيط للهجوم على بيروت الغربية. ([214]) (لا يمكن تمييز الدور الأمريكي -إن كان ثمة دور- بشكل واضح في الروايات الموضوعية) باختصار توصل الشيعة إلى اعتبار الولايات المتحدة حليفًا لمضطهديهم: إسرائيل والقوات اللبنانية, وأصبح صديق أعداء الشيعة عدوًا للشيعة ([215]).

رغم ذلك كله, تواصلت الدلائل التي تشير إلى استمرار تسليف أمل للشرعية فرغم هجوم الجيش واستيلائه على منطقة رأس بيروت استمرت الحركة في التعبير عن تأييدها للجيش كمؤسسة وطنة ينبغي الحفاظ عليها,

وعندما قام زعيم الدروز وليد جنبلاط والرئيس السابق سليمان فرنجية ورئيس الوزراء السابق رشيد كرامي -بتأييد سوري إن لم يكن بناء للتعليمات السورية- بتشكيل جبهة الإنقاذ الوطني في تموز 1983 التي تهدف إلى معارضة الرئيس أمين الجميل واتفاقية 17 أيار, أعلنت حركة أمل عن تأييدها للجبهة إلا أنها لم تشترك فيها, ومما تجدر ملاحظته هنا, أن وليد جنبلاط أخذ يردد باستمرار بعد ذلك بعدة أشهر ((نبيه معنا)) بينما التزم نبيه الصمت. كان بري حذرًا في الوقوف على مقربة أكثر مما يجب, من جبهة الإنقاذ الوطني وأظهر بعضًا من الحياء في الإفصاح عن دعمه لها, في تموز 1983 مثلاً سُئل بري عن علاقته بالجبهة, فأجاب: ((أنا أتفق معهم ونحن نعمل معًا, إلا أني لا أريد أن أغادر بيروت, ولقد تلقيت عدة دعوات لزيارة زغرتا (مقر الرئيس فرنجية) إلا أني رفضت لأني لا أريد أن يتمكن أحد من القول إن قراراتي يمكن أن تتأثر بأي شكل بسوريا)) ([216]).

تحدي الجزريين (الراديكاليين):

لكن للاعتدال حدوده, خصوصًا عندما لا يقابله تعويض سياسي, فبعد فشل قيادتها الوسطية, بدأت أمل بالظهور بالمظهر غير الفاعل, وفي النصف الثاني من 1983, أخذ شعور الإحباط ينمو في المناطق الشيعية, وبدا أن أمل تكاد تفقد سيطرتها على الأهالي, وأعلن بري في عدة مناسبات عن خشيته من إزاحة كافة المعتدلين جانبًا, ليحل محلهم المتطرفون واعترف بأنه بدأ يفقد السيطرة على الشارع ([217]).

ومن داخل الطائفة ظهر -أو بشكل أدق عاد إلى الظهور- عدد من المجموعات الصغيرة المؤمنة بالعنف والإرهاب, ويمكن للمرء أن يخمن إلى أي مدى كانت منظمات مثل ألوية الصدر, وكتيبة الحسين الانتحارية بمنأى عن أي تدخل أو دعم خارجي, إلا أنه من الواضح في كافة الأحوال, أن هذه مجموعات تمثل مزيدًا من التفتت في سلطة أمل المتضائلة, أما التطور الأهم والوثيق الصلة بالموضوع فهو تزايد نشاط بعض رجال الدين الشيعة في كافة أنحاء البلاد. كانت أحداث السنة المنصرمة قد فاقمت من حدة الانقسامات في لبنان وساعدت على خلق مناخ, القادر فيه على استثارة الرمزية الدينية هو القادر على اكتساب المؤيدين, وهكذا برز إلى الواجهة عدد من رجال الدين, وجمع كل واحد منهم حوله عددًا من مؤيدي حركة أمل, ثم ما لبث أن بدا واضحًا أن هذه المنافسة ذات أهمية أكبر بكثير من التنافس القائم بين بري وشمس الدين.

فرغم حدة التنافس الشخصي على زعامة الطائفة فإن لدى كل من شمس الدين وحلفائه من جهة وبري وزملائه من جهة أخرى, مفهومًا مشتركًا عن لبنان بوصفه مجتمع متعدد الطوائف, التنوع فيه معطى سلفًا وهو قيمة بحد ذاتها وكلاهما يعتبر أن تحقيق العدالة السياسية والاجتماعية يجب أن يتم في إطار إصلاح النظام السياسي, ولم يعمد أي من هؤلاء الوسيطيين -أعترف بأني أتصرف ببعض الحرية فيما يتعلق بمصطلح ((وسطي))- إلى اقتراح تبني الشيعة للنموذج الإيراني وإنشاء جمهورية إسلامية في لبنان, وفي الواقع فإن شمس الدين وعاكف حيدر وبري وغيرهم من ممثلي الوسط سفهوا علنًا اعتماد مثل هذا الحل في لبنان, ففي رأيهم أن لبنان بتباين تكوينه الثقافي وتراثه في التسامح الديني (مهما تعرض هذا التقليد للضرب في السنوات الأخيرة) والخيارات السياسية لأغلبية الشيعة تحول دون هذا الحل.

من المؤكد أن للثورة الإسلامية حضورها العميق في لبنان, لكن وكما يظهر الفصل الثالث من هذا الكتاب, فإنه بعد فترة من الفرح الطاغي بانتصار الثورة برهنت الأحداث في إيران على أنها أكثر أهمية كحافز على العمل منها كنموذج للتقليد الحرفي, هذا لا يعني أن دعاة الحكم الإسلامي في لبنان كانوا غائبين عن الساحة, لكن أصواتهم كانت محجوبة بأصوات القادة الوسطيين الذين كانت دعوتهم لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان تلقى تأييدًا جامحًا, وهي دعوة استندت بالضبط إلى عدم التشديد على دور الدين في تحديد السياسي, وعلى إلغاء نظام سياسي يقوم على التعددية. (لما يعود بالطبع بالفائدة على الطائفة التي تتمتع بأكثرية الأصوات الشيعية) فلو تم الاجتياح الإسرائيلي اتخاذ إجراءات لإصلاح النظام السياسي لكان الوسطيون قد انتصروا لكن المحزن, وكما أظهر تطور الأحداث بوضوح شديد, أن ذلك لم يأخذ طريقه إلى حيز الوجود.

مع تكشف الأحداث بعد غزو 1982 لم يجد الوسطيون ما يعرضونه مقابل سياستهم الهادنة سوى أيديهم الفارغة. فأمل التي كانت تتجه إلى السيطرة شبه الشاملة على سياسة الشيعة في لبنان أخذت تتعرض لتحد خطير. أما المجلس الشيعي الأعلى فكان يتجه في علاقاته, مع الكتلة الشيعية المتسيسة, والتي لم تشهد سوى المزيد من الإحباط والمعاناة, إلى مزيد من الهامشية. وبدافع من اليأس وتحريض من التحالف الموضوعي الغريب بين إسرائيل وسوريا وبمساعدة مادية من إيران, برز إلى الواجهة عدد من المجموعات الشيعية الجذرية.

ففي الجنوب -وكما سترى في الفصل التالي- دُفِع السكان إلى مزيد من الراديكالية بفعل سياسات إسرائيل ومنطق المقاومة السرية نفسه (السرية واللا مركزية التنظيمية) ومن ناحية أخرى قامت سوريا -التي خشيت في الفترة التي انتعشت فيها الآمال عام 1982 من أن تتمادى أمل في تأييدها للسلم الأمريكي في لبنان- برعاية نمو المجموعات الشيعية الجذرية للتوازن مع حركة أمل ولتذكر قوادها المنفلتين بنقاط ضعفهم, فسمحت في تموز 1982 بتمركز ألف عنصر من الحرس الثوري الإيراني في بعلبك, أُتبع بإنشاء مركز قيادة لهم في بلدة الزيداني على الحدود السورية, وأصبحت بعلبك ومحيطها محور نشاطات حركة أمل الإسلامية بقيادة حسين موسوي, وعدد آخر من رجال الدين الراديكاليين. ومما له دلالته أن حزب الله كان يتمتع بأكبر قدر من حرية التحرك في البقاع, كما أنه ليس من قبيل الصدفة أن تعتبر الدوائر الغربية, بعلبك وخصوصًا ثكنة الشيخ عبد الله, في فترة لاحقة, من أهم مفاصل الشبكة الإرهابية التي برزت بقوة في عام 1983 كذلك تجدر الملاحظة إلى أنه مع بداية اتخاذ الأحداث وجهة تتفق مع السيناريو السوري في عام 1984 خفت الحماس السوري للراديكاليين في البقاع ([218]).

إن اتجاه بعض المراقبين الغربيين إلى التمحور حول الذات, المتمثل بفرض النظام والانبناء على غير المنتظم وغير المنبني, لا يبدو بالوضوح نفسه في أي مكان كما يبدو في رؤيتهم للشيعة في لبنان, فلا يمكن أن نعتبر أننا اكتشفنا شيئًا مهمًا عندما نعلن أننا اكتشفنا في مجتمع حرم طويلاً من أي تنظيم سياسي بنى تنظيمية أولية وضعيفة, فالعضوية هنا, هي غالبًا, حالة فكرية- إحساس بالانتماء- وليست انتسابًا شكليًا, والمتسيسون الجدد- الغاضبون والمحبطون والمستاؤون من أوضاعهم- تحملهم رياح الاتجاهات السياسية والديموغاجية فتلقي بهم من تنظيم إلى آخر, فسياسة الشيعة مائعة, ومفككة المفاصل, كما أن المنظمات التي تتنافس على كسب عضوية الشيعي تشكل مجموعة باطنية من الصعب اختراقها بالتحليل أو حتى وصفها, وهذه الخصائص تنطبق على أمل تمامًا كما تنطبق على غيرها, وحزب الله هو نفسه مثال على صدق ما نقول, فهو يجمع كافة المجموعات الدينية, التي ترى في إيران نموذجًا لها, وفي الخميني قائدًا لها, وهو من ناحية منظمة واضحة المعامل تتلقى التوجيهات والأوامر من إيران, إلا أنه من الناحية الأخرى عبارة عن مجموعة مائعة من الجماعات التي يمكن للنفوذ الإيراني عليها أن يكون اسميًا فقط، ومن المؤكد أن الجمهورية الإسلامية تدعمه بقوة بما أنه يشكل العلاج الناجع لمراوغة بري المفترضة ولمراوغة شمس الدين أيضًا في بعض الأحيان ([219])تأسس حزب الله في عام 1978, وعاد إلى البروز عبر خلاياه في بيروت وقيادته في البقاع في عام 1982, وأثبت أنه ند خطير لأمل رغم صغر حجمه بالمقارنة معها بنسبة خمسة إلى واحد في بيروت.

وبينما لا يسيطر العلماء على أمل, يتألف كادر حزب الله إلى حد كبير من علماء محرضين يسعون إلى استثارة الإسلامية بالتعاون مع بعض المتطرفين الراديكاليين, بالإضافة إلى أولئك الذين يؤمنون ببساطة, أن النضال الإسلامي هو الجواب, أما قيادته فتشمل العديد من رجال الدين الشبان في عشريناتهم أو ثلاثيناتهم, كالشيخ صبحي الطفيلي 39 سنة, والذي يعتبر عادة من الراديكاليين المتكلمين كما يعتبره بعض المراقبين القائد السياسي لحزب الله, والشيخ عباس الموسوي 37 سنة مدير المدرسة الدينية في بعلبك والمسئول عن الشئون العسكرية والأمن الداخلي والشيخ إبراهيم الأمين 32 سنة, سليل عائلة مهمة من رجال الدين في الجنوب, وكان من المفترض أن يكون سفيرًا لجمهورية لبنان الإسلامية (التي لم تبصر النور) إلى إيران والشيخ حسن نصر الله 28 سنة أيضًا من الجنوب, ويبدو أنه يلعب دور صلة الوصل بإيران وبقواتها في لبنان.

يذكر أن علاقة إيران بحزب الله تتم عبر مجلس الدفاع الأعلى للجمهورية الإسلامية, وهي الأداة التي ينقل بها آية الله الخميني أوامره وتوجيهاته إلى حزب الله, ويتألف المجلس من الرئيس السيد علي خامنئي وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني, رئيس مجلس الشورى ورئيس الحرس الثوري (باسدران) السيد محسن الرفاعي, ويشكل الهيئة المركزية لصنع القرار في المؤسسة الإيرانية العسكرية والأمنية ([220]).

كذلك رعت إيران إنشاء مجلس شورى في لبنان, وهو يشرف على عمل حزب الله في لبنان ويلعب دور صلة الاتصال العقدي بين إيران ولبنان ويتألف من 12 عضوًا غالبيتهم العظمى من رجال الدين وبعض المسئولين العسكريين وينقسم إلى سبع لجان هي: اللجنة الثقافية, واللجنة المالية, واللجنة السياسية, واللجنة الإعلامية واللجنة العسكرية, واللجنة الاجتماعية, واللجنة القضائية, والعملية كلها على ما يظهر تمولها إيران, فهي لا توفر فقط نفقات الممارسة العملية بل وأيضًا التعويضات لعائلات شهداء حزب الله (حوالي 225 ألف دولار توزع شهريًا على عائلات الشهداء) ([221]).

رغم أن تفاصيل العلاقة ليست معروفة إلا أنه من الواضح أن حركة أمل الإسلامية التي يرأسها حسين الموسوي على ارتباط وثيق بحزب الله, فكل مسلم -كما يقول الموسوي- يعمل في سبيل الإسلام والثورة الإسلامية ويقبل بمبدأ ولاية الفقيه هو عضو في حزب الله ([222]) إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن موسوي ينفي وجود حزب الله كمنظمة قائمة في ذاتها, ويزعم أن الحزب يفتقد إلى المناصب والعضوية الرسمية وغيرها من الخصائص التنظيمية.

بالإضافة إلى أمل الإسلامية, فإن حركة الدعوة -وهي حركة أنشئت في الواقع عام 1959- هي أيضًا على ما يبدو جزء مكون من حزب الله بما أنها لم تعد موجودة في لبنان كحزب مستقل منذ عام 1980 ([223]).

كذلك يحيط الغموض بماهية الدور المحدد الذي يلعبه السيد محمد حسين فضل الله, من سكان بئر العبد في الضاحية الجنوبية, في حزب الله, هو ابن المغفور له آية الله السيد عبد الرءوف فضل الله, من قرية عيناتا الجنوبية, ولد السيد محمد حسين فضل الله في مدينة النجف العراقية في عام 1935 أو 1936 ودرس على يد آية الله أبو القاسم الخوئي, من كبار مراجع الشيعة في العالم, قدم فضل الله إلى لبنان في عام 1966 وأقام في النبعة في ضاحية بيروت الشرقية, وعين في عام 1976 وكيلاً للإمام الخوئي (ممثله الشخصي) في لبنان أقام في النبعة, حيث وعظ وكتب, إلى أن استولى عليها الكتائب في 1976, فاضطر لمغادرتها كما فعل جميع سكان الحي من الشيعة ([224]).

برز فضل الله منذ خريف 1983 بوصفه أحد أكثر علماء الشيعة نفوذًا في لبنان وبخلاف مرشده آية الله الخوئي الذي يرفض التدخل في السياسة, مارس فضل الله دورًا فعالاً على الساحة السياسية, وبدا أحيانًا وكأنه يستمتع بوضعه كشخصية سياسية معروفة.

أصبح معروفًا على الصعيد العالمي في عام 1983 عندما ذكر بعض المراسلين -نقلاً عن مصادر إسرائيلية ولبنانية معادية- أن فضل الله متورط أقله ببعض العمليات الإرهابية الموجهة ضد الأمريكيين في السنوات الأخيرة ([225]).

ويعتبر بشكل واسع قائد حزب الله أو مرشده الروحي, وبصراحة فإن التوصل إلى الحقيقة ليس بالأمر السهل, كما أنه لدى فضل الله من الدوافع التي تحمله على المكر والتضليل ما لدى أعدائه أو يزيد, وعلى أي حال فالحقائق التالية هي حقائق ثابتة.

يزعم فضل الله بشكل ثابت بأنه ليس رئيسًا لأي حزب أو حركة؛ إذ ليس المهم أن يكون رئيسًا أو مرشدًا لحزب الله بقدر ما هو مهم أن تلقى دعوته صدى لها في صفوف الطائفة الشيعية ككل, بالإضافة إلى ذلك تجدر الملاحظة إلى أن دعوته هي دعوة تقرن الدعوة إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية بطلب المحافظة على التسامح الديني (مما يتعارض بشكل حاد مع عدم التسامحل الذي يبديه عدد من رجال الدين من الذين يتولون مهامًا محددة في حزب الله) وثمة ما يحمل على الاعتقاد بأن رفض فضل الله خلال زيارة له إلى إيران في شباط 1985 الدعوة إلى إقامة دولة إسلامية أدى إلى استقباله بشكل بارد, فبينما لا ينفي فضل الله أنه يفضل أن يعيش في ظل دولة إسلامية, إلا أنه لا يعتقد أن الظروف في لبنان ملائمة لإقامة دولة كهذه, وقد عبر عن رأيه هذا بوضوح كلي في عدة مناسبات: ((في هذه المرحلة لا بد لنا أن نميز بين وضع دولة ذات حزب ديني واحد أو وضع دولة ذات أكثرية مطلقة تتبنى وجهة نظر واحدة, حيث الدين هو الدولة من جهة, وبين وضع بلد مثل لبنان الذي هو وضع تنوعي من جهة أخرى)) ([226]).

يرى فضل الله أن إقامة دولة إسلامية هي عملية بطيئة يجب أن تبنى على الحور والتعليم والتفاهم المتبادل, وهو يفترض أنه مع تقدم العملية وعندما ((تعتنق أغلبية الشعب العظمى الإسلام, وعندما تكون هناك ظروف سياسية مواتية, عندها فقط يمكن أن تنشأ جمهورية إسلامية)) ([227]) إلا أنه يجب أن لا تحسب صبر فضل الله مهادنة فهو يطالب المسلمين بضرورة الالتزام بنهج الإسلام الحياتي بغض النظر عن النظام السياسي الذي يعيشون في ظله, أضف إلى ذلك, اعتباره أن المعضلة النفسية التي يعاني منها المسلمون -هي بالتعارض مع معضلة المسيحيين- معضلة لا تناظرية, إذ ليس لدى المسيحيين, في رأيه شرعة دينية تحتم عليهم العيش في ظل دولة تحكمها المفاهيم الدينية نظرًا للفصل الواضح بين الزمني والروحي في المسيحية, لكن الأمر مختلف تمامًا لدى المسلمين فثمة نص واضح يفرض تجنب هذه الازدواجية: ((إن مشكلة المسلم تكمن في الثنائية الناشئة عن الفرق بين ما هو قانوني على مستوى الدولة وبين ما هو شرعي على مستوى العقيدة, إن مشكلة الإسلام تتمثل في عدم وجود فراغ قانوني وبالتالي فعندما يعيش المسلم في ظل دولة لا تتبنى الإسلام تبقى حياته مرتبكة بفعل الثنائية التي يعيش في ظلها))([228]).

رغم ما كتب من الدراسات والتحاليل لآراء فضل الله إلا أنه بالمقارنة مع العديد من إخوانه العلماء ليس إنسانًا متطرفًا, وفي الحقيقة فإن مقابلاته تبدو نيرة وغنية وزاخرة بالعروض التفصيلية, وهي تترك على الأقل هامشًا للمساومة, وإذ يعتبر العديد أن آراء السيد محمد حسين فضل الله معتدلة أكثر مما ينبغي, إلا أنه مما له دلالته أن يعتبر بعض من هم في مركز السياسة الشيعية أن له دورًا أساسيًا في تعزيز قيادة الطائفة. أما خلافه مع بري فهو شبيه بخلاف شمس الدين, الذي يبدو أنه قد تفوق عليه في النفوذ (على الأقل في الشارع) في كونه خلاف شخصي من النوع الذي يصعب حله بسهولة.

أما بالنسبة للمزاعم حول دور فضل الله المزعوم في توليد أو تسهيل هجمات إرهابية, فيكفي أن نشير إلى أن أحدًا, لا يعرف ذلك معرفة فعلية, بالطبع لا مجال للإنكار, بأن دعوته قد أثارت نزعة العداء للولايات المتحدة وإسرائيل, فهو نفسه يقر بهذا, لكن أن يكون فضل الله قد لعب دورًا مباشرًا فهذا أمر أقل ما يقال فيه أن أحدًا لم يقم الدليل عليه, فلدى فضل الله نصيبه من الأعداء بشكل مستقل تمامًا عن أي حادثة معينة, وعلى المرء أن يفترض أن هناك كمًا من المعلومات الخاطئة التي تشيعها كافة الأطراف, ولقد كان حادث السيارة المفخخة, على يد أعدائه من الموارنة, في آذار 1985, والذي أودى بحياة ثمانين بريئًا, عامل تذكر رهيب بأنه بغض النظر عن دوره التنظيمي, فمن غير المرجح أن ينتهي الأمر بهذا الرجل إلى النسيان.

بالتعارض مع آراء فضل الله العلنية المعتدلة نسبيًا تبنى حزب الله خطًا سياسيًا نضاليًا غير مساوم, يمثل حزب الله رؤية جازمة للمجتمع, عبر عنها في رسالته المفتوحة في شباط 1985, فبخلاف أمل التي ترى في غموض البرنامج وسيلة مفيدة لتجنب الانقسامات القائمة بين مؤيديها, فإن حزب الله يعلن عن هدفه بشكل مباشر وصريح ((إقامة حكم إسلامي في لبنان)) ففي ظل التعقيدات والإرباكات في لبنان المعاصر, يقدم حزب الله رسالة بسيطة ومريحة تصل مباشرة إلى أولئك الذين ملوا سماع وعود السياسيين الطموحين الفارغة, فالجواب موجود في ثقافة الشيعة (التراث الحضاري) ومنابعها الأساسية ((القرآن الكريم والسنة المعصومة والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا (الخميني) وهي واضحة, غير معقدة وميسرة للجميع دون استثناء, ولا تحتاج إلى تنظير أو فلسفة, بل جل ما تحتاجه هو الالتزام والتطبيق)) ([229]).

والخميني هو القائد الذي لا منازع لسلطته, والذي تتجسد فيه الثورة الإسلامية, تعلن الرسالة المفتوحة بوضوح أن حزب الله يقف على أهبة الاستعداد لتنفيذ أوامره (( أننا... نلتزم بأوامره قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط, وتتجسد حاضرًا بالإمام المسدد آية الله العظمي روح الله الموسوي الخميني دام ظله, مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة)) ([230]).

ويرى حزب الله أن الشيعة محاصرون ويواجهون مجموعة من الأعداء الخونة, التي تشمل الكتائب المارونية, وإسرائيل وفرنسا, والاتحاد السوفياتي, والعراق, إلا أن الولايات المتحدة هي المصدر الأساسي لمشاكل الشيعة.

((أمريكا وراء كل مصائبنا)) تقول الرسالة المفتوحة, وكل ما عدا مواجهتها هو أمر هامشي, ويلاحظ حزب الله, بكلمات تذكرنا بفرانز فانون, أن النصر مساوٍ للتضحية: ((وعلى هذا الأساس رأينا أن العدوان لا يرد إلا بالتضحيات... والكرامة لا تكون إلا ببذل الدماء, والحرية لا تعطى وإنما تسترد ببذل المهج والأرواح...)) ([231]).

أما عداوة حزب الله لنبيه بري وللمنظور السياسي الذي يمثله فلا مجال للالتباس فيها, فليس لدى دعاة حزب الله مجال للمساومة مع العدو, سواء كان أمين الجميل أم الولايات المتحدة أم إسرائيل, وهكذا فإن مشاركة بري عام 1982 في لجنة الإنقاذ الوطني ((والتي ليست أكثر من جسر أمريكي إسرائيلي يعبر عليه الكتائب لاضطهاد المستضعفين)) ([232]) هي مبرر كاف لإدانته, وأكثر من ذلك فإن قبوله الاشتراك في حكومة رشيد كرامي في أيار 1982, هي دليل آخر على تغاضيه عن أخطاء العدو, وبالطبع فهي لا يمكن أن تكون إلا كذلك لدى النيو- مانويين من جماعة حزب الله في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية البائسة، وليس أمرًا بلا دلالة أن يقدم حزب الله بالإضافة إلى فضيلة البساطة الأيديولوجية, مردودًا ماليًا مجزيًا, فمهما كبر رهان المرء على محصلة الصراع السياسي على تجسيد الروح المحركة للشيعة, فلا بد من تغذية الجسد, والحقيقة أن حزب الله لا يعاني -على ما يبدو- من عجز في رأسماله العامل, فالمقاتلون يتلقون راتبًا لا بأس به, رغم أنه لا يكفي وحده لتأمين الولاء الثابت فإنه يساعد بالتأكيد على حشد القوة البشرية في اللحظات الصعبة, ومن الناحية الأخرى فإن أمل تعتمد -بالتعارض مع ندها السياسي, الذي يبدو أنه يتمتع بتمويل سخي من إيران- على الشيعة في لبنان كمصدر أساسي لتمويلها, وفي ظل المناخ الاقتصادي المريع الذي يسود لبنان في منتصف 1986 وفي وقت من المحتمل فيه أن يكون راتب عنصر المليشيا هو مصدر الدخل الوحيد المتوفر لعائلته, فإن قدرة حزب الله على تجنيد عناصر متفرغة, بينما الكثير من عناصر أمل إما متطوعين أو غير متفرغين, ليس بالأمر البسيط, بالإضافة إلى أنه راكم من الأسلحة والذخيرة ما يكفي لاعتباره -وفقًا للمقاييس اللبنانية- ميليشيا لا يستهان بها ([233]).

كان لبروز الراديكاليين أثرة العميق على حركة أمل, فرغم أنها لا تزال قادرة على الاحتفاظ بموقعها القيادي, إلا أنها وفي خلال عملية الرد على المنافسين المتطرفين, قد تبنت مواقف أكثر تطرفًا, وما زالت أمل تمثل الوسط في السياسة الشيعية, إلا أن هذا الوسط قد ابتعد كثيرًا عن المكان الذي كان عليه في 1982. إن عملية تجذر الشيعة بشكل عام, وأمل بشكل خاص, تظهر بوضوح في الجنوب, حيث شكل الاحتلال الإسرائيلي دافعًا مهمًا نحو تزايد راديكالية الطائفة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

صنع الأعداء في جنوب لبنان

ما من وجه من وجوه المغامرة الإسرائيلية الفاشلة في لبنان يمثل بوضوح كلي سوء التقدير والسياسة التي ترتد لتهزم صانعيها، بقدر ما تمثلها سياسة إسرائيل في علاقتها مع السكان الشيعة في جنوب لبنان, وليس هذا حكمًا استرجاعيًا نطلقه بعد انقشاع الدخان, بل لعل هذه المحصلة كانت شبه واضحة منذ اليوم الأول للاحتلال ([234]) فلقد فشل صانعوا السياسة الإسرائيلية في إدراك مدلول التطورات الاجتماعية السياسية الشفافة التي مر بها شيعة الجنوب, ويبدو أنهم تجاهلوا تحذيرات من فهمها بالفعل من المستعربين الإسرائيليين ([235]).

فمن بين كافة الحماقات التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان, كانت أخطاؤها في جنوب لبنان هي الأقل ضرورة والأصعب من حيث إيجاد المبرر لها من وجهة نظر التاريخ, بل وربما الأبعد مدى في تأثيرها, فللمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يهزم الجيش الإسرائيلي, لا من قبل جيش عامل, بل على يد مقاومة هشة التنظيم وضعيفة التجهيز.

والمفارقة أن يكون الشيعة هم الذين عقدوا بشكل هائل المأزق الإسرائيلي في لبنان, إذ لم يكن لهم مكان أصلاً في السيناريو الأولي لأريل شارون الهادف إلى إنشاء دولة مارونية في لبنان, وحتى عندما برهن الموارنة عن كونهم حليفًا ضعيفًا وغير مستقر, لعب الإسرائيليون الورقة الدرزية, مع أن الشيعة -وخصوصًا النصف المليون تقريبًا الذين يعيشون في الجنوب- كانوا من نواحي عدة, الحلفاء الموضوعيين لإسرائيل, فقد أدركوا بفعل وجودهم في منطقة حدودية متاخمة لشمال إسرائيل, كما أدرك مواطنوهم من المسيحيين والدروز الجنوبيين, سلامة المنطق البراغماتي الذي يدعو للحفاظ على علاقات سلم مع جار متفوق عسكريًا.

ورغم أن الشيعة كانوا قد أعاروا قواهم البشرية إلى قوات المقاومة الفلسطينية المتمركزة في لبنان قبل الاجتياح بوقت طويل, إلا أنهم تعبوا من دفع ثمن الوجود الفدائي المسلح بين ظهرانيهم, من دمائهم -وأحزانهم وأرزاقهم- وكما رأينا فإنه في عامي 1981 و 1982 انخرط الشيعة في قتال ضار مع الفدائيين محرزين فيه بعض النجاح على الأقل,وفي الواقع فإنه ليس من قبيل المبالغة القول بأنه لو لم تقم إسرائيل بغزوها في عام 1982 لحدثت مواجهة فلسطينية شيعية خطيرة جدًا في لبنان, وذلك كما كان يتوقع قادة أمل في الجنوب, وكما أشارت الصدامات المتصاعدة في عامي 1981-1982, ومن المهم أن نلاحظ أن العديد من القرى التي كانت الأشد صلابة في مواجهة الفلسطينيين برهنت في فترة صعود المقاومة, إثر استطالة إقامة إسرائيل, عن كونها من أهم مراكز المقاومة المناهضة لإسرائيل, مما يشير إلى أن الطائفة الشيعية المعبأة سياسيًا لا ترغب في تحمل أي سيطرة أجنبية, سواء عربية أو أجنبية, وأنها ليست على استعداد لتحمل سلاسل الاحتلال الإسرائيلي بعدما بدأت بنزع الأصفاد الفلسطينية.

ومن المهم أن نشدد على أن حالة العداء الشيعي الإسرائيلي لم تكن حتمية, بل أن تراكم الأخطاء خلال عدة سنوات من الاحتلال الإسرائيلي الأخرق, هي التي استعدت الشيعة, ولولاها لما وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن, ويؤكد هذا الحكم المستعربون الإسرائيليون الذي خدموا كضباط للشئون العربية في جنوب لبنان (والذين رفض صانعوا السياسة الإسرائيلية الأخذ بنصائحهم). يعبر أحد هؤلاء موشي شارون, أكاديمي محترم بشكل واسع, يدرس مادة التاريخ الإسلامي في الجامعة العبرية, عن هذه النقطة بوضوح فيقول: ((إن الوضع الحالي السيء للعلاقات الإسرائيلية الشيعية لم يكن قائمًا مباشرة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 كذلك فإن تطوره إلى ما آل إليه لم يكن أمرًا حتميًا, بل على العكس فقد كان أغلب الشيعة في جنوب لبنان مستعدين لإقامة علاقات سلمية إن لم تكن ودية مع إسرائيل )) ([236]).

منذ نشوء دولة إسرائيل وحوادث العنف بينها وبين الشيعة قليلة بشكل ملحوظ, لم يكن الشيعة يشعرون بالمودة نحو إسرائيل, إلا أنهم لم يكونوا يبادلونها العداء أيضًا, وفي الحقيقة فإن أحد الأوجه المذهلة في تدهور العلاقة بين الشيعة وبين منظمة التحرير, هي أن الأخيرة كانت تتحمل بالإضافة إلى تبعات أعمالها, المسئولية عن الضربات الانتقامية الإسرائيلية أيضًا (سواء جاء الانتقام الإسرائيلي مباشرة بعد العملية أم لا) ولقد كان هناك ما يحمل على الاعتقاد قبيل الغزو الإسرائيلي في حزيران 1982 بأن إسرائيل قد تصل إلى تسوية مؤقتة مع حركة أمل في الجنوب, أضف إلى ذلك أن أغلب قادة أمل الموجودين في الجنوب كانوا يتوقعون ظهور مثل هذا التدبير؛ إذ يملك الطوفان هدفًا مشتركًا يتمثل في منع إعادة إنشاء الدويلة الفلسطينية في الجنوب, وكلاهما يراهن على عودة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة, إلا أن النجاح العسكري قد يولد أحيانًا ثقة زائدة في النفس, يرتد إلى نوع من التعجرف والعنجهية التي إذا ما خالطها شعور بانعدام الأمن قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج كارثية, وهذا هو ما حدث بالفعل في جنوب لبنان، عندما نجحت ممارسات إسرائيل بين عامي 1982 – 1985 في توليد مقاومة فعالة ضدها, انخرطت فيها حشود من الأعداء الجدد.

القراءة الخاطئة للعداء الشيعي لمنظمة التحرير الفلسطينية:

مبهورة بالاستقبال الودي في حزيران 1982 حاولت إسرائيل تجنيد تنظيم أمل في الجنوب كمليشيا تابعة أو حتى بديلة عن مليشيا الرعاع التابعة لسعد حداد, خصوصًا في المناطق التي لا تتمتع فيها الميليشيا العميلة إلا بنفوذ ضئليل, وتفتقر إلى عدد ولو بسيط من العناصر, اعتبر الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية الإسرائيلية (الشين بيت بشكل رئيسي) فيما يمكن وصفه بسوء التقدير الأعظم, أن نفور الشيعة من الفلسطينيين يشكل بحد ذاته دليلاً حاسمًا على إمكانية إقامة علاقات ودية رسمية بين إسرائيل والشيعة في الجنوب, بينما لم يكن في الواقع لدى أغلبية الشيعة الرغبة في استبدال أجنبي بآخر, لكن هذا النمط من التفكير الحالم ليس مفاجئًا, فلقد أعمت نشوة النصر بصيرة صانعي السياسة الإسرائيلية, إلا أنهم لم يخطئوا في تقدير حجم إمكانية الاستفادة المحدودة من سعد حداد كقائد يتمتع بمصداقية في جنوب لبنان, فبغض النظر عن بعض التقارير الأحادية الجانب في إسرائيل والولايت المتحدة, فإن المسئولين الإسرائيليين أدركوا بشكل جيد أن سعد حداد ومليشياه الضعيفة, كانوا كما يقول مستشار في الجيش الإسرائيلي غير مقبولين لدى غالبية السكان, -أي لدى الشيعة- ([237]) وكما لاحظ كلينتون بايلي, أكاديمي إسرائيلي عمل كمستشار في الشئون العربية في جنوب لبنان, في كانون الأول 1982, فإن العناصر الشيعية في مليشيا سعد حداد ليست في نظر بقية أبناء الطائفة سوى حثالة المجتمع الشيعي ([238]).

باءت جهود إسرائيل الخرقاء التي حاولت خلال شهري حزيران وتموز 1982 إلحاق حركة أمل بالفشل, فمل تحاول قيادة أمل الجنوبية إقامة حوار هادئ مع الإسرائيليين, فهي غير قادرة ولا راغبة في السماح لنفسها باتباع نموذج حداد في العمالة الصريحة, يقول فؤاد عجمي, على الشيعة ((أن يكونوا كامرأة القيصر أي فوق الشبهات, فهم متأكدون أن أحدًا لن يغفر لهم إقامة علاقات وثيقة مع الإسرائيليين)) ([239]) ومع ذلك لم تظهر أي أعمال عسكرية ملموسة خلال صيف 1982 ([240]) هذه المرحلة كان عمرها قصيرًا وانتهت مع نفاذ صبر الإسرائيليين من قادة أمل, وقيامها باعتقال ثلاثة عشر مسئولاً حركيًا في صيف 1982 مما بدأ عملية استقطاب استمرت حتى فترة متأخرة من العام 1985.

اعترف المسئولون الإسرائيليون لاحقًا, سواء في مقابلات خاصة أجريتها معهم أم في لقاءات عامة, بأنهم يدركون أنه كان بإمكانهم أن يبذلوا جهدًا أكبر للوصول إلى نوع من الترتيبات العملية مع الشيعة (ومع أمل بشكل خاص).

إلا أنهم لم يتخلوا عن تشككهم في أن توجهًا أكثر تنورًا في العلاقة مع الشيعة ما كان ليسفر عن علاقة أكثر تجانسًا, وهو تشكك صحيح إذا أخذ على نطاق محدود, إذ كان من المستحيل أن يتم التوصل إلى عقد صفقة مع الشيعة ما لم تتخل إسرائيل عن سعيها لإنشاء بنية تحتية تؤمن لها السيطرة على الجنوب (بما يضر بمصلحة الحكومة في بيروت ودمشق) وحتى في هذه الحالة لن يكون الاتفاق إلا اتفاقًا ضمنيًا غير معلن, إلا أن صانعي السياسة الإسرائيلية وخصوصًا أولئك الذين كان لديهم يد في الموافقة على الغزو وفي التهليل له, لم يستسيغوا كلمة ((ضمني)) إذ كانوا يتطلعون إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد الشراكة الصامتة التي كان العديد من قادة أمل على استعداد للقبول بها.

إنشاء بنية تحتية:

أُتبعت المرحلة الأولى بحملة إسرائيلية لإضعاف أمل كحركة ولتجنيد عناصر منها بالإضافة إلى عناصر شيعية أخرى في شبكة من ميليشيات القرى تعمل تحت الإشراف والتوجيه الإسرائيلي, وفي الوقت نفسه رعى الجيش الإسرائيلي عودة عدد من الزعماء الذين طال غيابهم, في محاولة للحد أكثر من نفوذ أمل في المنطقة, فعاد كاظم الخليل, من حزب كميل شمعون (الوطنيين الأحرار) إلى صور بعد غياب سبع سنوات, عندما عاد الخليل في تموز 1982 حاول أن يتصالح مع الحركة, لكن كما قال لي أحد قادة أمل ((فقد تبخرت الصلحة بسرعة على أثر بعض الأعمال الترهيبية العنيفة التي نفذها ابنه بمساعدة الجيش الإسرائيلي)) ([241]) شكل الخليل مليشيا صغيرة من 40 رجلاً بسلاح ولباس إسرائيليين, لكنه كان قد فقد الكثير من نفوذه السياسي, وفي الحقيقة فإن أغلب الجنوبيين يعتقدون أن لا أمل له بالفوز بأي انتخابات تقرب من أن تكون نزيهة, وشكل جزءًا من النسيج المتكامل للحملة الإسرائيلية الهادفة إلى تمزيق الطائفة الشيعية التي لم تستطع أن تسيطر عليها كطائفة.

والمفارقة أن ما كانت إسرائيل تحاول القيام به هو عكس اتجاه قوى التحديث التي دفعت بالشيعة إلى كسر طوق عزلتهم الاجتماعية والبدء بإيجاد هوية مجتمعية, في وقت لاحق لاحظ إسحاق رابين وزير الدفاع الإسرائيلي منذ 1984, أن الوجود الإسرائيلي في لبنان ((أخرج المارد الشيعي من القمقم)).

لكن الأصح هو أن التغيير الاجتماعي الاقتصادي هو الذي فعل ذلك.

فالبرنامج الإسرائيلي كان من الممكن أن يكتب له النجاح في مرحلة تاريخية سابقة, لكن هذه المرحلة بالذات قد أضحت مجرد ذكرى, وذكرى لا يرغب سوى عدد ضئيل من الشيعة باستعادتها.

في مواجهة عدم تعاون قادة أمل أنشأت إسرائيل منظمة مستقلة اسميًا عن قوات حداد دعيت بـ ((الحرس الوطني لقرى الجنوب)) يهدف توحيد المليشيات التي أنشئت في بعض القرى نتيجة للضغط الإسرائيلي, ورغم بعض النجاحات المحلية المؤقتة, فإن المحاولة ككل باءت بالفشل، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى عدم قدرة عملاء إسرائيل وحداد على تجنيد قادة محترمين محليًا.

فحتى لو أراد هؤلاء التعامل مع إسرائيل في مسعى يهدف إلى استعادة الهدوء إلى بلادهم, لما أقدموا, فهم يعون بشكل عميق, حجم المخاطر والمحاذير المرتبطة بهذا العمل, بالإضافة إلى أن معاملة إسرائيل المميزة لمليشيات حداد أشارت إلى عدم رغبتها في إعطاء مطالب الشيعة وزنها الذي تستحقه, وحتى عندما كانت هذه الميليشيات فاعلة لبعض الوقت فهي لم تعد كونها مجرد مجموعات مزروعة ودخيلة يقودها رجال بعيدون جدًا عن التيار السياسي السائد.

أدرك الإسرائيليون أنهم فشلوا, فجددوا خطتهم المليشياوية, وأنشأوا في كانون الثاني 1983 منظمة الجنوب الموحد, التي ما لبث أن تغير اسمها إلى تجمع الجنوب الأوحد (United South Asembly) أو كما عرفت تندرًا فيما بعد بـ (U.S.A) هذا التنظيم, الذي أنشئ على ما يبدو على غرار نموذج روابط القرى في الضفة الغربية, كان من المفترض أن يتألف من لجان قروية من 5-8 أعضاء, على أن تقدم كل قرية حوالي 60 عنصرًا, وبينما لم يلق التجمع أي ترحيب, أدى استخدام التهويل والضغط إلى إنشاء حوالي 30 مليشيا, ففي الصرفند مثلاً, اعتقلت إسرائيل مسئولاً حركيًا محليًا وأبلغت أعيان القرية بأن ثمن إطلاق سراحه هو تشكيل مليشيا في القرية ([242]) ولم يتوفر من يقود هذه المليشيات في العديد من الحالات إلا الذين كانوا قد اكتسبوا لسبب أو لآخر سمعة سيئة في قراهم, ولقد لاحظ العديد من سكان الجنوب أن الذين كانوا يلتحقون بالمليشيات هم ((الشبيحة)) و((القبضايات)) الذين أرهبوا الجنوب لسنوات خلت ([243]) وهكذا حوكمت إسرائيل من خلال من اختارت أن تقترن بهم.

خدمت الميليشيا هدفين إسرائيليين متكاملين, أولاً: قدمت مبررًا للتدخل الإسرائيلي في جنوب لبنان وغطاء يمكن عملاء الاستخبارات والقوات الإسرائيلية من العمل, فلقد كان واضحًا منذ بداية الاحتلال أن إسرائيل قررت إقامة بنية تحتية تمكنها من السيطرة على جنوب لبنان بأقل تواجد بشري ممكن, هذا لا يعني أن إسرائيل كانت تسعى إلى ضم الجنوب بل إلى أنها كانت تنوي أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة (وبأرخص سعر ممكن). ثانيًا وهو ما قد يفسر مورفولوجية هذه المليشيات الإسرائيلية المنشأ التي وإن شكلت بالإكراه إلا أن إسرائيل كانت تأمل في أن تتحول إلى أجهزة تابعة اسميا للحكومة اللبنانية (الأنصار) بينما تحافظ علىولائها الفعلي لإسرائيل, إذ كانت إسرائيل تعد العدة مسبقًا حتى تكون قوات الأنصار التي نصت اتفاقية السابع عشر من أيار على تشكيلها ([244]) ميليشيا تابعة لإسرائيل بغطاء شرعي لبناني, وهكذا يمكننا إدراك مغزى إعادة تسمية الحرس الوطني في أيار 1983 ((بأنصار جيش لبنان الحر)) أو باختصار الأنصار, مما يجعلها تحمل الاسم نفسه للميليشيا التي أنشأتها الحكومة اللبنانية على الورق إلى حد كبير, قبل عشر سنوات من تاريخه وهي مناورة نفسية ذكية ([245]) إلا أنه من المشكوك فيه أن تستطيع أي مليشيا أن تلعب دورًا فعالاً في غياب الرعاية الإسرائيلية, فهذه الأجسام الغريبة ليست بالنسبة إلى غالبية الشيعة سوى رمزًا لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي وقد أصبحت مع ازدياد قوة المقاومة هدفًا رئيسيًا لهجماتها.

شهد أواخر العام 1982 حدوث بعض العمليات الثانوية والمتباعدة إلا أن الوضع في الجنوب بقي هادئًا نسبيًا حتى ربيع 1983 حين أصبح من الواضح أن الاحتلال الإسرائيلي ينوي البقاء فترة طويلة, وهو ما أثبتته اتفاقية السابع عشر من أيار, التي اعتبرت بشكل واسع نوعًا من تسليم السلطة في الجنوب إلى إسرائيل ([246]) شكل عدد من رجال الدين المحليين خلايا محلية صغيرة, يصعب اختراقها, أمثال الشيخ راغب حرب (الذي اغتيل في شباط 1984) من جبشيت والشيخ عبد الكريم شمس الدين من عرب صاليم, والسيد علي مهدي إبراهيم من عدلون, تألفت هذه الخلايا من الشباب المحلي المناضل الذين برهنوا على عدائهم الشديد للاحتلال الإسرائيلي, الأمر الذي دفع عدد من أعضاء أمل ومناصريهم للالتحاق بهم.

بدأت قيادة أمل في بيروت, يدفعها القلق من جراء جذب الراديكاليين لمناصريها في بيروت والجنوب على السواء بتبني خط أشد كفاحية في مواجهة جيش الدفاع الإسرائيلي وفي غضون ذلك كان الضغط على قيادة الجنوب يشتد شكل شهر تشرين الأول 1983 نقطة تحول رئيسية على غير صعيد, فهو الشهر الذي ارتكبت فيه إسرائيل إحدى زلاتها الرئيسية, في 16 تشرين الأولى 1983, كان الشيعة يحيون ذكرى عاشوراء (العاشر من شهر محرم) ذكرى استشهاد الإمام الحسين حفيد الرسول في عام 680 ميلادية وأهم يوم ديني في السنة لدى الشيعة, فهو يوم العاطفة الهائلة اليوم الذي يستشعرون فيه مدى معاناة الحسين وشجاعته في مسيرته النضالية ضد الظلم والطغيان, وتعتبر النبطية المركز الأهم للاحتفال بهذه الذكرى في لبنان, وهي بلدة جنوبية مهمة, والمركز الديني لجبل عامل, ففي ذلك اليوم ذي الأهمية الروحية الفائقة, حاولت قافلة عسكرية إسرائيلية اختراق شوارع النبطية التي احتشد فيها ما يزيد عن 60 ألف محتفل بالذكرى والنتيجة بالطبع معروفة, رأى الشيعة في وجود الشاحانات الإسرائيلية نوع من الازدراء بعاشوراء فردوا بعدائية هائلة وأمطروا القافلة بالحجارة وقلبوا الشاحنات, مما ألقى الذعر في قلوب الإسرائيليين فبدأوا بإطلاق النار من أسلحتهم, فقتل شيعيان على الأقل وجرح عدد آخر.

قد تبدو هذه الحادثة بسيطة في بلاد فقدت 19 ألف قتييل على يد الغزاة الإسرائيليين, إلا أنها اتخذت أبعادًا هائلة, إذ اعتبرها الشيعة في لبنان رمزًا لانتهاك الحرمات الدينية المقدسة, وتحولت إلى صرخة استنهاض ضد الاحتلال الإسرائيلي, يقول المستعرب الإسرائيلي موشى شارون: إن صديقًا شيعيًا له قد نبهه إلى ضرورة عدم تحول إسرائيل إلى عدو للشيعة, وعدم التحاقها بركب سافكي دماء الحسين, قائلاً: ((لا تنضموا إلى قاتلي الحسين؛ لأنكم إذا حملتم الشيعة على المماهاة بينكم وبين تاريخ معاناتهم فسيوجه نحوكم عداء لا حدود له, وستكونون قد خلفتم لأنفسكم عدوًا تكتسي عدائيتة طابعًا روحيًا صوفيًا وتتميز بزخم لن تتمكنوا من جمحه)) ([247]).

ومع ذلك, جاءت حادثة النبطية بالرمز الذي يستعيد الماضي, ولاحظ قادة رجال الدين بسرعة العلاقة البينة بين إحياء ذكرى استشهاد الحسين والانتهاك الإسرائيلي, فأصدر الشيخ محمد مهدي شمس الدين فتوى (تفسير أو تأويل مرجعي لواجب ديني) في 17 تشرين الأول 1983 يدعو فيها كافة الشيعة إلى مقاومة مدنية شاملة ضد القوات الإسرائيلية ونبه الشيعة إلى أن الذين يتعاطون مع الإسرائيليين مأواهم جهنم.

ويبدو أن هذه الفتوى, بالإضافة إلى فتاوى أخرى صدرت في الوقت نفسه كفتوى علماء جبل عامل وفتوى المراجع الدينية في صيدا, قد حكمت بالفشل على الاحتلال الإسرائيلي في لبنان ([248]). وانضمت حادثة النبطية على صغر حجمها وعدد ضحاياها, إلى مثيلاتها من الأحداث التاريخية التي توفر مادة الشعارات الثورية وصرخات الحرب, مجسدة (كحادثة دنشواي في مصر عام 1906, ومعركة بانكر هيل في أمريكا) الاستياء والغضب المتنامي في جنوب لبنان.

في يوم الجمعة الذي تلا الحادثة 21 تشرين الأول, أدان رجال الدين المسلمون الإسرائيليين في المساجد في جميع أنحاء البلاد, وجاءت الخطبة الحماسية للشيخ عبد الأمير قبلان المعروف بسياساته المعتدلة وعلاقته الوثيقة بحركة أمل وغريزته الفطرية في التقاط المزاج الشعبي لتضمن وصول الرسالة إلى الجميع:

((إذا وجهنا جميع بنادقنا وقدراتنا وإمكانياتنا ضد العدو الإسرائيلي فسننتصر, كلكم تعرفون ما حدث يوم الأحد في كربلاء لبنان, كربلاء جبل عامل, كلكم تعرفون الاضطرابات التي حدثت في عاشوراء.

إن هذا السيف (سيف الشيعة) لم يحسب حسابًا أن هناك بالونات حرارية وأن هناك جاذبية وآلات مدرعة, فتخطى كل الاعتبارات والخطط العسكرية فإذا بالسيف والكف واللحم العاري يقول: لا للاحتلال, ويؤكدون من جديد كلام الإمام الصدر أن إسرائيل شر مطلق. انتفاضة النبطية أكدت من جديد أن لا حول ولا قوة إلا بالله, فلا حماة ولا دعاة إلا لمن كان مطيعا لله, فعلينا أن نجعل من درس النبطية درسا لكل اللبنانيين وعلينا التعاون من جديد لنعيد اللحمة بيننا)) ([249]).

قبل حادثة عاشوراء كان الكثير من الهجمات على الإسرائيليين تنفذ من قبل مجموعات صغيرة منشقة, إلا أن الحادثة كانت بمثابة دعوة إلى حمل السلاح لدى العديد من الذين كانوا قد تجنبوا المشاركة الفاعلة, ووجد العديد من قادة أمل, يدفعهم الحرص على عدم تفتت حركتهم الذي يلوح في الأفق وتحضهم الفتوى, أن لا خيار أمامهم إلا تعزيز كفاحيتهم ضد الجيش الإسرائيلي, ونتج عن ذلك ازدياد ملحوظ في عمليات المقاومة, حتى قدرت مصادر مسئولة أنه في عام 1984 كان جندي إسرائيلي واحد يقتل أو يجرح يوميًا في الجنوب, ويشير تقدير للأمم المتحدة أن الإسرائيليين كانوا يواجهون هجومين يوميًا منذ أوائل 1984 وأن المعدل ازداد طوال عام 1984 ([250]).

في تشرين الثاني 1983, ظهر حجم الفشل الإسرائيلي عندما عقد رجل شيعي, كانت إسرائيل قد اختارته قائدًا للفرقة الشيعية, مؤتمرًا صحافيًا في إحدى ضواحي بيروت, ليعلن أنه كان مضللاً من قِبل الإسرائليين وأنه يسعى للانضمام إلى حركة أمل ([251]) قبل ذلك بشهر واحد وتحديدًا في 5 تشرين الأول 1983 كان القائد السابق للفرقة (التي ذكر أنها تتألف من 270 رجلاً) المدعو حسين وهبي قد لقي مصرعه في تفجير سيارة في بلدة عدلون في الجنوب ([252]).

وفي كانون الثاني 1984, مات سعد حداد قائد الميليشيا الإسرائيلية التجهيز والتدريب والإشراف بمرض السرطان, وعندما لم تجد إسرائيل في الجنوب خليفة له يتمتع ولو بقسط من المهابة والفاعلية سواء لدى الشيعة أم لدى غيرهم, قام أوري لوبراني, منسق الشئون الإسرائيلية في لبنان, بالتنسيق مع بعض كبار المسئولين العسكريين اللبنانيين بالاتفاق مع لواء مسيحي متقاعد هو انطوان لحد للحلول محله ([253]) تخرج لحد من الكلية الحربية اللبنانية في عام 1952 وخدم في الجنوب حتى بداية الحرب الأهلية في عام 1975, ولحد شمعوني من بلدة دير القمر في الشوف, وفي الواقع فقد يكون داني شمعون صديق شخصي مقرب من لحد, الذي نشط في الجنوب منذ عام 1983, قد لعب دورًا رئيسيًا في تعيينه قائدًا للقوة التي أعيد تسميتها منذ ذلك الحين بجيش لبنان الجنوبي, ومن الجدير بالملاحظة أيضًا أن لحد شريك بالأعمال لإبراهيم طنوس القائد الماروني للجيش اللبناني حتى أوائل عام 1984.

وبينما علق المسئولون الإسرائيليون آمالاً كبيرة -أقله علنًا- على إمكانية أن يقوم جيش لبنان الجنوبي بالعديد من مهام الجيش الإسرائيلي, إلا أنه كان من الواضح أن هذا النجاح ليس بالأمر المتوقع, إن جيش لحد الذي يتألف من حوالي ألفي رجل على الأكثر 80% منهم موارنة, والباقي ينقسم بشكل شبه متساوي بين الدروز والشيعة, ليس بالمليشيا التي يحسب لها حساب فهي لا تضم إلا قلة من العناصر التي تلقت تدريبًا حسنًا في حين أن الأغلبية لم تلق أي تدريب على الإطلاق, وأعضاؤها في الكثير من المواضع هم الذين لم يستطيعوا -إما لصغر سنهم أو لكبره- أن يخرجوا للبحث عن رزقهم خارج نطاق قراهم, وهي تعتمد, كما كانت على أيام حداد, بشكل حاد على الدعم الإسرائيلي, وتأتمر بأوامر عملاء المخابرات الإسرائيلية, الذين يحرصون على البقاء في الظل.

وبينما كانت قوات حداد تتألف أساسًا من عناصر مسيحية نظامية عينت في الجنوب قبل الغزو الإسرائيلي لعام 1978, وهم رجال كانوا يمتلكون تفهمًا معقولاً لضرورة الوفاق الطوائفي ونادرًا ما أثاروا حساسيات الشيعة, لم يبق منها في جيش لحد سوى عدد قليل جدًا, مما جعله يتشكل أساسًا من عناصر القوات اللبنانية المارونية, التي حلت محلها, والتي دعمت بعناصر أخرى من جبل لبنان انتقلت إلى الجنوب بعد الاجتياح الإسرائيلي ([254]). كانت القوات اللبنانية في عام 1982 وفي جزء من العام 1983 تعمل -خصوصًا في منطقة صيدا- كمنافس لسعد حداد, على كيل الضربات الانتقامية للفلسطينيين, ولقد كانت هذه الأعمال المزرية واللا إنسانية للقوات اللبنانية في المخيمات الفلسطينية وضد أعضاء أمل من الخطورة بحيث أثارت قلق المسئولين في الحكومة اللبنانية والمسئولين الأمنيين الإسرائيليين في آن. ذكر الصحافي روبن رايت, المتمكن في شئون جنوب لبنان, أن تقريرًا سريًا للحكومة اللبنانية نبه مسبقًا إلى أن استفزازات القوات اللبنانية تساعد على جعل احتمال نشوب القتال الشيعي الماروني في أي لحظة هو الاحتمال الأكثر جدية, ([255]) ولقد أعربت إسرائيل عن قلق مماثل, فطالبت الوحدات المسيحية بمغادرة الجنوب في تموز 1983.

وبحسب ناطق باسم القوات اللبنانية فإنها لم تمنحهم سوى أربع وعشرين ساعة ينهون فيها انسحابهم ([256]) بالطبع سهل رفض القوات اللبنانية, التعاون مع سعد حداد وتفضيلها العمل بشكل مستقل عنه, على إسرائيل اتخاذ مثل هذا القرار لكن رغم إغلاق المكاتب التنظيمية الرسمية فإن عددًا من العناصر بقي في المنطقة, منهم من التحق بالمليشيا التابعة لإسرائيل ومنهم من عمل مرتزقًا لحسابه الخاص, لم تتحسن حظوظ لحد بالنجاح بدخول عناصر من القوات اللبنانية إلى مليشياه, ومن المهم أن نلاحظ أن العلاقات الشيعية المارونية تدهورت بشكل خطير بفعل التجاوزات التي مارستها العناصر المارونية المستوردة ولقد فاقم هذا الأمر العداء الشيعي لإسرائيل, فالقرى المارونية نعمت تاريخيًا بعلاقة حسن الجوار مع المحيط الشيعي المجاور المتفوق عدديًا, إلا أن محاولة القوات اللبنانية الفاشلة في مد نفوذها إلى الجنوب ساعدت على تسريع عملية تراجع الموارنة والشيعة إلى هوياتهم الطائفية وخلق حالة من العداء لم تكن موجودة قبل عام 1982, وبسبب هذه التطورات فإن حماية القرى المارونية من شيعة يرغبون في الانتقام هي إحدى أولى مهام حفظ السلام, إذا ما قدر للجنوب أن ينعم يومًا ما بالسلام.

في ضوء الحالة المتدهورة التي واجهت الإسرائيليين وعملائهم, فقد تصلح هذه التعليقات لصحافي إسرائيلي للنقش على ضريح الجهود الإسرائيلية في الجنوب: ((صحيح أن القرى والبلدات في جنوب لبنان قد استقبلتنا بالورود والأرز, إلا أنهم يستقبلوننا الآن بالقنابل اليدوية والمتفجرات, لقد حدث شيء ما للطائفة الشيعية, ودباباتنا وناقلات جنودنا المدرعة لم تعد تقابل بالابتسام واللامبالاة, وفرحهم بوصولنا كشعب خلصهم من عبئ الإرهابيين تغير مع الوقت إلى كراهية لاهبة, ويجب ألا نستغرب ذلك فلقد تصرفنا كحكم عسكري بكل ما يتطلبه ذلك, وسببنا معاناة كبيرة للسكان)) ([257]).

ومع استطالة الوجود الإسرائيلي في لبنان من أشهر إلى سنوات, تزايدت صعوبة عمليات الخلاص, والمفارقة هي أنه بإجبار قيادة الحركة على تعزيز كفاحيتها كانت إسرائيل تساعد على قيامة هذه القيادة, كما قام المسيح من بين الأموات؛ إذ كان بعض القادة مثل داود سليمان ­داود من العباسية, قد حاولوا حتى بعد حادثة النبطية, أن يقفوا فوق النزاع, لكن مع ازدياد العنف ومع اتضاح دور الحركة المتزايد باطراد بدأ الإسرائيليون بملاحقة المعتدلين, ومع إجبار أشخاص مثل داود على النزول تحت الأرض, عُمِّد هؤلاء قادة للمقاومة, وتمكنوا بالتالي من استلام زمام الأمور مجددًا في الحركة, وهكذا فإن حملة من أجل تدجين وتفتيت حركة أمل جعلت منها عدوًا لدودًا ثابتًا.

إدراك الورطة:

منذ مطلعها تقريبًا وسنة 1984, هي السنة التي تحطمت فيها السياسات القائمة على الأوهام والخداع الذاتي على صخرة الحقيقة الباردة المتمثلة بالتطورات التي حدثت على الأرض في لبنان, مات سعد حداد في كانون الثاني تاركًا فراغًا يصعب ملؤه, وردت حركة أمل وحلفاؤها في شباط على قصف الحكم لإحياء الشيعة في محيط بيروت بالاستيلاء على بيروت الغربية, كاشفين زيف ادعاء أمين الجميل بأنه أكثر من مجرد زعيم سياسي ضيق القاعدة, وترافق ذلك مع نداء لنبيه بري, لقي استجابة واسعة, يدعو فيه الجنود الشيعة لإلقاء سلاحهم مما حول الوحدات ذات الأغلبية الشيعية في الجيش إلى تشكيلات نظامية تابعة لأمل, وفي منتصف الشهر نفسه انسحبت القوات المتعددة الجنسيات من لبنان أثر تلقيها -خلال الخريف الفائت- لعدة ضربات انتقامية على يد السائقين الانتحاريين, حاملة معها الذكريات المريرة الحافلة بالموت والدمار.

مع انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من لبنان, كان من السهل رؤية أن سوريا قد استعادت مركزها كقوة مسيطرة في لبنان فسارعت الحكومة اللبنانية الضعيفة, في آذار إلى التكيف مع الحقائق الجديدة الناتجة عن إعادة توزيع السلطة في لبنان ملغية اتفاق السابع عشر من أيار, وبعد ذلك بشهرين تكررت المحاولات لحمل نبيه بري, الذي كان قبل فترة قصيرة زعيمًا منبوذًا لطائفة منبوذة, على الاشتراك في حكومة الوحدة الوطنية, وكان الثمن الذي طلبه بري للاشتراك في الحكومة الجديدة يتمثل في إنشاء وزارة للجنوب يتولاها بنفسه, مما وضعه في مواجهة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

بدأت حركة أمل, مدفوعة بأحداث النبطية في الخريف السابق إضافة إلى نشاط أخصامها السياسيين في محاربة إسرائيل, في لعب دور فاعل في محاربة الوجود الإسرائيلي في الجنوب, طوال عام 1984 كان الاستياء من إسرائيل يزداد وفق متواليات هندسية تقريبًا, ومع تطبق إسرائيل لإجراءات أمنية هدفت إلى تعزيز سلامة قواتها, خلقت صعوبات اقتصادية جديدة وتمزقًا مجتمعيًا لم يشهد الجنوب مثله في أي وقت مضى, فبعد نسف مقر مخابراتها في صور في تشرين الثاني الفائت بدأت إسرائيل بعزل الجنوب عن بقية لبنان, جاعلة العبور إلى القطاع الذي تسيطر عليه عملية مضنية تستهلك وقتًا طويلاً ما لبثت أن فاقمت الأشياء وأعاقت التبادل التجاري بشكل خطير, وفي الوقت نفسه كانت إسرائيل تواصل إغراق الجنوب بمنتجاتها الزراعية بأسعار لم تتمكن الفاكهة والخضر المحلية من منافستها ([258]).

وبحلول منتصف العام كان يمكن قراءة الديناميات الخطرة للوضع في الجنوب بسهولة فائقة, فمع استمرار الاحتلال بأثره السلبي على الاقتصاد والاستقرار السياسي في المنطقة فقدت الثقة بمزايا الاعتدال وأفسح في المجال أمام التطرف, وأي حزب يحاول العمل على استتباب الأمن والنظام, كان يعتبر مجرد أداة مكملة للوجود الإسرائيلي, وهكذا دفعت ضرورات البقاء السياسي والمادي قادة وسطيين إلى المقاومة, وبنتيجة ذلك لم يجد الإسرائيليون قائدًا شيعيًا واحدًا يرغب في الرد على مبادرتهم الهادئة, وبحلول شهر آب كانت أمل قد برهنت عن كونها عدوًا رهيبا يمتلك القدرة على إلحاق الخسائر بالإسرائيليين وعملائهم, (لاحظ رابين في كانون الأول 1984, أن أمل مسئولة عن 80% من الهجمات في الجنوب) وبلغ مجموع القتلى من الإسرائيليين في لبنان في الفترة الواقعة بين شهري آب 1983 وآب 1984  72 جنديًا لقي أغلبهم مصرعه على يد المقاومة في الجنوب.

ومع تزايد قوة المقاومة صعدت إسرائيل من إجراءاتها المضادة ومنحت مزيدًا من حرية التحرك لعناصر الشين بيت العاملين في المنطقة, فأصبحت العناصر المشتبه بانتمائها للمقاومين هدفًا للاعتقال أو -وكما أفادت مصادر متعددة- القتل ورغم كون معظم الاغتيالت السياسية لم تخلف وراءها سوى ظلال من الشك, إلا أن بعضها عولج بطريقة غير متقنة فاضحة بالتالي دور الشين بيت في تنفيذها, ففي 14 حزيران 1984 مثلاً, اغتال عملاء الشين بيت بدم بارد مرشد محمد النحاس (أصيب بجراج قبل بضعة سنوات في صدام مع منظمة التحرير) في قرية بدياس الجنوبية, ولم يحط بهذه القضية أي غموض بخلاف القضايا الأخرى, فقد غطتها الصحافة بشكل واسع وأكدها جنود اليونفيل الذين راقبوا حركة ثلاث سيارات محملة بعناصر الشين بيت وهي تدخل القرية ([259]) أدى مقتل نحاس واغتيال حسن الساحلي (الذي لعبت عائلته دورًا فاعلاً في المواجهة مع منظمة التحرير الفلسطينية) في 11 حزيران 1984, إلى نتائج عكسية تمامًا, بما أنهما وفرا دليلاً إضافيًا على نية إسرائيل بتصفية العناصر التي تسعى إلى تحرير الجنوب من أي نفوذ أجنبي, استغلت المقاومة اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى الرد على الهجمات المسلحة بتضييق الخناق على القرويين لدفعها إلى القيام بهجمات على قرى لم تعرف باشتراكها بالمقاومة من قبل.

بعد انتخابات تموز التي جاءت بشيمون بيريز إلى رئاسة الوزراء وإسحاق رابين إلى وزارة الدافع برزت تغيرات أساسية في أهداف إسرائيل المعلنة في لبنان, أهمها تصميم بيريز ورابين على الانسحاب من الجنوب, لكن عدة أشهر مضت قبل أن تنعكس سياسة الحكومة الجديدة على الأرض, وهكذا بينما شهد عام 1984 تقلصًا متزايدًا للأهداف الإسرائيلية في لبنان -خصوصًا بعد إلغاء اتفاقية 17 أيار والانتخابات الإسرائيلية في تموز- لم يدرك بيريز ورابين مدى خطورة المأزق الإسرائيلي في لبنان إلا في أواخر العام نفسه, فبعد محاولة غير ناجحة للتوصل إلى ترتيبات عملية مع حركة أمل -بما في ذلك اقتراح هدنة في تشرين الثاني 1984- ([260]) بدا واضحًا أنه لا مجال للارتياح إلا عبر الخروج من المستنقع الجنوبي, وفي الواقع فقد خضعت الحسابات الإسرائيلية لتغيير هام, فحتى أواخر عام 1984 كان الإسرائيليون يضعون المعضلة في الإطار التالي:

نريد أن نخرج لكن كيف يتسنى لنا ذلك في ظل المحاذير الأمنية, إلا أنه في أواخر عام 1984 أصبح السؤال على الشكل التالي, كيف يمكننا أن نبقى رغم كل مخاطر البقاء, ولقد تزامن ذلك مع تزايد راديكالية الشيعة وازدياد تقبلهم بالتالي إلى طروحات القادة المتطرفين من خارج حركة أمل, أكثر من ذلك, كان القادة الوسطيون يندفعون بالضرورة وبفعل ضغط المزاج الشعبي نحو تبني موقفًا أكثر نضالية بكثير في مواجهة إسرائيل, وباختصار, فإن الأفق الوحيد لتطور الوضع على الأرض كان يتجه إلى مزيد من التدهور, وبدا احتمال القيام بهجمات داخل إسرائيل أكثر واقعية من أي وقت مضى.

في 18 كانون الثاني 1985 نجح بيريز في الحصول على موافقة مجلس الوزراء على خطة انسحاب ممرحل من لبنان, قامت جزئيًا على حقيقة كون الأغلبية العظمى من الشيعة هم أعداء لإسرائيل في لبنان وليسوا أعداء لإسرائيل في حد ذاتها. ([261]) وحاول المسئولون الإسرائيليون -وخصوصًا أورى لوبراني منسق السياسة الإسرائيلية في لبنان طوال مراحل الانسحاب الثلاث- التوصل إلى اتفاق مع حركة أمل, وكما أخبرني لوبراني نفسه في كانون الأول 1984, لم تكن إسرائيل تريد من أمل إلا تحمل مسئولية الأمن في الجنوب، وبحسب تعبيره فقد أرادت أن تجد من تسلمه المفاتيح, لكن تنافس أمل على الساحة اللبنانية مع الأحزاب الشيعية الراديكالية بالإضافة إلى شك أصيل في النوايا الإسرائيلية قضى على أي إمكانية للتوصل إلى أي اتفاق مع إسرائيل.

أدى رفض حركة أمل إلى ازدياد الإحباط في إسرائيل الأمر الذي, أدى بدوره إلى نتائج كارثية على بعض القرى الجنوبية التي عانت من ثقل وطأة الدرس العملي الإسرائيلي المسمى بالقبضة الحديدية, فقد شنت القوات الإسرائيلية حملة قمع وحشي لتظهر للناس ما الذي سيعاني الجنوب منه إذا استخدم كقاعدة انطلاق للهجمات ضد إسرائيل, ولقد أوضح رابين هذه النقطة عدة مرات لمن فاته إدراكها ففي مقابلة له نشرت في آذار قال: ((نريد أن نؤكد للقيادة الشيعية بأنه ليس أمامهم سوى خيارين فقط إما أن يسيطر الهدوء على جانبي الحدود, وإما وفي حال مهاجمتهم لنا تعطل حياتهم بطريقة ترغمهم على التعايش السلمي معنا. تمامًا كما توصلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاستنتاج نفسه تقريبًا, في عام 1981 إشارة إلى وقف إطلاق النار الذي التزمت فيه منظمة التحرير الفلسطينية في تموز 1981 إلى أيار 1982)) ([262]).

تزامن ذلك مع استمرار إسرائيل بالسعي إلى عقد اتفاق مع أمل دون أن تتخلى عن تصعيد سياسة العنف, ولقد ظهر نفاذ صبر إسرائيل في الدعوة إلى عقد اتفاق سري بين أمل وإسرائيل وجهها لوبراني عبر صحيفة النيويورك تايمز, وهي منبر غير تقليدي على الإطلاق للدعوة إلى مفاوضات سرية ([263]).

أما أمل فكانت ترسل من جهتها إشارات معينة, فقد أعلن مسئوليها في الربيع عن معارضتهم للهجمات الموجهة ضد إسرائيل من جنوب لبنان, كان داود داود (المعروف منذ عام 1980 على الأقل بمعارضته الحازمة للوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان) يتحدث بالنيابة عن الكثيرين من الشيعة الذين يشاطرونه الرأي عندما أعلن أن للفدائيين ملئ الحرية في العمل من أجل فلسطين داخل فلسطين نفسه لا انطلاقًا من جنوب لبنان: ((يمكنهم إذا أرادوا أن ينظموا خلايا مقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة لا في جنوب لبنان, فشعبنا في الجنوب بأغلبيته الشيعية قد عانى بما فيه الكفاية من جراء الحرب الفلسطينية الإسرائيلية)) ([264]).                                      وأوضح داود -وهو قائد حركي يحظى باحترام واسع وتنبع شعبيته لا من دوره كواحد من أول مرافقي ومعاوني الإمام موسى الصدر فحسب بل وبفضل نزاهته ونكرانه لذاته أيضًا- بما لا يقبل الشك أن أمل لن تتوقف عن مهاجمة الجيش الإسرائيلي وعملائه في لبنان إلا أنه أكد أيضًا على عدم السماح بالهجمات على الأراضي الإسرائيلية, أو استخدام الأسلحة غير المباشرة وخصوصًا صواريخ الكاتيوشا, ضد الحزام الأمني الإسرائيلي, ويبدو أنه يستند إلى كون استخدام هذه الأسلحة في الجنوب يؤدي إلى استفذاذ إسرئيل؛ لأنها تربط ما بين هذه الأسلحة والهجمات التي كانت تشن على مستوطناتها وبلداتها الحدودية: ((أنا ضد أي قصف من المناطق المحررة إلى المناطق المحتلة, لقد قلت لرجالي أن يذهبوا إلى المناطق المحتلة ويواجهوا الإسرائيليين وجهًا لوجه ويطلقوا النار عليهم من مسدساتهم فهي أكثر فعالية بكثير من إطلاق القذائف من الخارج)) ([265]).

لم يكن رفض أمل لعودة منظمة التحرير مبنيًا فقط على العداء الناتج عن أكثر من عشرة سنوات من تحمل اليد الغليظة لمنظمة التحرير الفلسطينية بل ولتقديرها وفقًا لحسابات براغماتية أن إسرائيل جدية في تهديدها وأن الشيعة هم الذين سيدفعون ثمن الأعمال العسكرية الإسرائيلية, وهو ما أوضحه عاكف حيدر أكثر من مرة.

((لا لبنان ولا حركة أمل يملكان القوة الكافية لأخذ موقف فيما يتعلق بالمشاكل التي تقسم الفلسطينيين, لقد أيدنا دائمًا وحدة المقاومة الفلسطينية وسوف ندافع عن القضية الفلسطينية حتى النهاية, لكن وجودهم على الأراضي اللبنانية هو مسألة أخرى, إذ لا يوجد بعد الآن أي مكان للفلسطينيين المسلحين في لبنان, إن تحرير لبنان هو مشكلة لبنانية, إننا نشكر الجميع على مساعدتهم لنا, إلا أننا قادرين على التصدي لها بأنفسنا, إننا نرحب بوجود فلسطيني مدني طالما أن مشكلتهم لم تحل, ونقدم لهم إمكانية العمل السياسي والدبلوماسي, لكن على إخواننا الفلسطينيين في المخيمات أن لا يحملوا السلاح)) ([266]).

ذكر القتال الدامي الذي دار داخل المخيمات الفلسطينية وبينها وبين محيطها خلال عامي 1985-1986 أن ملاحظات حيدر لم تكن مجرد تهديد فارغ, وبينما تكبدت أمل خسائر فادحة لم يكن معنى الاشتباكات يحتمل أي لبس, إن أمل لا تنوي السماح بعودة الدور العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي قد لا يقتصر على مواجهة حملة أمل الهادفة لإخضاع أخصامها من السنة في بيروت الغربية, ولكنه قد ينتقل أيضًا إلى الجنوب, خلص نبيه بري هذا الخوف بقوله: ((ما يحاول الفلسطينيون عمله هو تهيئة المسرح للعودة إلى الجنوب وبصراحة لن نسمح بحدوث ذلك)) ([267]).

وفي الجنوب أرفقت أمل كلامها بتبليغ الفلسطينيين في المنطقة رسالة واضحة المضمون ([268]). فقامت بتنظيم حركة الدخول والخروج من وإلى المخيمات, وعمدت في مناسبة واحدة على الأقل بحركة معدة للفت الأنظار, إلى محاصرة مخيم البص قرب صور, لتتأكد من أن الرسالة قد وصلت إلى ساكنيه, وقامت للغاية ذاتها بالرد على نشاطات حزب الله, مجردة الراديكاليين من سلاحهم ومانعة شحنات السلاح من الوصول إلى الجنوب (مما دفع حزب الله إلى الدعوة إلى جبهة مقاومة متحدة تستثني حركة أمل) ولقد أعلن كبار المسئولين الإسرائيليين حتى قبل سحب الكتلة الإسرائيلية الرئيسية في حزيران 1985، أن أمل تقوم بدور نشط ضد المتطرفين الساعين إلى مهاجمة إسرائيل. ([269]) ولكن رغم إشارات أمل الواضحة, إضافة إلى إظهارها نيتها في الحفاظ على السلام, لم تشأ إسرائيل أن تترك أمنها في يد غيرها, فبدلاً من الانسحاب الكامل آثرت الاحتفاظ بشريط حدودي, أكبر إلى حد ما من الذي كان تحت سيطرتها منذ عام 1978 حتى اجتياح 1982.

طوال عام 1985 كانت قوات لحد تشهد عمليات فرار جماعية تزامنت مع تعرضها لأكثر من 100 عملية شهريًا, في المعدل (تخى عدد العمليات في شهر آذار المائتي عملية) تتراوح بين حوادث القنص وصولاً إلى الألغام المفجرة لاسلكيًا والكمائن, وفي حزيران بات واضحًا أن لحد لن يتمكن بقدراته الذاتية من السيطرة على الشريط الحدودي، فعززت إسرائيل قوته بـ 400 مستشار يشكلون حوالي 25 % من حجم ميليشياه, بالإضافة إلى ذلك تم نشر من كتيبة ميكانيكية إلى اثنتين مع إسنادها المدفعي في القطاع الشرقي من المنطقة الأمنية, كانوا لا يزالون في أماكنهم في نهاية عام 1985, وقال أحد المراقبين المرموقين بعد التقائه ببعض المجندين الشيعة الجدد في مليشيا لحد: ((إنها المرة الأولى التي يتسنى فيها لأحد أن يرى شيعيًا يرتدي اليرملوك (القلنسوة اليهودية))) ([270]).

الفخ:

يبدو, في الظاهر أن لأمل وإسرائيل عدد من المصالح المشتركة في جنوب لبنان, فرغبة أمل في عودة الهدوء إلى الجنوب تعادل إصرار إسرائيل على المحافظة على استقرار حدودها الشمالية, وكلا الطرفين لا يبدي استعدادًا حتى للنظر في إمكانية عودة الوجود الفلسطيني العسكري الفاعل إلى الجنوب وكلاهما, مصمم على منع حدوث أي انتصار شيعي راديكالي في المنطقة أو حتى في لبنان كله, فتحدي حزب الله يلقي بثقله على جانبي الحدود.

لقد أدركت إسرائيل ولو متأخرة أن التيار الرئيسي في حركة أمل يشكل قوة سياسية وسطية لا ترغب في استثارة الهجمات الإسرائيلية على لبنان, ومن الناحية الأخرى فقد كانت دروس الاجتياح قاسية على أمل كما على كافة اللبنانيين في الجنوب, فمهما بلغت قسوة سياسة القبضة الحديدية إلا أنها نجحت في إظهار إسرائيل كقوة قادرة على اتباع سياسة لا تعرف الرحمة في الدفاع عن النفس مثلها مثل أي دولة شرق أوسطية أخرى.

من الواضح أن أمل وإسرائيل وقعتا في فخ يشبه الملزمة (الكماشة) بحيث لا يستطيع أي منهما بإرادته الذاتية أن يخرج منه إذ تتحكم بالطرفين القوى الاجتماعية الشعبية التي تحدد حرية كل منهما في الحركة, فالثمن الذي تطلبه إسرائيل للانسحاب الكامل من لبنان هو عملة لا تتعامل أمل بها -أي إبرام صفقة مع إسرائيل- فلو وافقت أمل بشكل علني على الترتيبات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل لجازفت باختلال موقعها في المنافسة الدائرة بينها وبين حزب الله للفوز بالقيادة السياسية للطائفة الشيعية, أكثر من ذلك, فإذا كانت سياسة القبضة الحديدية قد حققت الهدف المنشود منها, فسياسة حافظ الأسد قد حققت أيضًا الغاية المنشودة منها مظهرة قدرتها على تعيير دعمها للمجموعات الشيعية المختلفة بحيث تكافئ الذين لا يحيدون عن الخط السوري وتلقن من يحيد عنه دروسًا عملية, وهكذا وانطلاقًا من متطلبات وسطها السياسي, يمكننا القول إن معضلة أمل تبدو واضحة إذ يتعين عليها أن لا تظهر كمدافع عن المصالح الإسرائيلية وعليها في الوقت نفسه أن تقدم نفسها بوصفها القوة الرئيسية المسئولة عن طرد الغزاة الإسرائيليين.

من الناحية الأخرى يطغى في إسرائيل شعور بانعدام الأمن يجعل من الصعب عليها أن تراهن على منظمة سياسية بدائية التنظيم ذات قيادة وعضوية غير مستقرة, يصعب التنبؤ بما قد تقوم به, كما أن عددًا من مهندسي الغزو الإسرائيلي ما زالوا أعضاء في الحكومة الاصطناعية التركيب, وهؤلاء ليسوا على أهبة التوقيع على صك الإدانة النهائي للغزو الذي روجوا له ودافعوا عنه وفي حالة شارون -خططوا له وقادوه. فحتى بعد اتخاذ القرار بالانسحاب في كانون الثاني 1985 ورغم طغيان المشاعر الإسرائيلية المطالبة بالخروج من لبنان فإن رجالاً مثل موشي إرينز وأرييل شارون استمروا في محاولة حرف الانسحاب عن وجهة سيره ([271]).

فالفريقان إذن, وقعا في فخ مميت, لا يستطيع أي منهما أن ينجو منه بقدراته الذاتية والعنصر المأساوي فعلاً هو أن كلي الطرفين يعرف بأنهما قد وقعا في الفخ, فبعض كبار مسئولي أمل قد اعترفوا في مجالسهم الخاصة بهذه المعضلة كما أقر بذلك المسئولون الإسرائيليون, ويشير اتجاه سير الأحداث إلى احتمال نشوء تسوية مؤقتة, إلا أنه من المحتمل أيضًا أن يرتكب أحد الطرفين أو كلاهما خطأ ما يعيد به عملية التجذر والعداء التي سادت في الجنوب في عام 1984 وأوائل 1985 إلى سابق عهدها, هذه المخاطر يعبر عنها خير تعبير الصحافي الإسرائيلي هيرش غودمان: ((أن الخطر في سياسة إسرائيل في الرد الآلي أن الجيش الإسرائيلي قد يجد نفسه يرد على الناس الذين نريد منهم أن يكونوا حلفاء لنا في المنطقة الأمنية الجنوبية, وعلى أعمال لا سلطة لهم عليها في أغلب الأحيان)) ([272]).

إذا تجنبت إسرائيل رد الفعل المبالغ فيه وإذا تمكنت أمل من الاستمرار في ممارسة قيادة فاعلة, فلن تكون المحصلة كارثية بالضرورة, إلا أن كيمياء التسوية المؤقتة دقيقة جدًا ويمكن لأي تحرك إسرائيلي مبالغ فيه أو أي رد فعل متهاون من جانب الحركة أن تفسدها. فلو تم كل شيء على أفضل وجه فإن إسرائيل ستكون من الحكمة بحيث تخفف تدريجيًا من دعمها للقوات العملية حتى يقتصر انتشارها على محيط عملها الطبيعي _أي القرى المسيحية المحاذية للحدود الإسرائيلية- على أن يتزامن ذلك مع بسط أمل لسلطتها على المناطق التي تخليها قوات لحد, لكن الرهان على حدوث كهذا تطورات يبقى رهانًا محفوفًا بالمخاطر, فإمكانية تجدد اندلاع العنف تحوم كالشبح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

التناحر الطائفي والتفتت الاجتماعي

إن تاريخ السياسة اللبنانية هو تاريخ السياسة الطوائفية, وهي ليست بالأمر الجديد بل إن الطابع المميز لأشهر وأنجح الزعماء السياسيين في لبنان هو القدرة على اللعب على حبال مصالح الطوائف, لكن بينما لا يمكن اعتبار تعدد الأفرقاء والمليشيات والأحزاب على الساحة اللبنانية بالأمر الجديد, إلا أن الوضع الحالي, الذي يجد فيه المتنافسون أنفسهم في محيط قد استوطن فيه -على ما يبدو- العنف هو وضع جديد تمامًا سواء في تعقيداته أم في مداه, فالعديد من شبان (وأحيانًا شابات) المليشيا ليست لديهم أدنى فكرة عن نظام سياسي يعمل بأي طريقة أخرى باستثناء سفك الدماء.

ولم يغب بعد المخضرمون عن مسرح السياسة اللبنانية إلا أن دورهم ضيق ومحدود, فالحرب هي لعبة الشباب, والدم الجديد المندفع والمناضل هو الذي يمسك اليوم بزمام السلطة داخل كل طائفة من الطوائف اللبنانية, فالعلماء الشيعة المجاهدون لم يتجاوزوا العقد الثالث من أعمارهم, أما قادة القوات اللبنانية فبعضهم في العشرينات والبعض الآخر في الثلاثينات, كما أن القيادة الدرزية ليست أكبر سنًا بكثير, حتى يكاد نبيه بري وهو في الخامسة والأربعين من عمره أن يكون عجوزًا, ولعل المناصب المحترمة والألقاب ما تزال بحوزة المخضرمين, إلا أنها تكاد لا تعني شيئًا في غياب ميلشيا موازية, والأحساس بالعقم الذي يسود الجيل الأكبر يجد خير تعبير له في التصريح الذي أدلى به مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد:

((عندما يعقد الزعماء الروحيون اجتماعًا, ويدلون بالتصريح تلو الآخر, لا يصغي إليهم أحد إن المسلحين هم الذين يصنعون الأشياء لا صانعوا القرار ورجال الفكر الذين يعدون الخطط والبرامج وخطط العمل, هؤلاء الناس لم يعد لهم نفوذ مؤثر في لبنان, ولهذا نجد أن القادرين على صنع الأشياء هم المسلحون الذين يسعون وراء المصالح المحدودة, ولا أريد أن أحط من شأن هؤلاء الناس فقد يكونوا أحسن منا, إلا أنهم لا يعرفون عن التشريع والقانون بمقدار ما يعرف رجاله البارزون)).

بمعنى مهم, فإن السياسة اللبنانية تشبه منذ زمن طويل سياسة توازن القوى الدولي, بأنساقها في تغيير التحالفات وبالتقبل الجماعي المتحفظ لوجود الطرف الآخر, لكن ذلك قد انتهى الآن, فصيغة ((لا غالب ولا مغلوب)) التي أنهت حرب 1958 الأهلية -الثانوية نسبيًا- هي صيغة مرفوضة الآن فلا بد أن تنتصر الطائفة أو تنهزم أو تنسحب من الحلبة كما فعل الدروز أو كما يبدو أن الموارنة على استعداد لأن يفعلوا.

يسود الإعجاب بشكل واسع باللبنانيين؛ نظرًا لحيويتهم ومرونتهم وتفاؤلهم ولهذا الإعجاب ما يبرره بالفعل فأصحاب الحوانيت والمكاتب قاموا بإعادة بنائها مرة ومرتين وثلاثة وحتى خمسة أو ستة مرات, وفي وجه الدمار الواسع والعبثية السياسية والأخلاقية استطاع اللبنانيون أن يروا الجانب المتفائل وتطلعوا بأمل يشبه أحلام الأطفال نحو المستقبل, وأخذوا ينتظرون سنة دموية بعد سنة المعركة الأخيرة, والموت الأخير, والسيارة المفخخة الأخيرة, والعمل الوحشي الأخير, الذي سيسدل الستار على مأساتهم, وما الآمال التي برزت بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 إلا نتيجة للاعتقاد الذي ساد آنذاك بأن الطلقة الأخيرة قد أطلقت أخيرًا, لكن الفترة التالية لم تحمل سوى خيبة الأمل.

واليوم يخيم شبح من القلق فوق لبنان ويسود شعور بانعدام الأمل ينعكس على وجوه الناس, بعد أن عم التشاؤم ودُمر الاقتصاد، ولعل الصعيد الاقتصادي هو الصعيد الذي يعكس بشكل صارخ حالة لبنان المحزنة, فخلال العقد الأخير المليء بالأحداث التي شملت غزوين وثلاثة تدخلات أجنبية ناهيك عن استشراء الفوضى العامة, حافظ النقد اللبناني على قيمته وبرهن رغم عومه على الحوالات الكثيفة التي تلقتها منظمة التحرير الفلسطينية, عن مرونة اللبناني وطواعية اقتصاده الحر, فمنذ اندلاع القتال في 1975 وحتى الغزو الإسرائيلي في 1982 لم تتراجع الليلة اللبنانية إلا بنسبة ضئيلة جدًا, ففي الخريف الذي تلا الاجتياح وعندما ظن الكثيرون أن البلد على عتبة الولادة الجديدة كان سعر الدولار لا يتجاوز الثلاث ليرات لبنانية, ثم اختفت هذه الآمال, وأصبح سعر الدولار في أوائل عام 1985, 12 ليرة لبنانية وبيع في نهايتها بسعر 18 ليرة. أما في عام 1986 فقد ازداد الوضع سوءًا, إذ هبطت قيمة الليرة إلى حوالي 60 ليرة للدولار.

عانت القطاعات الاقتصادية من ضرر يكاد لا يصدق إذ كشفت إحدى الدراسات عن تدمير 40% من المعدات الزراعية وانخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 30% وانخفاض الصادرات الزراعية بنسبة 80% وانخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة 60% وتوقف كل مرافق قطاع الخدمات الرئيسة عن العمل, وتشير كل الدلائل إلى أن الوضع يزداد سوءًا ([273]).

الآمال المحبطة والفقر واستمرار العنف, عناصر دفعت العديد من اللبنانيين إلى الحضن المريح لهوياتهم الطائفية, فعادت الهوية المركبة للبنانيين كلبنانيين موارنة ولبنانيين شيعة ولبنانيين دروز, ولبنانيين سنة لترسم أكثر من أي وقت مضى حدود المسرح السياسي. إن الانسحاب إلى الهويات الطائفية المألوفة تولد عن الإقرار الواسع بأن احتفاظ طائفة ما بالامتيازات يعني حرمات طائفة أخرى منها, وباختصار فإن السياسة في لبنان أصبحت أكثر من أي وقت مضى لعبة ((الكل أو لا شيء)) وأخذت تكاليف خسارة هذه اللعبة تبدو جسيمة جدًا, لكن هذا لا يعني أن المد الطوائفي قد قوى الوحدة داخل كل طائفة, فصراع الأجيال والمصالح المناطقية المتنافسة والخصومات الشخصية, واستياء الفقر, وأنانية الأغنياء بالإضافة إلى الفهم المتناقض لدور الدين في المجتمع جعل من الانقسام والتفتت صفات محددة للسياسة اللبنانية.

ويواجه الزعماء الطائفيون التحديات سواء داخل مناطقهم أم خارجها.

فالتحديث والتعليم وهجرة اليد العاملة وتوفر الاطلاع على وسائل الإعلام وتحسن إمكانية الوصول إلى المدن هي العوامل الحاسمة التي غذت تسييس الطبقة الدنيا والفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة, فقد رُفضت أنماط السياسة القديمة القائمة على الزعامة التقليدية والقيادة الكاريزمية دون أن يحل مكانها بديل فاعل, ويمكن اعتبار لبنان الذي غرق في بحر من السلاح المتطور نسبيًا بلدًا عممت فيه أدوات العنف, والتعبير النهائي عن العنف القاسي, في عدم تفريقه وغير العشوائي في استهدافه يتمثل في الاستخدام المتواصل للسيارات والشاحنات المفخخة التي تحصد من الأبرياء أكثر مما تقتل من المحاربين, ففي عام 1985 وحده قضى 250 شخصًا في ثلاثة حوادث فقط في طرابلس, وبئر العبد, وسن الفيل, كضحايا لهذا الشكل الصارخ من الإرهاب, ولا زالت هذه الأرقام الرهيبة تتوالى في العام 1986, ورغم سيطرة الميليشيات على الأرض, إلا أن سمتها البارزة تكمن في ضعفها لا قوتها, فلا مليشيا قادرة على فرض إرادتها على لبنان, بينما لكل منها القدرة على ضرب الاستقرار ورفض السلم.

من بين طوائف لبنان السبعة عشرة تلعب ثلاثة طوائف إضافة إلى الشيعة دورًا مهمًا بشكل خاص في الدوامة المستمرة, اثنتان منها الموارنة والسنة, مفتتتان سياسيًا ومشتتتان جغرافيًا, في المقاطع التالية نقدم صورة عن وضع كل طائفة لنعطي القارئ لمحة عن الوضع السياسي في لبنان منتصف 1986.

الموارنة:

كما يذكر القارئ وزع الميثاق الوطني المناصب السياسية الرئيسية الثلاث: الرئاسة ورئاسة الوزراء ورئاسة المجلس, على قاعدة نسبة السكان المفترضة، فاحتكر الموارنة رئاسة الجمهورية وأعطيت رئاسة الوزراء للسنة ورئاسة المجلس للشيعة كذلك وزع الميثاق الوطني مقاعد البرلمان بين الطوائف المسيحية والإسلامية بنسبة ستة مقاعد للمسيحيين مقابل خمسة مقاعد للمسلمين, (فالمجلس الحالي المؤلف من 99 عضوًا يضم 30 مارونيًا و 20 سنيًا و 19 شيعيًا و 11 أرثوذكسيًا و 6 دروز و 5 أرمن و 6 كاثوليك و 2 بروتستانت).

وكما رأينا في الفصل الثاني أن النمو السكاني المتفاوت طائفيًا أبطل صحة الافتراضات الديموغرافية التي ساعدت على تبرير الصيغة الأصلية, كما أن التحديث الواسع الذي ميز لبنان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد دفع إلى الأمام بصفوف من المواطنين الحديثي التسيس الذين يرون أن التسوية السياسية لم تمنحهم حقهم, مما جعل الهيمنة المارونية والمسيحية عرضة لتحد متزايد.

ففي وقت مبكر كعام 1976 كان رئيس الجمهورية, سليمان فرنجية قد وافق على ((الوثيقة الدستورية)) التي جرى التفاوض عليها في دمشق والتي تمنح المسلمين والمسيحيين مقاعد متساوية في البرلمان, كما تحد بشكل متواضع من سلطات الرئيس الكبيرة نسبيًا, إلا أنها لسوء الحظ لم تنصر النور, ويعود ذلك إلى حد كبير إلى إجراءات كمال جنبلاط, والد زعيم الدروز الحالي التعطيلية.

خلال حرب السنتين 1975 – 1976 زج بعدد من الميليشيات ذات الغالبية المارونية إلى ساحة الميدان, وكان بعضها مرتبطًا بشكل مباشر بالأحزاب السياسية القائمة حزب الوطنيين الأحرار برئاسة كميل شمعون وحزب الكتائب برئاسة بيار الجميل, إلا أن بعضها الآخر كان نتاجًا للأزمة كالقوات اللبنانية التي انبثقت عن القيادة التي أنشئت في عام 1976 لتنسيق نشاطات مجموعة من القوى المتباينة في إطار التنظيم السياسي الماروني المهيمن في عام 1980 كانت القوات اللبنانية تضم إلى صفوفها عددًا من موارنة الطبقة الدنيا والفئة الدنيا من الطبقة الوسطى بالإضافة إلى عدد لا بأس به من الكاثوليك وبعض الأرمن الذين شعروا بأن الأحزاب التقليدية غير تمثيلية وغير جدية ([274]) . كانت القوات اللبنانية هي الأداة التي برز بواسطتها بشير الجميل بن بيار الجميل, الذي امتزجت جرأته العسكرية بأسلوبه الكاريزماتي السلطوي لتضعه في مقدمة الواجهة السياسية المارونية.

كانت القوات اللبنانية, شريكة إسرائيل في التخطيط لغزو 1982 المنتصر بالوكالة في الحرب الأهلية أو هكذا خيل إليها في ذلك الحين, ثم جاء اغتيال بشير في أيلول 1982 لينهي احتفالات النصر دون أن يقضي على طموحات ورثته, وشكل انتخاب أمين الجميل -شقيق بشير- رئيسًا حقيقة مرة, صعب على القوات اللبنانية أن تتقبلها, فقد اعتبر لدى العديد من الدوائر المارونية مجرد مغتصب للدور العائد شرعًا لأخيه الشهيد. وبدا منذ أيامه الأولى في سدة الرئاسة أن أمين الجميل لا يحوز على تأييد طائفته وأن الوجود القوي لبيار الجميل الذي يحظى باحترام واسع (توفي في أيلول 1984) هو وحده الذي وضع أخصامه الموارنة في وضع حرج, أدرك أمين حجم مشكلته مع القوات اللبنانية وقد أمضى فترة طويلة من رئاسته ينظر بقلق إلى الخلف.

وكان فشل أمين في إحراز تقدم بنَّاء في تحقيق الوفاق بين الطوائف عندما كانت لديه فرصة حقيقية لذلك في عام 1982 وأوائل 1983 يعود في جزء ليس بالقليل منه لالتزامه الشخصي بإعادة لبنان القديم بدلاً من بناء لبنان جديد, كما هو ناتج أيضًا عن حاجته لإرضاء قادة القوات اللبنانية الذين سعوا لتعزيز النصر الذي ظنوا أن السلاح الإسرائيلي قد اشتراه لهم في عام 1982.

بين عامي 1982 – 1985 عانت القوات اللبنانية الهزيمة تلو الأخرى, إذ أسفرت محاولتها لإخضاع المناطق الدرزية في عالية والشوف عن هزيمتها على يد مليشيات الدورز التي برهنت عن بسالة عسكرية طالما ميزت هذه الطائفة ويمكن القول إن مغامرة القوات اللبنانية في المناطق الدرزية, هي التي ساهمت بشكل عميق في تبديد الآمال التي انتعشت في عام 1982 وكذلك حاولت القوات اللبنانية أن توسع من نطاق سيطرتها في الجنوب وبيروت إلا أنها باءت بالفشل فعندما حاولت مثلاً استغلال الانسحاب الإسرائيلي من صيدا في آذار ونيسان 1985 هزمت على يد تحالف (ساهم السوريون في رعايته) ضم مقاتلي الدروز والسنة والشيعة مخلفة وراءها آلاف المسيحيين المهجرين من قراهم.

ولقد كان واضحًا حتى منذ عام 1984, أن القوات اللبنانية تلعب ورقة ضعيفة, فبعد قصف الجيش اللبناني الذي يفتقد إلى أي معنى أو تبرير, والذي يبدو أنه تم بالتواطئ مع القوات اللبنانية ثار المسلمون الشيعة واستولوا على بيروت الغربية في 6 شباط 1984 ([275]), وكان هذا التطور هو الذي فرض عملية إعادة الانتشار, المتسرعة التي قامت بها القوات المتعددة الجنسيات التي كانت قد أرسلت مجددًا إلى لبنان إثر الإحراج الذي تعرضت له من جراء مذبحة صبرا وشاتيلا, التي جرت بعد الانسحاب الأول للقوات المتعددة الجنسيات في لبنان بقليل, مع انسحاب القوات المتعددة الجنسيات ومع تراجع الجيش الإسرائيلي إلى جنوب لبنان, بات من المؤكد أن لبنان يتجه حتمًا نحو أحضان سوريا.

في مواجهة الانحسار المتزايد للدعم العسكري الأمريكي وضغوط الشيعة والدروز المشتركة أصبح أمين الجميل عرضة لمزيد من النفوذ السوري وقد ظهر ذلك بوضوح في تشكيل حكومة الاتحاد الوطني في نيسان 1984, التي جمعت أمين الجميل ووليد جنبلاط ونبيه بري في حكومة واحدة, وفي آذار 1984 ألغي اتفاق 17 أيار بين لبنان وإسرائيل, محققًا بذلك مطلبًا سوريًا رئيسيًا, وفي تشرين الأول تم استبدال كامل الأسعد, الحليف الشيعي الرئيسي للطائفة المارونية, بحسين الحسيني المقرب من دمشق والذي لا يستثير ذلك العداء الرهيب الذي يستثيره سلفه في صفوف الشيعة, وهكذا ففي نهاية 1984 بدا أن اتجاه الأحداث يسير لصالح خصوم القوات اللبنانية.

رغم ذلك أصرت القوات اللبنانية على رفض الاعتراف بضعف قوتها, ففي أوائل 1985 حاولت دمشق أن تثبت مكاسبها فبدأت بسلسلة من المفاوضات مع حلفائها وأصدقائها في لبنان وبالطبع لم تكن القوات اللبنانية من ضمنهم, فأخذت تتابع بقلق شديد مجريات النقاش في العاصمة السورية.

وبدلاً من الإذعان للنفوذ السوري قام سمير جعجع (33 سنة المقاتل المتمرس الذي أمضى تسع سنوات في القتال على الخطوط الأمامية) بانقلاب وضعه على رأس قيادة القوات اللبنانية، معلنًا أن منظمته ترفض رفضًا قاطعًا أي اتفاق أمني أو أي اتحاد جمركي, وأنه سيقف في وجه المطالب الشيعية والسنية والدرزية المتصاعدة لكن انقلاب جعجع المفاجئ لم يعمر طويلاً.

في الأول من نسيان 1985 أرسل الرئيس حافظ الأسد اللواء محمد الخولي إلى أمين الجميل حاملاً معه رسالة واضحة وقاسية إما أن يقضي على الانتفاضة وإلا ([276]). أما أمين الجميل الذي لا يُعتبر الحزم من صفاته البارزة, فلقد تلقى مساعدة من الرئيس السابق المشهور بدهائه كميل شمعون، عقد شمعون مؤتمرًا في بكركي في 9 نيسان حضره العديد من السياسيين المسيحيين الرئيسيين والزعماء الدينيين, كانت محصلته المتوقعة بيانًا كان المقصود به تهدئة الرئيس السوري, ولقد ألزم المؤتمرون أنفسهم عبر هذا البيان بوحدة لبنان وهويته العربية وعلاقته الخاصة بسوريا, أدان المؤتمر في بكركي تقسيم لبنان أو كنتنة, مبددين الشكوك السورية التي تتهم الطائفة المارونية بالعمل على تقسيم لبنان, تزامن ذلك مع رسالة قوية نقلتها في الكواليس السفارة الأمريكية في بيروت ومفادها أن الولايات المتحدة لن تؤيد الانتفاضة وهي ترى فيها ضررًا بمصالح لبنان ومصلاح المسيحيين فيه, وضع مؤتمر بكركي مدعومًا بموقف الولايات المتحدة, ومعززًا بالهزائم التي تلقتها قوات جعجع في جنوب لبنان, حدًا مؤقتًا للانتفاضة, على الأقل.

ففي التاسع من أيار استُبدل جعجع بإيلي حبيقة (الذي تولى قيادة القوات التي نفذت مذابح صبرا وشاتيلا في أيلول 1982) عين حبيقة رئيسًا للجنة التنفيذية للقوات اللبنانية المشكلة حديثًا, ولم يضع وقتًا في إعلان تأييده لسوريا وقطع علاقاته بإسرائيل, ففي 18 أيار تم إغلاق مكتب القوات اللبنانية الذي فتح في القدس عام 1980 وصرح رئيسه بيار يزبك كاشفًا عن الدوافع المحركة لحبيقة وزملائه, ((ليس لدينا أي خيار سوى التوصل إلى تفاهم مع سوريا, إن استراتيجيتنا الآن هي ببساطة البقاء وأي شيء آخر لن يكون إلا محض انتحار)) ([277]).

أظهر حبيقة عن براغماتية وسعة حيلة, فالتقى في 31 تموز بسليمان فرنجية الرئيس السابق وصديق حافظ الأسد وأحد أمراء الحرب في زغرتا شمالي لبنان, وكان ابن فرنجية طوني قد اغتيل هو وعائلته على يد القوات اللبنانية في عام 1978 والرجل الكبير معروف برغبته في الثأر (لدى اغتيال بشير في أيلول 1982 تحدث سليمان فرنجية عن أسفه لعدم تمكنه ادعاء الفضل في هذا العمل) لذلك فاجأ الاجتماع العديد من المراقبين, إلا أنه من غير الواضح أن يكون هذا الاجتماع قد أنتج أكثر من همروجة إعلامية, فبرغم صلاته الوثيقة بسوريا رفض فرنجية أن يوافق على أي إصلاح يشارك فيه غير الموارنة في الرئاسة, حضر فرنجية مؤتمري الوفاق في جنيف ولوزان 1983-1984 (المقاطعين من القوات اللبنانية) وكان هو المسئول عن فشل مؤتمر لوزان 1984 من جراء إصراره على تمسك الموارنة بالرئاسة.

مضى حبيقة في اتجاه مختلف تمامًا, فتوجه يحدوه شعور بعدم القدرة على تجنب ما هو حتمي, نحو حل سوري التخطيط, يدعو إلى إعادة توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين, وإلغاء التوزيع الطائفي للمناصب السياسية بما فيها الرئاسة والإقرار بالطبع بعلاقة لبنان الخاصة مع سوريا, وفي التاسع من أيلول 1985 أصبح حبيقة أول قائد للقوات اللبنانية يقوم بزيارة دمشق حيث لقي استقبالاً حارًا من قبل الرئيس حافظ الأسد, ومن وجهة نظر حبيقة, فإن المغري في الأمر هو الضمانة السورية للمسيحيين اللبنانيين التي يصفها جيم ميور -أحد أذكى الصحافيين الموجودين على الساحة اللبنانية وأكثرهم ملاحقة للأحداث- كما يلي: ((تقوم الصيغة غير المكتوبة في حال التوصل إليها على ضمانة سوريا لأمن مسيحي لبنان مقابل تأكيدات على أن طائفتهم لن تكون في المستقبل منطلقًا لاعتداء على سوريا )) ([278]). وفي محاولة لمقاربة لبنان بشكل واقعي, اختارت سوريا أن تتعامل مع أولئك الذين يملكون السلطة على الأرض أي زعماء الميليشيات الرئيسية, فأصبحت دمشق منذ خريف عام 1985 مسرحًا لسلسلة من المفاوضات الثلاثية التي شارك فيها قادة المليشيات الدرزية والشيعية والمارونية, جنبلاط وبري وحبقية, وكانت النتيجة الاتفاق الذي أجل عدة مرات إلى أن تم توقيعه في 28 كانون الأول 1986.

لكن ومنذ لحظة التوقيع الأولى كانت قدرة حبيقة على حمل الطائفة المارونية على القبول بالاتفاق موضع شك وتساؤل, فسلطته على القوات اللبنانية هي في أحسن حالاتها واهنة, لا يملك بالتأكيد القدرة على فرض إرادته على طائفته الممانعة, فقد واجهت جهود حبيقة معارضة من ثلاثة رؤساء سابقين كميل شمعون وشارل حلو وسليمان فرنجية بالإضافة إلى ابن فرنجية روبير وابن شمعون داني وكلاهما لم يبد ميلاً للابتعاد عن السياسة, ورغم أنه كان بوسع القوات اللبنانية بقيادة حبيقة أن تلجأ إلى تنفيذ إجراءات صارمة كما حدث في مواجهة العناصر الموالية لجعجع في شرقي بيروت في 14 تشرين الأول, إلا أنه كان من المشكوك فيه أن يتمكن حبيقة الشاب (لم يكن سنه يتعدى تسعة وعشرين عامًا عندما وقع على الاتفاق الثلاثي) من حمل الطائفة المارونية على القبول بالاتفاق, وهو لم يتمكن من ذلك بالفعل.

نجحت الاتفاقية في تحقيق أمر لم يكن مخططًا له إذ توحدت الطائفة المارونية في معارضتها. وفي الخامس عشر من كانون الثاني قام سمير جعجع بالاتفاق مع حزب الكتائب الذي يقوده الرئيس أمين الجميل بالهجوم على معقل حبيقة وتمكن بعد قتال ضار من طرد حبيقة من بيروت, والمفارقة أن محاولة سوريا لحمل اللبنانيين على الوفاق لم تنجح إلا في مصالحة الرئيس مع طائفته وهو إنجاز هام إذا تذكرنا عدم شعبيته في أوساط الطائفة المارونية.

منذ انتفاضة جعجع الثانية مورست جميع أنواع الضغوط المباشرة وغير المباشرة على الذين أجهضوا الاتفاق الثلاثي, فقصفت قرية الرئيس بكفيا بضراوة, حتى غدت شبه مدمرة وتعرضت مناطق مارونية إلى قصف مدفعي شديد وإطلاق قذائف صاروخية, الأمر الذي لم يؤد إلا لمزيد من العناد والتوحد في ظل الحصار, وهو الشعور الذي يسود الآن بين الموارنة.

الدروز:

انقسم زعماء الدروز في القسم الأكبر من تاريخهم في لبنان إلى حزبين اليزبكيين والجنبلاطيين, لكن وليد جنبلاط تمتع بفرصة تاريخية بعد فشل العائلة الإرسلانية اليزبكية في إنتاج خليفة قوي للمرحوم مجيد أرسلان, الخصم السياسي لكمال جنبلاط اغتيل الأخيل عام 1977, فقد ارتكب فيصل مجيد إرسلان الذي خلف أباه خطأ سياسيًا قاتلاً عندما تحالف مع قوات بشير الجميل اللبنانية ([279]). أما بقية متحدي وليد فلا يملكون قاعدة شعبية واسعة ويفتقدون لامتياز وليد المتمثل في حقه الموروث في زعامة إحدى أكثر الطوائف تعصبًا على الصعيد اللبناني وحتى الإسلامي.

فالدروز الذين يشكلون فقط ما نسبته حوالي 6 إلى 7 % من مجموع سكان لبنان هم تاريخيًا من أقوى الطوائف اللبنانية إذ وفرت لهم العوامل الجيو سياسية, إحساسًا بالاطمئان مرده إلى أن أي غاز للجبل لن يتمكن من الاحتفاظ به كما اكتشفت القوات اللبنانية نفسها, ومن الإنصاف القول: إن الاتفاق الماروني الدرزي هو الذي كان يجعل فترات الاستقرار ممكنه إلا أن الماضي شهد أيضًا فترات من العنف الدموي بين هاتين الطائفتين ([280]).

ووليد أيضًا هو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يدعو للعلمانية, إلا أن عضويته تكاد تقتصر على الدروز وهو يعمل, في الواقع, كمليشيا الدروز, أما وليد الذي كان يوصف غالبًا بعدم النضوج وغرابة الأطوار والسعي وراء الأهواء الشخصية وافتقاره الشجاعة, فقد فاجأ الكثيرين من كبار نقاده وحتى عدد لا بأس به من مؤيديه, إذ برهن عن كونه اللاعب الأكثر ذكاء وفاعلية على الساحة اللبنانية, فما أن عبرت القوات الإسرائيلية قصره في المختارة حتى أدرك أن أيام الهيمنة الفدائية قد ولت (الجدير بالذكر أنه على الرغم من رئاسة وليد جنبلاط للحركة الوطنية اللبنانية, التي تتألف من اليساريين والإصلاحيين والأحزاب الثورية المؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية فإنه لم يسمح بأي وجود فلسطيني فاعل في المناطق الدرزية في الشوف وعاليه).

ومع دخول القوات اللبنانية إلى منطقته, عقد وليد جنبلاط صفقة مع إسرائيل, التي كانت تجد في القوات اللبنانية حليفًا ضعيفًا لا يساعدها على استكمال مخططها في إعادة صياغة لبنان, قضت الصفقة بأن يتعهد جنبلاط بعدم السماح للفدائيين بدخول منطقته على أن تنسحب إسرائيل من الشوف, وحتى قبل أن تنسحب إسرائيل كان الإسرائيليون يغضون النظر عن السلاح الذي تمد به سوريا الدروز, بل إن الإسرائيليين أنفسهم ساهموا (نزولاً عند الضغوط التي مارستها الطائفة الدرزية داخل إسرائيل من ضمن عوامل أخرى) بإمداد الدروز بالسلاح دون أن يتوقفوا عن إمداد القوات اللبنانية أيضًا وقد اعتبر كبار المسئولين الإسرائيليين أن الترتيبات التي توصلوا إليها مع الدروز تمثل نجاحًا كبيرًا يودون لو كان باستطاعتهم أن يتوصلوا إلى مثله مع الشيعة في الجنوب.

ولعله مما له دلالته أن القطاع الذي يتيح للجيش الإسرائيلي ممارسة أكبر قدر من الفعالية هو القطاع الذي يضم البلدات الدرزية في القطاع الشرقي.

آخذًا الدعم أنى يمكن الحصول عليه, اكتشف وليد في حركة أمل -وفي قائده نبيه بري- حليفًا مفيدًا, لكن ذلك لم يكن زواجًا مقدسًا, بل شكل من أشكال التعايش السياسي من المرجح أن يشهد نهاية عاصفة, قدم الدروز مساعدات رئيسه لحركة أمل لدى استيلائها على بيروت الغربية في شباط 1984, لكن حتى في ذلك الوقت كانت العلاقة بين الطرفين يشوبها التوتر.

كذلك برهنت مساندة الدروز عن أهميتها وتوقيتها الحاسم, عندما قامت أمل في نيسان وأيار 1985 بضرب ميليشيا المرابطون السنية في غربي بيروت لكن حين بدأت حملاتها الدموية ضد المخيمات الفلسطينية في جنوب بيروت, لم يرفض الدروز المشاركة فيها فحسب بل وسمحوا أيضًا لعناصر من جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني المتمركزة في الشوف بتقديم الدعم المدفعي ضد المواقع الحركية. ويسود انطباع واسع بأن فشل الدروز في دعم الحركة ضد المخيمات خلق عدة أعداء للحزب التقدمي ولوليد جنبلاط داخل حركة أمل وبين الشيعة بشكل عام, لكن في الواقع كان العداء قد استحكم من قبل تصادم الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل عدة مرات في بيروت الغربية, كان أكثرها خطورة في تشرين الثاني 1985, وثمة ما يدفع إلى الاعتقاد بأن تحالف أمل التقدمي لن يعمر طويلاً, على الرغم من إنشاء العديد من الجبهات التي تضم الطرفين.

ففي 6 آب التقى جنبلاط وبري في شتورا للإعلان رسميًا عن جبهة الاتحاد الوطني, وهي واحدة من سلسلة الجبهات الفاشلة, انضم إلى الجبهة عدد من الأحزاب الصغيرة الموالية لسوريا مثل الحزب العربي الديمقراطي والحزب الشيوعي اللبناني, ودعا برنامجها إلى إنشاء دستور جديد, وإلى إلغاء الطائفية السياسية وإقرار قانون انتخابي جديد يجعل من لبنان كله دائرة انتخابية واحدة وتقوية دور البرلمان على حساب دور الرئاسة ([281]).

ينجم عن برنامج جبهة الاتحاد الوطني, في حال تطبيقه, تقليص سلطة الموارنة والسنة السياسية الذين سيخسرون حقهم في الرئاسة ورئاسة الوزراء.

أكثر من ذلك فسينجم عن إلغاء الدوائر الانتخابية المتعددة لصالح الدائرة الانتخابية الواحدة, فقدان الزعماء التقليديون للقاعدة المحلية التي تشكل ضمانتهم للوصول إلى كرسي النيابة, لذلك كله فإنه من غير المستغرب أن يحظى البرنامج بمعارضة واسعة من قبل السياسيين السنة والموارنة, على السواء, إضافة إلى عدد من منافسي أمل في صفوف الشيعة الذين رأوا في البرنامج تعزيزًا لموقع أمل على حساب مواقعهم, وأخيرًا فإنه من الغريب أن يتوقع من اجتماع عدة منظمات طائفية في جوهرها محصلة غير طائفية.

لا يشكل الدروز, رغم قوتهم العسكرية نسبة كبيرة من السكان تكفي لإثارة طموحاتهم في لعب دور مهيمن في السياسة اللبنانية, في حين يرى الشيعة في المقابل أنهم يشكلون القوى الصاعدة في السياسة اللبنانية, وليس العيش في ظل دولة يهيمن عليها الشيعة بالفكرة المحببة بالنسبة إلى الدروز أو لبقية الطوائف اللبنانية.

ويبدو أن وليد يعتمد على استراتيجية ذات شقين الشق الأول: أن لا يقوم بأي عمل من شأنه أن يغضب الرئيس الأسد, مع محاولة الاحتفاظ بمسافة عنه عندما يكون ذلك ممكنًا, وفي هذا الإطار تجيء علاقته بليبيا والاتحاد السوفياتي التي تعمل على موازنة علاقته الجيدة مع سوريا, كذلك تصب ترتيباته العملية مع إسرائيل في الإطار ذاته. ثانيا: أن يواصل تعزيز مناطقه عبر استمراره في الحفاظ على استقلاله الذاتي عن حكومة بيروت وفي هذا الإطار في العام 1984 تم فتح مرفأ خلده الذي يوفر للطائفة منفذًا حيويًا على المتوسط.

أما تصريحاته العلنية المليئة بالسخرية المريرة فهي تعكس رغبته في وجود بلد يتمكن من السيطرة عليه أو عدم وجود أي بلد على الإطلاق, وهو واقعي بما في الكفاية لإدراك أن الاحتمال الأول ليس احتمالاً جديًا, وفي مقابلة له في آب 1985 أعلن وليد جنبلاط بوضوح: ((أريد لبنان بحسب طريقتي وليس بحسب طريقتهم, لسنا حركة إصلاحية, وإذا كانت الحرب من أجل هذا الهدف فلا نريدها, لقد قلت: إما قاتلاً أو مقتولاً, ولا زلت أعني ذلك, وهذا هو كل شيء, نريد أن نغير النظام كله)) ([282]).

اشترك وليد جنبلاط في جميع المفاوضات التي هدفت إلى التوصل إلى تسوية إلا أن قليلون يعتقدون بأنه كان يضع أهمية كبيرة على نجاح المفاوضات, فهو يعرف بوضوح أن أي حل سياسي سيضعف بالضرورة من قوة الدروز, وسيضعف بالتالي من قوته الشخصية.

السنة:

أما الطائفة السنية المدينية الحسنة التعليم والأمنية تقليديًا على منصب رئاسة الوزراء, فهي الطائفة الأكثر تمزقًا على الصعيد السياسي, وبينما لا يعاني السنة بخلاف الطوائف الأخرى التي تشكل أقليات سواء في لبنان أم في العالم العربي, من مخاوف كهذه, فطائفتهم تسيطر على العالم العربي, والأمة الإسلامية, وبما أن منظمة التحرير الفلسطينية لعبت دور مليشيا السنة فقد كان من الطبيعي أن تضعف قوة الطائفة السنية بضعف منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان, وهم يجدون أنفسهم الآن مكشوفين ومستهدفين وهم شديدو الحساسية من خطر أن يقوم النظام السوري بالتضحية بمصالحهم في إطار صفقة مع مليشيات الموارنة والشيعة والدروز.

فقد وجد السنة أنفسهم بعد السيطرة الشيعية على بيروت الغربية في شباط 1984, يلعبون دورًا غير مألوف بالنسبة إليهم هو دور الخاضع للهيمنة فلقد كان لهجوم أمل على المخيمات الفلسطينية تأثيرًا صاعقًا عليهم, وهم على الأرجح محقين في الاستنتاج أن الشيعة يسعون عبر إضعافهم لقوة الفلسطينيين إلى إضعاف السنة.

وكانت مليشيا المرابطون الصغيرة, الذي يكشف لجوء قائدها إبراهيم قليلات إلى العيش في باريس, عن مدى ضعفها, هدفًا لهجمات أمل المتعددة كان أهمها 16-17 أيار 1985, وذلك عندما هاجم مقاتلو أمل بدعم من الدروز مكاتب المرابطون ومواقهم, استمرت الصدامات بين أمل والمرابطون.

لكن من غير المتوقع أن تشكل هذه المليشيا خطرًا جديًا على حركة أمل المتفوقة عدديًا, ولقد ظهرت بعض الميليشيات السنية الأخرى التي حاولت تحدي سيطرة أمل على بيروت الغربية, إلا أن أيًا منها لم يصب نجاحًا, ومؤخرًا سحقت أمل حركة السادس من شباط التي يقودها شاكر البرجاوي وذلك في 2-3 حزيران 1986, وقد خلف القضاء على القسم الأكبر من هذه الميليشيات لدى العديد من السنة الانطباع بأن الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان هو أملهم الوحيد في مواجهة الطموحات الشيعية.

ثمة ظاهرة مهمة, رغم عدم الانتباه إليها بشكل واسع خارج لبنان, هي ظاهرة انضمام بعض السنة إلى حركات دينية شعبية تضع السنية في مواجهة التشيع, وقد استفادت عدة تنظيمات سنية بيروتية من التوتر الشيعي السني الاستقطاب أعضاء جدد, وكما رأينا عند الشيعة فإن هذه التنظيمات تميل إلى أن تكون ذات بنية مفككة تقوم على قاعدة الحي, يقود عبد الحفيظ قاسم, رئيس اتحاد علماء المسلمين أحد أهم هذه الحركات ((المجلس العسكري الإسلامي الذي يسعى بشكل مباشر إلى إيجاد هوية سنية مستقلة, ولقد ذهب أحد رجال الدين السنة إلى حد القول بأنه من المشروع من وجهة نظر الشريعة الإسلامية سفك دم الشيعة)) ([283]).

أما في صيدا فإن أهم قائدين سنيين هما نزيه البزري الذي اكتسب تأييدًا محليًا هامًا بفضل معارضته الصلبة للاحتلال الإسرائيلي, ومصطفى سعد قائد التنظيم الشعبي الناصري, ولقد تميزت علاقة الرجلين بحركة أمل بالاضطراب وعدم الاستقرار, ومنذ أن فقد مصطفى سعد بصره في انفجار سيارة مفخخة في كانون الثاني 1985 والذي أودى بحياة ابنته أيضًا, تولى أخوه أسامة أعمال القيادة اليومية للتنظيم الناصري, بينما لا يزال مصطفى هو القائد الأعلى للتنظيم, ولقد لعبت القوات المشتركة التي أنشأها سعد دورًا هامًا في إلحاق الهزيمة بالقوات اللبنانية في القرى الواقعة في شرقي صيدا في نيسان 1985.

في ظل الظروف المضطربة القائمة في لبنان لم تتمكن القيادة السنية التقليدية من ممارسة أي دور فاعل في تمثيل المصالح السنية, إلا أنهم انتقدوا بصراحة وبشدة الشراكة الشيعية الدرزية, فاعتبر تمام سلام, رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية, إن برنامج جبهة الاتحاد الوطني ليس أكثر من نسخة معدلة من برنامج الحركة الوطنية ([284])وتوجه زعماء السنة أمثال رشيد كرامي, رئيس الوزراء الحالي, ورؤساء الوزارة السابقون رشيد الصلح وصائب سلام وسليم الحص إلى دمشق تكرارًا مشتكين من تحكم الفوضى ببيروت الغربية لكن دون جدوى. وفي أيلول 1985 وبعد أن نشب القتال مرة أخرى حول المخيمات وفي خضم القصف المتبادل بين بيروت الغربية والشرقية أرسل رئيس الوزراء كرامي, سليم الحص إلى دمشق ليطالبه بتدخل سوريا عسكريًا لإنهاء القتال, أخذ السوريون وقتهم في الإجابة ومضت تسعة أشهر أخرى قبل أن يجد الأسد نفسه مضطرًا للعمل.

وفي طرابلس, ثاني أكبر مدينة في لبنان, يرأس الشيخ سعيد شعبان حركة التوحيد الإسلامي التي أسسها في عام 1982 ويعتقد بشكل واسع أن الشيخ شعبان يتلقى دعمًا ماليًا من إيران, وهو على علاقة ممتازة بالجمهورية الإسلامية, يدعو شعبان إلى قيام دولة إسلامية فهو يرى أن البديل للحكم الإسلامي هو حكم الكفار ([285]) إلا أن شعبان لا يقبل بالنموذج الإيراني للحكم الإسلامي القائم على ولاية الفقيه, بل يدعو إلى العودة إلى الخلافة السنية التي تمأسس السلطة بدلاً من تمركزها في يد شخص واحد, كما في حالة آية الله الخميني, وشعبان المعروف بآرائه المعادية للمسيحيين لم يتوان عن عرض تصوره لحل المعضلة في لبنان: ((لا أرى حلاً للمشكلة اللبنانية إلا باستيلاء المسلمين على السياسة والإدارة في لبنان, إذا حكم المسلمون فسوف يحكمون بالعدل, أما إذا حكم الآخرون فلسوف يقضون على الطوائف الأخرى)) ([286]).

سعت حركة التوحيد بالتحالف مع بعض المجموعات الأخرى إلى السيطرة على طرابلس, فسيطرت علىمرفأ طرابلس (لا تقل عائداته الجمركية عن 80000 دولار شهريًا) ولاحقت الحركة اليساريين والعلمانيين, ويقول أحد المؤلفين: إنه في عام 1983 قامت الحركة بذبح الشيوعيين وعائلاتهم وألقت بجثثهم في البحر لتخليص الأرض من رجسهم ([287]). والقوى المعارضة لحركة شعبان تشمل الحزب العربي الديمقراطي الذي يتلقى دعمًا سوريًا كثيفًا والذي تحوي صفوفه عددًا من العلويين المستوردين, نشب قتال عنيف في عام 1984, ورغم جهود سوريا للتوصل إلى اتفاقية تعهد بالأمن في طرابلس إلى القوى السورية واللبنانية الشرعية, استمر القتال طوال عام 1985.

نشب آخر قتال عنيف في طرابلس في أيلول 1985, عندما ساندت المدفعية السورية رجال المليشيا اللبنانيين, في الهجوم على مواقع التوحيد, وتشير التقارير الصحافية إلى مغادرة أكثر من 200 ألف نسمة المدينة هربًا من القصف الكثيف, وبدا أن حركة التوحيد التي تكبدت خسائر فادحة في الأرواح من قوة تفوقها عددًا, تتجه نحو هزيمة فادحة, إلا أن تضافر تطورين مترابطين على ما يبدو أديا إلى وصول القتال إلى نهاية معقدة, ففي 30 أيلول خطفت منظمة التحرير الإسلامي أربعة موظفين في السفارة السوفياتية في بيروت, مطالبة بإيقاف سوريا للقتال في العاصمة الشمالية إذا ما شاءوا إطلاق الرهائن, ثم وعلى أثر وساطة ديبلوماسية إيرانية, توجه في اليوم التالي وفد إيراني إلى طرابلس لمرافقة شعبان إلى دمشق.

وفي الثالث من تشرين الأول توصل الرئيس الأسد وشعبان إلى اتفاقية تنص على تسليم كافة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى السوريين وتسمح لحلفاء دمشق العلمانيين بإعادة فتح مكاتبهم في طرابلس, وبالطبع كانت الاتفاقية قاسية على شعبان الذي رفض قبل ذلك بشهر شروطًا مماثلة, ولكنه لم يملك أي خيار آخر سوى الموافقة, أطلق ثلاثة من الدبلوماسيين في أواخر تشرين الأول (كان الرابع قد قتل أثر اختطافه بقليل) وشرع السوريون في تنفيذ الاتفاقية محرزين نجاحًا مؤقتًا على الأقل.

إذا حافظ الوضع على هدوئه في طرابلس, يكون السوريون قد أعادوا جوًا من السلام إلى مدينتين لبنانيتين, وفي 7 أيلول 1985 أعد السوريون خطة أمنية لمدينة زحلة الأرثوذكسية تتعاون بموجبها فرقة سورية من مائة جندي وعشرين عنصرًا من المخابرات مع قوات الأمن الداخلي المحلية على فرض النظام, في غضون ذلك, قد يعيد الشيخ الجريء الذي لا يمكن أن يتهم بضعف الثقة بالنفس, الكرة محاولاً مد نفوذه إلى بيروت التي قد يجد فيها بسبب التوتر السني الشيعي آذانًا صاغية.

الشيعة:

الشيعة طائفة تمزقها الانشقاقات, فمع تدهور الوضع في لبنان وجد قادة أمثال نبيه بري أنفسهم عرضة لعدة تحديات داخلية وخارجية.

ظهر موقف بري الحرج هذا خلال حادثة خطف طائرة التي دبليو آي في حزيران تموز 1985 فرغم عدم تورط أمل في الإعداد للهجوم أو تنفيذه, إلا أن بري سرعان ما وجد نفسه في وضع يقوم فيه منافسوه الأكثر تطرفًا في حزب الله, (من المحتمل أنهم هم الذين اختاروا الخاطفين) بسرقة الأضواء وإضعاف سلطته داخل الطائفة الشيعية فقام بري باحتجاز الرهائن في خطوة شبيهة جدًا بما قام به في شباط 1984, حيث كانت خطوته في بيروت الغربية تهدف جزئيًا إلى إيقاف تآكل قاعدته, إلا أن محدودية خطوته تكشف على معضلته من جهة وعن ديناميكيات بيئته السياسية من جهة أخرى, فنحن نتعامل مع حركات سياسية لا مع أحزاب, واضحة المعالم وفق المفهوم الغربي, وأعضاؤها يمكن تحريضهم واستثارتهم ودفعهم بسهولة أكثر مما يمكن توجيههم, فالإقناع أسلوب تكنيك رجل في مثل وضع بري, ليس بوسعه أن يتخطى المزاج السياسي لقاعدته الشعبية, وإن هو نسي ذلك تعرض لخطر فقدانها ففي حالة طائرة التي دبليو آي السيئة الذكر كان بوسع نبيه بري أن يحافظ على حياة الرهائن إلا أن إطلاق سراحهم كان عليه أن ينتظر تدخل بعض اللاعبين الأقوياء كسوريا وإيران, استطاع بري أن يقلل خسائره حارمًا منافسيه من إحراز نصر تام لكنهم نجحوا بالمقابل في إظهار عدم امتلاكه للسلطة التامة.

وباختصار نجح بري في التوصل إلى توازن مؤقت إلا أن المعركة لم تنته بعد.

أما في داخل أمل فيواجه نبيه بري مجموعة من المنافسين لكنه استطاع حتى الآن أن يتغلب على تحدياتهم, فبعد تأجيله سنتين متتاليتين, عقد المؤتمر السادس للحركة في 4 نيسان 1986 وبرهن الاجتماع الذي استمر يومًا كاملاً عن مهارة بري في تعزيز سيطرته على الحركة, فلم يسفر المؤتمر عن إعادة انتخابه رئيسًا لحركة أمل فحسب بل تولى أيضًا رئاسة المكتب السياسي بدلاً من نائبه الاسمي عاكف حيدر الذي كلف برئاسة مكتب الأبحاث المنشأ حديثًا.

قاطع حسن هاشم منافس بري الرئيسي داخل أمل بالإضافة إلى عدد من القادة الجنوبيين الهامين المؤتمر, واستطاع بري مستغلاً غيابه أن يعين أحد مؤيديه عاطف عون, رئيسًا للجنة التنفيذية, وتركت مغادرة هاشم للحركة ارتياحًا مشوبًا بالقلق فهو يحتفظ بقاعدة هامة من المؤيدين في الجنوب, وعلاقات طيبة مع رئيس مجلس النواب حسين الحسيني, وروابط ودية مع عدد من رجال الدين المؤيدين لحزب الله, وباختصار فهو يستطيع أن يكون منافسًا أشد خطورة خارج أمل منه في داخلها, ويبقى الشيخ عبد الأمير قبلان رجل الدين الأهم داخل حركة أمل, وهو يرأس قسم الشريعة في الحركة ولا تزال القيادة تضم -كما في السابق- عددًا من الشخصيات المعروفة بتأييدها لخط حزب الله أكثر من تأييدها لبري, ومن أهم هؤلاء مصطفى ديراني مسئول الأمن المركزي, وزكريا حمزة, عضو المكتب السياسي.

رغم نجاح بري الظاهر في تعزيز موقعه, كان بعض المراقبين يتوقع أن يشهد المؤتمر سقوطه, إلا أن الطائفة الشيعية شهدت تفتتًا ملحوظًا على مستوى السلطة, فالانتهازيون المحليون والشبيحة والقبضايات قد تكاثروا بشكل غير معقول مستفيدين من حالة انعدام الأمن الطاغية على عدد من المناطق التي يسيطر عليها الشيعة, فالقادة المحليون سواء الذين يسكنون في بيروت الغربية أم في القرى الجنوبية والمعروفين بجشعهم لا بكفاءتهم قد خففوا من قدرة أمل وحزب الله على الإمساك بزمام الأمور, وبالتالي فإن فرض النظام في ظل الظروف الفوضوية السائدة في منتصف عام 1986 لن يكون مهمة سهلة, وهناك شيء واحد مؤكد: كلما استطالت عملية التفتت كلما ازدادت مهمة فرض النظام صعوبة.

وقد زاد في حدة المشاكل ذلك الانتشار الواسع, للتخوف من صعود الطائفة الشيعية, التي تبدو في نظر العديد من اللبنانيين غير الشيعة كمارد يهدد بالسيطرة على لبنان ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا, الأمر الذي يجعل من أي خلط جديد للتحالفات بين الطوائف احتمالاً قائمًا, وعلى أي حال فبينما يتنبأ البعض بهيمنة الشيعة على الدولة فإنه لم يبق من هذه الدولة شيئًا يستأهل الهيمنة عليه.

يملك الشيعة مصلحة أكيدة في الدفاع عن سلامة أراضي لبنان واستقلاله بالإضافة إلى أنهم قد يوفرون بعد فترة المادة اللاصقة التي تعيد وصل أجزاء لبنان المتنافرة بغض النظر عن الشكل, إلا أن أكثر السياسيين الشيعة تفاؤلاً يرون أنه لا يزال هناك طريق صعبة وطويلة بانتظارهم ([288]).

الخلاصة:

الطائفتان اللتان تملكان مصلحة في إعادة توحيد لبنان هما الطائفتان المارونية والطائفة الشيعية وبالتالي فإن احتمال عملهما على تحقيق مصلحتهما المشتركة هو احتمال قائم لا يجوز الاستخفاف به, وبما أنهما من الطوائف الأقلوية في عالم عربي يتميز بأغلبية سنية طاغية فلن يستفيد أي منهما من تفكيك لبنان, فبخلاف السنة الذين ينعمون بالأمان الذي يتيحه انتماؤهم إلى الأغلبية المناطقية لن يجد الشيعة والموارنة خارج لبنان إلا المخاوف, أما الدروز فإن صغر عددهم لا يتيح لهم أن يطمعوا إلى أكثر مما حصلوا عليه, الحكم الذاتي في منطقة الشوف أضف إلى ذلك أن الدروز قد برهنوا عن قدرتهم على القيام بما يلزم لتبديد قوة منافسيهم وهي صفة تشمل الشيعة والموارنة على حد سواء.

إن الصدامات المتفرقة التي ميزت العلاقة بين الدروز والشيعة نتجت عن تضارب في المصالح, وبينما يحافظ الطرفان على وحدتهم المبدئية, فإنه ثمة ما يبرر التساؤل عن قدرة شراكة بري جنبلاط على الاستمرار في المستقبل.

فالحملة الشيعية على الوجود الفلسطيني المسلح في عامي 1985-1986 قد أخرجت التناقضات الكامنة في علاقة الدروز الشيعة إلى العلن, ولسوف تستمر في تعميقها, وفي غضون ذلك ستواصل القوى الخارجية ممارسة قدر كبير من التأثير على الأحداث داخل لبنان, فإسرائيل رغم -وبعضهم يقول بسبب- فشلها في لبنان, لا تزال تحافظ على تفاهم مع الدروز وعلى اتصالات مع الموارنة, وبالتالي فإنه ليس واضحًا على الإطلاق ما إذا كانت إسرائيل ستؤيد إعادة تأسيس لبنان خصوصًا إذا ما كان البديل هو الإبقاء على الوضع  المتأزم الذي يضعف قوة العديد من أخصامها.

وتستمر إيران في دعم مناصريها في لبنان وتبرز إشارات متزايدة تشير إلى ارتباط حزب الله الواسع بإيران, ولم يلق برنامج أمل السياسي المعتدل وقيادتها غير الدينية رضا إيران التام في السنوات الأخيرة ومن المرجح أن تواصل إيران دعمها لخصوم أمل ([289]).

لكن اليد السورية هي الأقوى, ويبدو أن السياسة السورية تعتمد على واقعية واضحة المعالم, فليس لديها أية أوهام, بل تتعامل مع لبنان كما هو. فبدلاً من تكرار المغامرة بالتدخل على نطاق واسع, كما فعلت في عام 1976 فضلت دمشق أن تدعم تلك العناصر اللبنانية التي تخدم مصالحها والتي تملك القوة على ممارسة هيمنة فاعلة على أجزاء من لبنان, وكما يظهر الفشل المريع لاتفاقية 28 كانون الأول فإنه حتى حافظ الأسد نفسه لا يمكنه أن يحدد بشكل حازم أين موطن السلطة الفعلية في لبنان.

بعد ستة أشهر من الصمت الكئيب الذي تلا المحاولة الفاشلة للوصول إلى تسوية في لبنان, رفض خلالها نائب الرئيس خدام عدة توسلات من اللبنانيين السنة لوضع حد للمأساة, تحرك السوريون على نطاق ضيق, فأرسلوا في 4 تموز فرقة من الجنود وعناصر المخابرات, بلغ عددها في منتصف الشهر نفسه حوالي ثمانمائة رجل, لدعم القوات الحكومية الضعيفة في محاولة أخرى لفرض النظام في الشطر الغربي من العاصمة.

وكذلك هددت معركة المخيمات باستثارة السنة في سوريا, وهي مسألة يوليها النظام السوري اهتمامه الدائم, ومارست إيران حليفة سوريا ضغوطًا دبلوماسية ولعلها قد عرضت أن تحد من مطالبتها بأن تدفع سوريا فواتير النفط الإيراني التي تجاوزت تاريخ استحقاقها, أضف إلى ذلك أنه لا يوجد ما يحمل على التشكيك في رغبة حافظ الأسد, في إظهار سوريا كقوة إقليمية قادرة على إحلال الاستقرار -إن لم يكن الإصلاح في لبنان- إضافة إلى كونها قوة يجب على الولايات المتحدة أن تنظر إليها بجدية في أي عملية سلام, لكن لم ينتج عن التدخل السوري إلا التأجيل, فرغم دفع الوجود السوري المليشيات إلى الانسحاب من الشوارع إلا أنه لم تمض عدة أيام حتى كانت موجة جديدة من السيارات المفخخة تنفجر في شطري العاصمة.

حتى مع الأخذ بعين الاعتبار مخاطر الانزلاق المهني إلى المبالغة في التهكم المرير -وهو انزلاق صحي- لدى التعاطي مع الأحداث اللبنانية, إلا أن القول بأن اللبنانيين لا يبغون السلام هو قول يغالي في عدميته, ففي اليوم السابق للمبادرة السورية الأخيرة, اشترك اللبنانيون جميعًا من مسلمين ومسيحيين في إضراب عام للتعبير عن يأسهم من جراء استمرار الأزمة اللبنانية, فإذا ما قويت دعائم هذه الوحدة الأساسية بدلالاتها اللا طائفية الهامة, فقد تصل إلى وضع حد للتدمير الذاتي للبنان، لكن رغم أنه لا يمكن إنكار توق اللبنانيين إلى السلام, إلا أنهم جميعًا, ولسوء الحظ, يريدون سلامًا وفق شروطهم, ويبدو أنه من المرجح أن تستمر الصراعات داخل وبين طوائف السنة والشيعة والدروز والموارنة, وإنه لن يكون هناك وقف قريب للقتال الناشئ عن وجهات النظر المتضاربة حول مستقبل لبنان.

وبينما يتابع معظم القادة الطائفيين رفضهم الاحتفالي للتقسيم, يأخذ التقسيم طريقه إلى حيز الوجود, ومن المقدر على لبنان أن يبقى بلدًا مجزأ لعدة سنوات قادمة, هذا لا يعني أن لبنان سيزول من الوجود فلسوف يتم على الأرجح الحفاظ على وهم الدولة التي قد تعود إليها الحياة عندما يكتشف أمراء الحرب وأقطابها عدم قدرتهم على تقديم أي بديل قابل للحياة, ولسوف يستمر لبنان في تجاوز طموحات ومخططات جيرانه الأقوياء في الشرق والجنوب, كما تمكن من تخطي تدخلات القوى الأجنبية في القرون الماضية؛ لأن الشيء الوحيد الذي يساعد لبنان على البقاء, بالإضافة طبعًا إلى حيوية شعبة وقدرته على التحمل, هو عدم قابليته للهضم, لكن المحزن أن السلام في لبنان ليس سوى حلم يتعهد الناس ذكراه في قلوبهم, والمؤكد أن الشيعة وبقية اللبنانيين لن ينعموا به قريبًا ([290]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الملحق –أ-

ميثاق حركة أمل

بسم الله الرحمن الرحيم

إن حركة المحرومين أمل في لبنان تمتد جذورها عبر الزمن مع وجود الإنسان منذ أن كان. إنها طموحه نحو حياة أفضل, تدفعه للتصدي لكل ما يفسد حياته أو يجمد مواهبه أو يهدد مستقبله.

لذلك فإنها حلقة من حركة الإنسان العامة في التاريخ, قادها الأنبياء والأولياء والمصلحون ودفعها المجاهدون وأغناها الشهداء الخالدون.

وهذا الترابط العميق عبر التاريخ والمواكبة الشاملة في أنحاء العالم وهذه التجربة المعاشة للإنسان, كل نسان تعزز حركة المحرومين أمل في لبنان وتنير طريقها وتضمن استمرارها ونجاحها.

وعندما نحاول رسم معالم حركة المحرومين أمل في لبنان بما للبنان من أبعاد حضارية, وبما لهذه الفترة الزمنية الحافلة بالأحداث, وما لهذه المنطقة التي بدأت تدخل مجددًا في التاريخ من بابه الواسع من تفاعلات.

وعندما نحاول أن نرسم معالم هذه الحركة نجد الأبعاد التالية:

1-         إن هذه الحركة تنطلق من الإيمان بالله, بمعناه الحقيقي لا بمفهومه التجريدي فإنه الأساس لكافة نشاطاتنا الحيوية ولعلاقاتنا الإنسانية وهو الذي يحدد باستمرار عزيمتنا وثقتنا ويزيد طموحنا ويصون سلوكنا.

كما وأنها تعتمد على أساس الإيمان بالإنسان, بوجود بحريته وكرامته.

والحقيقة أن الإيمان بالإنسان هو البعد الأرضي للإيمان بالله, بعد لا يمكن فصله عن البعد السماوي والينابيع الأصيلة للأديان تؤكد بإصرار.

2-         أما تراثنا العظيم في لبنان وفي الشرق كله, الحافل بالتجارب الإنسانية الناجحة, المشرق بالبطولات والتضحيات والزاخر بالحضارات والقيم, فهو الذي يرسم الخطوط التفصيلية للطريق, ويؤكد أصالتنا ويعطي سببًا واضحًا لوجودنا وسندًا قاطعًا لمشاركتنا الحضارية.

وبنفس الوقت فإن الاستفادة من التجارب في أقطار الأرض مع الاحتفاظ بالأصالة دليل رغبتنا الأكيدة إلى الكمال والتقدم وقناعتنا بوحدة العائلة البشرية وتفاعلها.

3-         إن حركة المحرومين أمل انطلاقًا من هذه المبادئ تؤمن بالحرية الكاملة للمواطن, وتحارب دون هوادة كافة أنواع الظلم من استبداد وإقطاع وتسلط وتصنيف المواطنين, وتعتبر أن نظام الطائفية السياسية في لبنان لم يعط ثماره, وهو الآن يمنع التطور السياسي ويجمد المؤسسات الوطنية ويصنف المواطنين ويزعزع الوحدة الوطنية.

4-         وترفض الحركة الظلم الاقتصادي وأسبابه من احتكار واستثمار الإنسان لأخيه الإنسان وتحول المواطن إلى المستهلك والمجتمع إلى تجمع المستهلكين وحصر النشاطات الاقتصادية في أعمال الربا والتحول إلى سوق للإنتاج العالمي.

وتعتقد الحركة أن توفير الفرص لجميع المواطنين هو أبسط حقوقهم في الوطن, وأن العدالة الاجتماعية الشاملة هي أولى واجبات الدولة.

5-         إن حركة المحرومين أمل هي حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وسلامة أراضي الوطن وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان, والحركة هذه تعتبر أن التمسك بالمصالح القومية وتحرير الأرض العربية وحرية أبناء هذه الأمة, هي من صميم التزاماتها الوطنية لا تنفصل عنها.

وغني عن القول أن صيانة لبنان الجنوبي والدفاع عن تنميته هو جوهر الوطنية وأساسها حيث لا يمكن بقاء الوطن بدون الجنوب ولا تصور المواطنية الحقة بدون الوفاء للجنوب.

6-         وفلسطين الأرض المقدسة, التي تعرضت ولم تزل لجميع أنواع الظلم هي في قلب حركتنا وعقلها, وإن السعي لتحريرها أولى واجباتها وإن الوقوف إلى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها سيما وإن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الإنسانية جمعاء, وإنها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحديًا دائمًا لها ومنافسًا قويًا لكيانها.

7-                  إن هذه الحركة لا تصنف المواطنين ولا ترفض التعاون مع الأفراد أو الفئات الشريفة التي ترغب في بناء لبنان أفضل.

إنها ليست حركة طائفية ولا عملاً خيريًا, ولا موعظة ونصحًا ولا تهدف إلى تحقيق مكاسب فئوية إنها حركة المحرومين جميعًا.

إنها تتبنى الحاجات وتنظر إلى حرمان المواطنين وتدرس الحلول وتتحرك فورًا لأجلها وتناضل إلى جانب المحرومين إلى النهاية.

لذلك فإنها تعتقد أنها حركة للبنانيين الشرفاء جميعًا, أولئك الذين يحسون بالحرمان في حاضرهم وأولئك الذين يشعرون بالقلق على مستقبلهم.

إنها حركة اللبناني نحو الأفضل...

إن العضو في حركة أمل هو الذي يتوفر لديه:

1-                  الإيمان بميثاق الحركة والعمل على تنفيذ مبادئها والتحلي بالانضباطية لجهة احترام القيادة وتنفيذ قراراتها.

2-                  أن يكون بالغًا وراشدًا.

3-         أن لا يكون منتميًا إلى أي حزب أو تنظيم أو قوة سياسية غيرها, أما إذا كان الراغب منتميًا إلى حزب سياسي أو أي قوة تنظيمية وأوقف نشاطه فيجب إثبات انسحابه من الحزب بواسطة الممارسة العملية والفعالية للقواعد والأسس المبدئية كما يجب تجاوزه مرحلة الاختبار لمدة 6 أشهر.

4-                  أن ينصهر قلبًا وقالبًا بمبادئ الحركة وأهدافها وأن يكون مثالاً لهذه المبادئ والأهداف أمام الشعب.

5-                  أن يكون مدربًا عندما يكون سليم الجسم.

6-                  أن يتحلى بالصفات الخلقية والتربوية والاجتماعية اللائقة.

7-         أن يقسم اليمين الحركي الآتي نصه, أمام القائد أو من يفوضه القائد: أقسم بالله العظيم أنني مؤمن بما ورد في ميثاق حركة أمل الذي اطلعت عليه وإنني أعمل بجميع طاقاتي لتحقيقه وفقًا لما يقره تنظيم الحركة وأن أقوم بخدمة التنظيم مفضلاً مصلحته على منافعي الذاتية معتبرًا أعضاءه إخوتي محتفظًا بما أعلم عنه وديعة لا أبوح بها إلا للتنفيذ, وأن أكون نموذجًا صالحًا في سلوكي الخاص وفي تضحياتي وجهدي وفي التزامي بالقيم ومحبتي للناس، إنني أقسم بالله على ذلك وأشهده وأنبياءه والأولياء والشهداء الصالحين على ما أقول.

8-                  أن يوافق على عضويته, المكتب التنظيمي ويسجل اسمه في سجل هذا لمكتب بعد تقديم طلب خطي موقع منه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الملحق –ب-

بسم الله الرحمن الرحيم

{ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون

صدق الله العظيم

الرسالة المفتوحة

التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين

في لبنان والعالم

مبينًا فيها تصوراته ومنهجه

بمناسبة الذكرى السنوية

الأولى لاستشهاد رمز المقاومة الإسلامية

شيخ الشهداء راغب حرب رضوان الله عليه

بتاريخ 26 جمادى الأول 1405 هـ

الموافق 16 شباط 1985 م

إهداء

إلى المشعل الذي ازداد تألقًا وضياء فأنار للمستضعفين في لبنان, درب الحياة الحرة الكريمة, وأحرق بوهج دمائه الطاهرة جبروت الكيان الصهيوني وأسطورته.

إلى الرائد الذي صدق أهله, فكان قدوة لهم في الجهاد, ولم يبخل عليهم بروحه حتى قضى شهيدًا في سبيل نصرتهم, وشاهدًا على ظلم الاستكبار العاملي وغطرسته.

إلى رمز المقاومة الإسلامية الظافرة والانتفاضة الرائعة التي لا يزال أهلنا يسطرون أروع ملاحمها الحسينية في الجنوب والبقاع الغربي.

إلى الذي بدد أحلام أمريكا في لبنان, وقاوم الاحتلال الإسرائيلي رافعًا لواء العمل بولاية الفقيه القائد الذي كان يحلو له دائمًا أن يصفه بأمير المسلمين عبد الله الخميني.

إلى شيخ الشهداء راغب حرب -رضوان الله عليه- نهدي في ذكاره السنوية هذه الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين في العالم, مثبتين بين ثنايا سطورها الخط السياسي الإسلامي الثوري الذي جسده الشهيد السعيد مع إخوانه الشهداء ليكون نهجًا بينًا ودليلاً واضحًا لكل المجاهدين في لبنان, سائلين المولى -سبحانه وتعالى- أن يفرغ علينا صبرًا ويثبت أقدامنا وينصرنا على القوم الظالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حزب الله


بسم الله الرحمن الرحيم

{وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقًا}

صدق الله العظيم


من نحن وما هي هويتنا؟

أيها المستضعفون الأحرار

إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان نحييكم ونخاطب من خلالكم العالم بأسره, شخصيات ومؤسسات, أحزابًا ومنظمات وهيئات سياسية وإنسانية وإعلامية, ولا نستثني أحدًا؛ لأننا حريصون على أن يسمع صوتنا الجميع فيفهموا مقالتنا ويستوعبوا طروحاتنا ويتدارسوا مشروعنا.

إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءًا من أمة الإسلام في العالم, التي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء, بهدف تفريغها من مضمونها الرسالي الذي أنعم الله به عليها لتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله, وبهدف استلاب خيراتها وثرواتها واستثمار طاقاتها وكفاءات أبنائها, والسيطرة على كافة شئونها.

إننا أبناء أمة حزب الله, التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم.. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط, وتتجسد حاضرًا بالإمام المسدد آية الله العظمي روح الله الموسوي الخميني دام ظله, مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة.

وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزبًا تنظيميًا مغلقًا, ولسنا إطارًا سياسيًا ضيقًا, بل نحن أمة ترتب مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام الذي أكمل الله رسالته على يد ختم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم, وارتضاه للعالمين دينًا يتعبدون به إذ قال في القرآن الكريم:

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}

ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الفلبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية التي نحن جزء لا يتجزأ منها, ونتحرك لمواجهة انطلاقًا من واجب شرعي أساسًا وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد.

أما ثقافتنا فمنابعها الأساسية, القرآن الكريم والسنة المعصومة والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا, وهي واضحة غير معقدة وميسرة للجميع دون استثناء, ولا يحتاج إلى تنظير أو فلسفة, بل جل ما تحتاجه هو الالتزام والتطبيق.

وأما قدرتنا العسكرية فلا يتخيلن أحد حجمها, وإذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا, بل إن كل واحد منا هو جندي ومقاتل حين يدعو داعي الجهاد, وكل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقًا لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد, والله هو من ورائنا يؤيدنا برعايته ويلقي الرعب في قلوب أعدائنا وينصرنا عليهم بنصره العزيز المؤزر.

العالم المستكبر متفق على حربنا

أيها المستضعفون الأحرار

إن دول العالم المستكبر الظالم في الغرب والشرق قد اجتمعوا على محاربتنا وراحوا يحرضون عملاءهم ضدنا يحاولون تشويه سمعتنا وافتراء الأكاذيب علينا في محاولة خبيثة للفصل بيننا وبين المستضعفين الطيبين, وفي سعي حثيث لتقزيم ومسخ الإنجازات المهمة والكبرى على مستوى مواجهتنا لأمريكا وحلفائها.

لقد حاولت أمريكا عبر عملائها المحليين أن توحي للناس بأن من قضى على غطرستها في لبنان وأخرجها ذليلة خائبة وسحق مؤامراتها على المستضعفين في هذه البلاد, هم ليسوا إلا حفنة من المتعصبين الإرهابيين الذين لا شأن لهم إلا بتفجير محلات الخمور والقمار وآلات اللهو وغير ذلك.

ولكن كنا على يقين بأن مثل هذه الإيحاءات لن تخدع أمتنا؛ لأن العالم بأسره يعلم أن من يفكر بمواجهة أمريكا والاستكبار العالمي لا يلجأ إلى مثل هذه الأعمال الهامشية التي تشغله بالذيل عن الرأس.

أمريكا وراء كل مصائبنا

إننا متوجهون لمحاربة المنكر من جذوره, وأول جذور المنكر أمريكا, ولن تنفع كل المحاولات لجرنا إلى ممارسات هامشية إذا ما قيست بالمواجهة مع أمريكا.

فالإمام الخميني القائد أكد ولمرات عديدة أن أمريكا هي سبب كل مصائبنا وهي أم الخبائث, ونحن إذ نحاربها فلا نمارس إلا حقنا المشروع في الدفاع عن إسلامنا وعزة أمتنا.

إننا نعلن بصراحة ووضوح إننا أمة لا تخاف إلا الله ولا ترتضي الظلم والعدوان والمهانة, وإن أمريكا وحلفاءها من دول حلف شمال الأطلسي, والكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين الإسلامية المقدسة, كل هؤلاء مارسوا ويمارسون العدوان علينا باستمرار ويعملون على إذلالنا باستمرار.

ولذا فإننا في حالة تأهب مستمر ومتصاعد من أجل رد العدوان والدفاع عن الدين والوجود والكرامة.

لقد هاجموا بلادنا ودمروا قرانا وذبحوا أطفالنا وهتكوا حرماتنا, وسلطوا على رقابنا جلادين مجرمين ارتكبوا مجازر رهيبة بحق أمتنا, ولا يزالون يدعمون هؤلاء الجزارين حلفاء إسرائيل, ويمنعوننا من تقرير مصيرنا بمحض اختيارنا.

إن قنابلهم كانت تتساقط على أهلنا كالمطر أثناء الاجتياح الصهيوني لبلادنا, ومحاصرة بيروت, وطائراتهم كانت تغير بشكل متواصل في الليل والنهار على المدنيين من أهلنا وعلى أطفالنا ونسائنا وجرحانا, وكانت مناطق الكتائبيين العملاء آمنة من قصف العدو ومركزًا لتوجيه وإرشاد قواته.

وكنا نستصرخ ضمير العالم آنذاك فلم سنمع له حسًا ولم نجد له أثرًا.

هذا الضمير الذي افتقدناه أيام المحنة هو نفسه كان مستنفرًا ويقظًا يوم حوصر الكتائبيون المجرمون في مدينة زحلة البقاعية, ويوم حوصر المتحالفون مع إسرائيل في دير القمر الشوفية, فهالنا الأمر وأيقنا أن هذا الضمير العالمي لا يهتز إلا بناء لطلب الأقوياء واستجابة لمصالح الاستكبار.

لقد ذبح الإسرائيليون والكتائبيون عدة آلاف من آبائنا وأطفالنا ونسائنا وإخواننا في صبرا وشاتيلا خلال ليلة واحدة فلم يصدر عن أية منظمة أو هيئة دولية أي استنكار أو شجب عملي لهذه المجزرة البشعة التي ارتكبت بتنسيق مع القوات الأطلسية التي غادرت قبل أيام بل ساعت, المخيمات التي قبل المنهزمون أن يضعوها تحت حماية الذئب استجابة لمناورة الثعلب الأمريكي فيليب حبيب.

وجاءت هذه الاعتداءات المجرمة لتؤكد ما ورد في معتقداتنا الثابتة أنه {ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}.

لا خيار لنا إلا المواجهة

وعلى هذا الأساس رأينا أن العدوان لا يرد إلا بالتضحيات, والكرامة لا تكون إلا ببذل الدماء, والحرية لا تعطى وإنما تسترد ببذل المهج والأرواح.

فآثرنا الدين والحرية والكرامة على العيش الذليل والخضوع المستمر لأمريكا وحلفائها وللصهاينة وحلفائهم الكتائبيين وانتفضنا لتحرير بلادنا وطرد المستعمرين والغزاة منها وتقرير مصيرنا بأيدينا.

ولم يكن بوسعنا أن نصبر أكثر ما صبرنا عليه, فمحنتنا تجاوزت من السنين عشرًا ولم نر إلا كل طامع أو متملق أو عاجز.

تنسيق صهيوني كتائبي

مائة ألف ضحية هو العدد التقريبي لجرائم أمريكا وإسرائيل والكتائب فينا.

تهجير لنصف مليون مسلم تقريبًا وتدمير شبه كامل لإحيائهم في النبعة وبرج حمود والدكوانة وتل الزعتر وسبنيه وحي الغوارنة وبلاد جبيل التي لا يزال من تبقى من أهلنا فيها يتعرضون للمحنة دون أن تتحرك هيئة عالمية واحدة لإنقاذهم.

واحتلال صهيوني استمر في اغتصابه لأراضي المسلمين حتى وصل إلى احتلال لأكثر من ثلث مساحة لبنان بتنسيق مسبق واتفاق كامل مع الكتائبيين الذين استنكروا محاولات التصد للقوات الغازية, وشاركوا في تنفيذ بعض خطط إسرائيل ليكملوا مشروعها ويعطوها ما تريد ثمنًا لإيصالهم إلى رئاسة الحكم.

وهكذا كان فلقد وصل الجزار بشير الجميل إلى سدة رئاسة مستعينًا بإسرائيل والنفطيين العرب وبالزعماء المستزلمين للكتائب من نواب المسلمين وأثر محاولة متقنة لتجميل صورته البشعة في إطار غرفة عمليات سميت بلجنة الإنقاذ, ولم تكن إلا جسرًا أمريكيًا إسرائيليًا عبر عليه الكتائبيون باتجاه التسلط على رقاب المستضعفين.

لكن شعبنالم يستطع الصبر على هذه المهانة, فأباد أحلام الصهاينة وحلفائهم, إلا أن أمريكا أصرت على حماقتها فأوصلت أمين الجميل لخلافة أخيه المقبور وكانت أول إنجازاته تدمير منازل المهجرين, والاعتداء على مساجد المسلمين, وإعطاء الأوامر للجيش بقصف أحياء الضاحية المستضعفة على أهلها, واستدعاء قوات حلف الأطلسي للاستعانة بهم علينا, وتوقيع اتفاقة 17 أيار المشؤوم الذي يجعل من لبنان محمية إسرائيلية ومستعمرة أمريكية.

أعداؤنا الأساسيون

ولم يستطع شعبنا أن يتحمل كل هذه الخيانة فقرر مواجهة أئمة الكفر أمريكا وفرنسا وإسرائيل, ونفذ بحقهم أول عقوبة لهم في 18 نيسان, ثم في 29 تشرين أول 1983 وكان قد بدأ حربًا حقيقية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتقى خلالها إلى مستوى تدمير مركزين أساسيين لحكامه العسكريين, وصعد من مقاومته الإسلامية شعبيًا وعسكريًا حتى أرغم العدو على اتخاذ قرار بالفرار المرحلي وهو قرار تضطر إليه إسرائيل لأول مرة في تاريخ ما سمي بالصراع العربي الإسرائيلي.

وللحقيقة نعلن أن أبناء أمة حزب الله باتوا الآن يعرفون أعداءهم الأساسيين جيدًا في المنطقة: إسرائيل أمريكا, فرنسا والكتائب.

أهدافنا في لبنان

وهم الآن في حالة مواجهة متصاعدة ضدهم حتى تتحقق الأهداف التالية:

تخرج إسرائيل نهائيًا من لبنان كمقدمة لإزالتها نهائيًا من الوجود وتحرير القدس الشريف من براثن الاحتلال.

تخرج أمريكا وفرنسا وحلفاؤها نهائيًا من لبنان وينتهي أي نفوذ لأية دولة استعمارية في البلاد.

يرضخ الكتائبيون للحكم العادل ويحاكموا جميعًا على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أمريكا وإسرائيل.

يتاح لجميع أبناء شعبينا أن يقرروا مصيرهم ويختاروا بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي يريدونه, علمًا بأننا لا نخفي التزامنا بحكم الإسلام وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع ويمنع وحده أية محاولة للتسلل الاستعماري إلى بلادنا من جديد.

أيها الأصدقاء

إذًا هذه هي أهدافنا في لبنان وهؤلاء هم أعداؤنا, أما أصدقاؤنا فهم كل الشعوب المستضعفة في العالم, وهم كل من يحارب أعداءنا ويحرص على عدم الإساءة إلينا أفرادًا كانوا أو أحزابًا أو منظمات, وإننا نتوجه إليهم ونخصهم بهذا الخطاب فنقول:

أيها المحازبون والمنظمون أينما كنت في لبنان وأيًا كانت أفكاركم, إننا متفقون وإياكم على أهداف كبيرة ومهمة, تتمثل في ضرورة إسقاط الهيمنة الأمريكية على البلاد, وطرد الاحتلال الصهيوني الجاثم على رقاب العباد, وضرب كل محاولات التسلط الكتائبي على شئون الحكم والإدارة, وإن كنا نختلف في أساليب المواجهة ومستوى المواجهة.

فتعالوا نترفع عن التخاصم فيما بيننا على الأمور الصغيرة ونفتح أبواب التنافس واسعة أمام تحقيق الأهداف الكبيرة.

فليس مهمًا أن يسيطر حزب على شارع, وإنما المهم أن تتفاعل الجماهير مع هذا الحزب.

وليس المهم أن تكثر الاستعراضات العسكرية على المواطنين, بل المهم أن تكثر العمليات ضد إسرائيل.

وليس المهم أن نصيغ البيانات وندعو إلى مؤتمرات بل المهم أن نجعل من لبنان مقبرة للمشاريع الأمريكية.

إنكم تحملون أفكارًا ليست من الإسلام, وليس في هذا ما يحول بيننا وبين التعاون معكم من أجل هذه الأهداف, خصوصًا إننا نشعر بأن الدوافع التي تحرضكم من أجل النضال هي دوافع إسلامية في الأصل, منشؤها الظلم اللاحق بكم من الطاغوت, والاستضعاف الذي يمارس عليكم من قبله, وهذه الدوافع إن تشكلت بأفكار غير إسلامية فلا بد أن تعود إلى جوهرها حين ترون الإسلام الثوري هو الذي يتصدى لقيادة الصراع, ولمقاومة الظلم والاستكبار.

على إننا لا نرتضي منكم تحرشًا ولا استفزاز ولا اعتداءات على أمننا وكرامتنا, ونلتزم معكم بمعالجة أي التباس بالتي هي أحسن أولاً, ونحرص على أن لا تشغلونا بما يعيق تحركنا لأهدافنا.

وستجدونا حريصين على الانفتاح عليكم وستزداد العلاقة معكم كلما ازداد التقارب الفكري فيما بيننا وبينكم وكلما شعرنا باستقلالية قراركم وكلما اقتضت مصلحة الإسلام والمسملين تعزيز هذه العلاقة وتطويرها.

أيها المحازبون المستضعفون

أنتم ممن قصدتم الحق فأخطأتموه, وليس من قصد الحق فأخطأ كمن قصد الباطل فأصابه.

ولذا فإننا نمد أيدينا إليكم ونقول لكم مخلصين: {يا قومنا أجيبوا داعي الله} و {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

نلتزم بالإسلام ولا نفرضه بالقوة

أيها المستضعفون الأحرار

إننا أمة التزمت برسالة الإسلام وأحبت للمستضعفين وللناس كافة أن يتدارسوا هذه الرسالة السماوية؛ لأنها تصلح لتحقيق العدل والسلام والطمأنينة في العالم.

والله تعالى ربنا يقول: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم * الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.

ولذا فإننا لا نريد أن نفرض الإسلام على أحد, ونكره أن يفرض الآخرون قناعاتهم وأنظمتهم علينا, ولا نريد أن يحكم الإسلام في لبنان بالقوة, كما تحكم المارونية السياسية الآن.

لكننا نؤكد أننا مقتنعون بالإسلام عقيدة ونظامًا, فكرًا وحكمًا, وندعو الجميع إلى التعرف عليه والاحتكام إلى شريعته, كما ندعوهم إلى تبنيه والالتزام بتعاليمه على المستوى الفردي والسياسي والاجتماعي.

وإذا ما أتيح لشعبنا أن يختار بحريته شكل نظام الحكم في لبنان فإنه لن يرجح على الإسلام بديلاً.

ومن هنا فإننا ندعو إلى اعتماد النظام الإسلامي على قاعدة الاختيار الحر والمباشر من قبل الناس, لا على قاعدة الفرض بالقوة كما يخيل للبعض.

ونعلن أننا نطمح أن يكون لبنان جزءًا لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأمريكا والاستكبار العالمي وللصهيونية العالمية, والتي يحكمها الإسلام وقيادته العادلة.

وهذا الطموح هو طموح أمة ليس طموح حزب, واختيار شعب لا اختيار عصابة.

الحد الأدنى لطموحنا في لبنان

وعلى هذا الأساس فإن الحد الأدنى الذي يمكن أن نقبل به على طريق تحقيق هذا الطموح المكلفين بالسعي لتحقيقه شرعًا هو:

إنقاذ لبنان من التبعية للغرب أو للشرق وطرد الاحتلال الصهيوني من أراضيه نهائيًا واعتماد نظام يقرره الشعب, بمحض اختياره وحريته.

لماذا نواجه النظام القائم؟

هذه هي رؤيتنا وتصوراتنا عما نريده في لبنان, وعلى ضوء هذه الرؤية والتصورات نواجه النظام القائم لاعتبارين أساسيين:

1-                  لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزء من الخارطة السياسية المعادية للإسلام.

2-         لكونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع بل لا بد من تغييرها من جذورها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.

موقفنا من المعارضة

وفي ضوء الاعتبارين الآنفين نحدد موقفنا من أية معارضة للنظام اللبناني

فنعتبر أن كل معارضة تتحرك ضمن خطوط حمر فرضتها القوى المستكبرة هي معارضة شكلية لا بد وأن تلتقي نهاية المطاف مع النظام القائم.

وكل معارضة تتحرك ضمن دائرة الحفاظ, والحرص على الدستور المعمول به حاليًا وتلتزم عدم إجراء أي تغيير أساسي في جذور النظام, هي معارضة شكلية أيضًا لا تحقق مصلحة الجماهير المستضعفة.

وكذلك فإن كل معارضة تتحرك في الواقع التي يريدها النظام أن تتحرك من خلالها ، هي معرضة وهمية ليست إلا لخدمة النظام.

ومن ناحية أخرى, فإن كل طرح للإصلاح السياسي على ضوء النظام الطائفي العفن لا يعنينا فيه شيء تمامًا كما  لا يعنينا تشكيل أية حكومة أو اشتراك أية شخصية في أية وزارة تمثل جزءًا من النظام الظالم.

كلمات برسم المسيحيين في لبنان

أيها المستضعفون الشرفاء

إننا نتوجه من خلالكم بكلمات قليلة نضعها برسم المسيحيين في لبنان وبرسم الموارنة على وجه الخصوص.

إن السياسة التي ينتهجها زعماء المارونية السياسية من خلال الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية, لا يمكن أن تحقق السلام والاستقرار للمسيحيين في لبنان؛ لأنها سياسة قائمة على العصبية والامتيازات الطائفية والتحالف مع الاستعمار وإسرائيل.

ولقد أثبتت المحنة اللبنانية أن الامتيازات الطائفية كانت سببًا رئيسيًا من أسباب الانفجار الكبير الذي قوض البلاد, وإن التحالف مع أمريكا وفرنسا وإسرائيل لم يجد نفعًا للمسيحيين يوم احتاجوا لدعم هؤلاء.

ثم إن الأوان قد آن ليخرج المسيحيون المتعصبون من نفق هؤلاء الطائفي ومن أوهام الاستئثار بالامتيازات على حساب الآخرين, وأن يستجيبوا لدعوة السماء فيحتكموا إلى العقل بدل السلاح وإلى القناعة بدل الطائفة.

إننا على يقين بأن رسول الله المسيح عليه الصلاة والسلام براء من المجازر التي ارتكبها الكتائبيون باسمه وباسمكم, وبراء من السياسة الحمقاء التي يعتمدها زعماؤكم للتحكم بنا وبكم.

كما وأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو براء أيضًا ممن يحسب على المسلمين ممن لا يلتزمون بشرع الله ولا يسعون إلى تطبيق أحكامه علينا وعليكم.

فإذا ما راجعتم حساباتكم وعرفتم أن مصلحتكم هي ما تقررونه أنتم بمحض اختياركم لا ما يفرض عليكم بالحديد والنار, حينئذٍ نجدد دعوتنا لكم استجابة لقول الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا, ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.

يا مسيحيي لبنان

إن كان كبر عليكم أن يشارككم المسلمون في بعض شئون الحكم فإنه والله كبر علينا ذلك أيضًا؛ لأنهم يشاركون في حكم ظالم لنا ولكم, وغير قائم على أحكام الدين ولا على أسس الشريعة التي اكتملت بخاتم النبيين.

وإن كنتم تريدون عدلاً, فمن أولى من الله بالعدل؟ وهو الذي أنزل من السماء رسالة الإسلام على امتداد بعثات الأنبياء من أجل أن يحكموا بين الناس بالقسط ويأخذوا لكل ذي حق حقه...

وإن كان أحد قد ضللكم وعظم لكم الأمور وخوفكم أن ينالكم منا ردود فعل على ما ارتكبه الكتائبيون من جرئم بحقنا, فهذا ما لا مبرر لكم فيه أبدًا, إذ أن المسالمين منكم لا زالوا يعيشون بيننا دون أن يعكر صفوهم أحد.

وإن كنا نقاتل الكتائبيين فلأنهم يشكلون حاجزًا أمام رؤيتكم للحقيقة ويصدونكم عن سبيل الله, ويبغونها في الأرض عوجًا بغير حق وقد استكبروا وعتوا عتوًا كبيرًا...

وإننا نريد لكم الخير وندعوكم إلى الإسلام لتسعدوا في الدنيا والآخرة, فإن أبيتم فما لنا عليكم من سبيل إلا أن تحفظوا عهودكم مع المسلمين ولا تشاركوا في العدوان عليهم.

أيها المسيحيون...

حرروا أفكاركم من رواسب الطائفية البغيضة وجردوا عقولكم من أسر التعصب والانغلاق, وافتحوا بصائركم على ما ندعوكم إليه من الإسلام ففيه نجاتكم وسعادتكم وخير الدنيا والآخرة.

ودعوتنا هذه نضعها برسم كل المستضعفين من غير المسلمين, أما المنتسبون للإسلام طائفيًا فندعوهم للالتزام بالإسلام عمليًا, والترفع عن العصبيات التي يمقتها الدين.

ونؤكد للجميع بأن هذا العصر هو عصر انتصار الإسلام والحق, وهزيمة الكفر والباطل, فالتحقوا بركب الحق قبل أن يأتي يوم يعض الظالم على يديه, يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً, يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً.

قصتنا مع الاستكبار العالمي

           أيها المستضعقون الشرفاء...

وأما قصتنا مع الاستكبار العالمي فنوجزها لكم بهذا الكلمات: إننا نعتقد أن صراع المبادئ بين أمريكا والاتحاد السوفيتي قد ولى منذ زمن بعيد وإلى غير رجعة, فلقد أخفق الطرفان في تحقيق السعادة للبشرية؛ لأن الفكرة التي قدماها للناس, وإن اختلفت من حيث الشكل إلى رأسمالية وشيوعية, إلا أنها التقت في المضمون المادي وقصرت عن علاج مشاكل الإنسانية.

فلا الرأسمالية الغربية ولا الاشتراكية الشرقية نجحتا في إرساء قواعد المجتمع العادل والمطمئن، ولا استطعتا أن تحققا التوازن بين الفرد والمجتمع ولا بين الفطرة البشرية والمصلحة العامة.

وتوصل الطرفان إلى إقرار واعتراف متبادل بهذه الحقيقة وأدركا أنه لم يعد من مجال للصراع الفكري فيما بين المعسكرين, وانعطفا سويًا إلى الصراع حول النفوذ والمصالح مستترين أمام الرأي العام وراء الاختلاف في المبادئ.

وفي ضوء هذا الفهم فإننا نرى أن الصراع الفكري بين المعسكرين قد طوي نهائيًا, وحل محله صراع المصالح والنفوذ بين دول العالم المستكبر التي يتزعمها أمريكا والاتحاد السوفيتي.

وعلى هذا الأساس فالبلدان المستضعفة باتت هي محكم الصراع, والشعوب المستضعفة أصبحت وقوده.

ونحن إذ نعتبر الصراع بين الجبارين ناتجًا طبيعيًا للمضمون المادي الذي يدفع كلاً منهما, إلا أننا لا نستطيع أن نقبل بهذا الصراع على حساب مصالح المستضعفين وبلادهم ونواجه كل أطماع وتدخل في شئوننا.

وفي الوقت الذي ندين فيه جرائم أمريكا في فيتنام وإيران ونيكاراغوا وغرينادا وفلسطين ولبنان وغيرهما، ندين أيضًا الغزو السوفيتي لأفغانستان, والتدخل في شئون إيران, ودعم العدوان العراقي وغير ذلك.

أما في لبنان ومنطقة فلسطين فإننا معنيون بمواجهة أمريكا بشكل رئيسي؛ لأنها صاحبة النفوذ الأقوى بين دول الاستكبار العالمي, وكذلك إسرائيل ربيبة الصهيونية العالمية, ومن ثم فإننا معنيون بمواجهة حلفاء أمريكا من دول حلف شمال الأطلسي التي تورطت في مساعدة أمريكا ضد شعوب المنطقة, ونحذر الدول التي لم تتورط بعد, من الانجرار إلى خدمة المصالح الأمريكية على حساب حرية أمتنا ومصالحها.

إسرائيل يجب أن تزول من الوجود

أما إسرائيل فنعتبرها رأس الحربة الأمريكية في عالمنا الإسلامي, وهي عدو غاصب تجب محاربته حتى يعود الحق المغصوب إلى أهله.

وهذا العدو يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل أجيالنا ومصير أمتنا خصوصًا أنه يحمل فكرة استيطانية توسعية بدأ تطبيقها في فلسطين المحتلة ويحاول التمدد والتوسع ليبني دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.

وصراعنا مع إسرائيل الغاصبة ينطلق من فهم عقائدي وتاريخي مؤداه أن هذا الكيان الصهيوني عدواني في نشأته وتكوينه وقائم على أرض مغصوبة وعلى حساب حقوق شعب مسلم.

ولذا فإن مواجهتنا لذا الكيان يجب أن تنتهي بإزالته من الوجود, ومن هنا فإننا لا نعترف بأي اتفاق لوقف إطلاق النار ضده, أو أية اتفاقية هدنة معه, أو أية معاهدة سلام منفردة أو غير منفردة.

وندين بشدة كل مشاريع الوساطة بيننا وبين إسرائيل ونعتبر الوسطاء طرفًا معاديًا؛ لأن وساطتهم لن تخدم إلا الإقرار بشريعة الاحتلال الصهيوني لفلسطين.

وعلى هذا الأساس نرفض معاهدة كامب ديفيد, ونرفض مشروع فهد, ومشروع فاس, ومشروع ريغان, ومشروع بريجنيف, والمشروع الفرنسي المصري, وكل مشروع يتضمن اعترافًا ولو ضمنيًا بالكيان الصهيوني.

ونسجل في هذا السياق إدانتنا لكل الدول والمنظمات المنحرفة التي تلهث وراء الحلول الاستسلامية مع العدو وتقبل بمقايضة الأرض بالسلام, ونعتبر ذلك خيانة لدماء الشعب الفلسطيني المسلم ولقضية فلسطين المقدسة.

ومن جهة أخرى فإن الدعوة اليهودية التي أطلقت أخيرا للاستيطان في جنوب لبنان, وكذلك هجرة اليهود الأثيوبيين وغيرهم إلى داخل فلسطين المحتلة, ننظر إليها على أنها جزء من المشروع الإسرائيلي التوسعي في العالم الإسلامي, ومؤشر فعلي على الخطر الناجم من الاعتراف بهذا الكيان أو التعايش معه.

المقاومة الإسلامية المتصاعدة

وحين نتحدث عن إسرائيل الغاصبة لا بد أن نتوقف عند ظاهرة المقاومة الإسلامية التي انطلقت من المناطق اللبنانية المحتلة لتفرض تحولاً تاريخيًا وحضاريًا جديدًا على مجرى الصراع ضد العدو الصهيوني.

فالمقاومة الإسلامية المشرفة التي سطرت ولا تزال, أروع الملاحم والبطولات ضد قوات الغزو الصهيوني, وحطمت بإيمان مجاهديها أسطورة إسرائيل التي لا تقهر, واستطاعت أن توقع الكيان الغاصب في مأزق حقيق من جراء الاستنزاف اليومي له عسكريًا وبشريًا واقتصاديًا اضطر قادته أن يعترفوا بقساوة المواجهة التي يلقونها على أيدي المسلمين.

هذه المقاومة الإسلامية لا بد أن تتواصل وتنمو وتتصاعد بعون الله تعالى, وأن تلقى من المسلمين جميعًا في كافة أقطار العالم كل الدعم والتأييد والمساندة والمشاركة حتى نستطيع أن نجتث الجرثومة السرطانية ونقتلعها من الوجود.

وإذ نصر على تأكيد إسلاميتها فإنما يكون ذلك انسجامًا منا مع واقعها الذي يبدو واضحًا أنه إسلامي في الدافع والهدف والمسلك وعمق المواجهة , وهذا لا يلغي وطنيتها أبدًا بل يؤكدها.. على العكس مما لو طمست إسلاميتها فإن وطنيتها تصبح هشة إلى حد كبير.

نداء من أجل مشاركة إسلامية واسعة

إننا ننتهز الفرصة لنوجه نداء حارًا إلى كافة أبناء المسلمين في العالم ندعوهم من خلاله إلى مشاركة إخوانهم في لبنان بشرف القتال ضد الصهاينة المحتلين, إما مباشرة أو من خلال دعم المجاهدين ومساعدتهم, ذلك أن مقاتلة إسرائيل هي مسئولية كل المسلمين في كافة الأقطار والمناطق وليست مسئولية أبناء جبل عامل والبقاع الغربي وحدهم.

لقد استطاعت المقاومة الإسلامية بدماء شهدائها وجهاد أبطالها أن ترغم العدو ولأول مرة في تاريخ الصراع ضده, على اتخاذ قرار بالتراجع والانسحاب من لبنان, دون أي تأثير أمريكي أو غيره, بل على العكس تمامًا, فإن قرار الانسحاب الإسرائيلي أظهر قلقًا أمريكيًا حقيقًا وشكل نقطة انعطاف تاريخية في مجرى الصراع ضد الصهاينة الغاصبين.

وأثبت المجاهدون, من خلال مقاومتهم الإسلامية التي شاركت فيها النساء حيث سلاحها الحجارة والزيت المغلي, والأطفال حيث سلاحهم الصراخ والقبضات العارية، والشيوخ حيث سلاحهم الجسد الضعيف والعص الغليظة, والشباب حيث سلاحهم البندقية والإرادة الصلبة المؤمنة, هؤلاء جميعًا أثبتوا أن الأمة إذا ما تركت تدير أمرها بحريتها قادرة على أن تصنع المعجزات وتغير المتوهم من الأقدار.

سياسة الارتزاق الحكومي والتفاوض الخياني

ونتوقف قليلاً عند الاستعراضات الحكومية التي تبرز في المواسم محاولة أن توهم الناس بمشاركة الحكم في دعم المقاومة ضد الاحتلال لنعلن بوضوح.

أن الدعم الإعلامي والكلامي بات شعبنا يمجه ويحتقر أصحابه, وإن صدرت بعض التصريحات عن بعض أركان الحكم القائم, فلا يتوهمن أحد أن الجماهير في غفلة على أن هذه التصريحات لا تمثل موقف الحكم برمته, خصوصًا وأن الحكم ليس في وارد أن يزج جيشه لينال شرف المشاركة في التحرير.

أما الدعم المالي للمقاومة فليس ذا قيمة إذ لم يصل إلى أيدي المجاهدين سلاحًا وذخيرة  ونفقات قتال وما شابه...

وإن شعبنا يرفض سياسة الارتزاق على حساب المقاومة وسيأتي يوم يحاكم فيه كل الذين تاجروا بدماء الشهداء الأبطال وبنوا لأنفسهم أمجادًا على حساب جروح المجاهدين...

ولا يمكننا إلا أن نؤكد بأن سياسة التفاوض مع العدو, وهي خيانة كبرى للمقاومة التي يدعي النظام دعمها وتأييدها... وأن إصرار الحكم على دخول المفاوضات مع العدو لم يكن إلا مؤامرة تستهدف الاعتراف بشرعية الاحتلال الصهيوني ومنحه امتيازًا على ما ارتكبه من جرائم بحق المستضعفين في لبنان.

ونقول استطرادًا: إن المقاومة الإسلامية التي أعلنت رفضها الالتزام بأية نتيجة تصدر عن المفاوضات, تؤكد على استمرار الجهاد حتى جلاء الصهاينة عن المناطق المحتلة كمقدمة لإزالتهم من الوجود.

القوات الدولية والدور المشبوه

وإن القوات الدولية التي يسعى الاستكبار العالمي لإحلالها على أراضي المسلمين في المناطق التي سينسحب منها العدو بحيث تشكل حاجزًا أمنيًا يعرقل تحرك المقاومة ويحفظ أمن إسرائيل وقواتها الغازية, هي قوات متواطئة ومرفوضة, وقد نضطر إلى معاملتها كما نعامل قوات الغزو الصهيوني على حد سواء.

وليعلم الجميع أن التزامات النظام الكتائبي المفروض, لا تلزم بأي شكل من الأشكال مجاهدي المقاومة الإسلامية وعلى الدول أن تفكر مليًا قبل أن تتورط في المستنقع الذي غرقت فيه إسرائيل.

أنظمة الانهزام العربي

وأما الأنظمة العربية المتهافتة على الصلح مع العدو الصهيوني, فهي أنظمة عاجزة وقاصرة عن مواكبة طموح الأمة وتطلعاتها, ولا تستطيع أن تفكر بمواجهة الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين؛ لأنها نشأت في ظل وصاية استعمارية كان لها الدور الأكبر في تكوين هذه الأنظمة المهترئة.

إن بعض الحكام الرجعيين خصوصًا في الدول النفطية, لا يتورعون أن يجعلوا من بلدانهم قواعد عسكرية لأمريكا وبريطانيا, ولا يخجلون من الاعتماد على خبراء أجانب يعينونهم في مناصب رسمية عليا, وينفذون ما تقرره لهم دوائر ((البيت الأبيض))  من سياسة تهريب الثروات وتوزيعها على المستعمرين بأساليب شتى.

ويدعي بعضهم أنه حامي الشريعة الإسلامية ليغطي خيانته وليبرر استسلامه لإرادة أمريكا, وفي الوقت نفسه يعتبر عبور كتب إسلامي ثوري واحد إلى بلاده أمرًا محرمًا وممنوعًا.

ونتيجة لسياسة الانهزام التي تتبعها هذه الأنظمة الرجعية تجاه إسرائيل فقد استطاعت هذه الأخيرة أن تقنع الكثيرين منها بأنها أصبحت أمرًا واقعًا, لا مجال لعدم الاعتراف بها فضلاً عن الإقرار بضرورة الالتزام بتوفير أمنها.

وسياسة الانهزام هذه هي التي شجعت السادات المقبور أن يرتكب خيانته الكبرى فيبادر إلى مصالحة إسرائيل معاهدة الذل معها.

وسياسة الانهزام هذه هي التي تحكم الآن تحرك مجلس التعاون الخليجي ومحور الأردن مصر والعراق والمنظمة العرافتية.

وسياسة الانهزام أمام أمريكا هي التي توجه موقف الحكام الرجعيين من الحرب العدوانية المفروضة على جمهورية الإسلام  في إيران, وتقف وراء الدعم غير المحدود لصدام العميل, على مستوى التمويل والتموين الاقتصادي والعسكري ظنًا منهم أن النظام التكريتي المتصهين يمكنه أن يقضي على الثورة الإسلامية ويمنع من انتشار وهجها الثوري ومفاهيمها, وسياسة الانهزام هذه هي التي تدفع الأنظمة الرجعية إلى تجهيل الناس وتمييعهم وتذويب شخصيتهم الإسلامية وقمع أي تحرك إسلامي مناهض لأمريكا وحلفائها في بلادهم, كما إنها هي التي تدفعها إلى الخوف من يقظة المستضعفين ومنعهم من التدخل في شئون السياسة لما في ذلك من خطر كبير على بقاء تلك الأنظمة ناتج عن وعي الشعوب على فساد حكوماتها وارتباطاتها المشبوهة, وعن تعاطف هذه الشعوب مع حركات التحرر في كافة أنحاء العالم الإسلامي والعالم.

إننا نجد في الأنظمة العربية الرجعية ما يشكل حاجزًا أمام تنامي وعي الشعوب الإسلامية ووحدتها, ونعتبرها مسئولة عن عرقلة المحاولات التي تستهدف إبقاء الجرح مفتوحًا والصراع مستمرًا مع العدو الصهيوني.

وأملنا كبير بالشعوب المسلمة التي بدأت تبدي تذمرها بوضوح في معظم البلاد الإسلامية واستطاعت أن تتسلل إلى عالم الثورات لتستفيد من تجاربها وخصوصًا من الثورة الإسلامية الظافرة, وسيأتي اليوم الذي تتساقط فيه هذه الأنظمة الهشة أمام قبضات المستضعفين كما تساقط عرش الطاغوت في إيران.

ولا بد ونحن نخوض معركة شرسة ضد أمريكا وإسرائيل ومخططاتهما في المنطقة, إلا أن نحذر من هذه الأنظمة الرجعية من العمل بالشكل المعاكس لتيار الأمة الناهض والمقاوم للاستعمار والصهيونية, وعليها أن تتعلم من المقاومة الإسلامية في لبنان دروسًا كبيرة في الإصرار على مقاتلة العدو حتى إلحاق الهزيمة به.

كما أننا نحذر هذه الأنظمة من التورط بمشاريع استسلام جديدة, وبمشاريع عدوانية تستهدف الثورة الإسلامية الفتية؛ لأن ذلك سيئول بأقطاب هذه الأنظمة إلى نفس المصير الذي لاقاه أنور السادات ومن قبله نوري السعيد وغيرهما.

جبهة عالمية للمستضعفين

ونتوجه إلى كافة الشعوب العربية والإسلامية لنعلن لها أن تجربة المسلمين في إيران الإسلام لم تبق عذرًا لأحد, حين أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الصدور العارية المدفوعة بإرادة الإيمان قادرة بعون الله الكبير أن تحطم كل حديد الأنظمة الطاغوتية وجبروتها.

لذا فإننا ندعوا هذه الشعوب لتوحد صفوفها وترسم أهدافها وتنهض بكسر القيد الذي يطوق إرادتها وتسقط الحكومات العميلة التي تتسلط عليها..

ونلح على جميع المستضعفين في العالم بضرورة تشكيل جبهة عالمية لهم تضم كافة حركاتهم التحررية بهدف التنسيق فيما بينها تنسيقًا كاملاً شاملاً من أجل تأمين الفعالية لتحركها والتركيز على نقاط ضعف أعدائها.

فإذا كان العالم المستعمر بكافة دوله وأنظمته يجتمعون اليوم على حرب المستضعفين, فإن على المستضعفين أن يجتمعوا لمواجهة مؤامرات قوى الاستكبار في العالم.

وعلى كافة الشعوب المستضعفة وخصوصًا الشعوب العربية والإسلامية أن تدرك بأن الإسلام وحده هو المؤهل ليكون الفكر المقاوم للعدوان, بعدما أثبتت التجارب أن كل الأفكار الوضعية قد طويت إلى الأبد لمصلحة التوافق الأمريكي مع السوفيات وغيرهم.

وقد آن الأوان لندرك أن كل الأفكار الغربية عن أصالة الإنسان وفطرته لا يمكن أن تستجيب لطموحاته أو تنقذه من ظلمات الضلال والجاهلية, ووحده الإسلام يحقق نهوض الإنسان وتقدمه وإبداعه؛ لأنه {يوقد من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء}.

الله الله في وحدة المسلمين

يا أيتها الشعوب المسلمة

حاذري من الفتنة الاستعمارية الخبيثة التي تستهدف تمزيق وحدتك لتزرع الشقاق فيما بينك وتثير العصبيات المذهبية السنية والشيعية.

واعلمي أن الاستعمار ما استطاع أن يسيطر على ثروات المسلمين إلا بعد أن سعى في صفوفهم تمزيقًا وتفريقًا, يثير السنة على الشيعة, ويحرض الشيعة على السنة, وأوكل هذه المهمة فيما بعد إلى عملائه من حكام البلاد حينًا, ومن علماء السوء أحيانًا ومن الزعامات التي سلطها على رقاب العباد.

فالله الله في وحدة المسلمين فإنها الصخرة التي تتحطم عليها خطط المستكبرين والمطرقة التي تسحق مؤامرات الظالمين.

فلا تدعوا لسياسة ((فرق تسد)) أن تمارس في بلادكم وقاوموها بالالتفاف حول القرآن الكريم.

{واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا}

{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم}

{واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}.

يا علماء الإسلام

وأنتم يا علماء الإسلام

فإن مسئوليتكم كبيرة جدًا بحجم المصائب التي تحل بالمسلمين, وأنتم خير من يقوم بواجبه في قيادة الأمة نحو الإسلام, وفي توعيتها على ما يخطط له الأعداء للسيطرة عليها ونهب ثرواتها واستعبادها.

ولا شك أنكم تدركون أن المسلمين ينظرون إليكم بصفتكم حملة الأمانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصفتكم ورثة الأنبياء والمرسلين, فكونوا القدوة في الترفع عن بهارج الحياة الدنيا وزخرفها والتوق إلى الجنة والشهادة في سبيل الله.

ولكم في رسول الله أسوة حسنة حيث كان يجوع مع الناس ويشبع مع الناس, وكان يؤم المصلين في المسجد ويتقدم صفوفهم في ساحات الجهاد.

وكان ملجأ لهم في المهمات يستدفئون بتوجيهاته وحلوله وينقدون له واثقين مطمئنين.

يا علماء الإسلام 

إن الإمام الخميني القائد أكد مرارًا على ضرورة صلاح العالم واهتمامه بتزكية نفسه قبل الآخرين وقال في أكثر من مقام: إن الناس إذا عرفوا أن صاحب حانوت غير صالح, فيقولون: إن فلانًا غير صالح, وإذا عرفوا أن تاجرًا يغش الناس, فيقولون: إن فلانًا غشاش, أما إذا عرفوا أن عالم الدين -لا سمح الله- غير صالح فإنهم سيقولون: إن الدين غير صالح.

فيا علماء الإسلام

لهذا الأمر وغيره فإن مسئوليتكم كبيرة جدًا, فاستعينوا بالله على القيام بها وادعوا الله -عز وجل- بدعاء الإمام علي عليه الصلاة والسلام اللهم إنا لا نسألك حملاً خفيفًا بل نسألك ظهرًا قويًا, وستجدون الأمة خير مستجيب لنداءاتكم وتوجيهاتكم وقيادتكم.

واعلموا أن موقعيتكم في الأمة قد عرف المستعمر أهميتها ولذا فإنها وجه أقوى طعناته إلى صدور العلماء المجاهدين, فدبر مؤامرة شيطانية لإخفاء الإمام السيد موسى الصدر بعدما أحس أنه عقبة كأداء في وجه مخططاته العدوانية, وقتل الفيلسوف الإسلامي الشيخ مرتضى مطهري, وأعدم المرجع الإسلامي الكبير آية الله السيد محمد باقر الصدر؛ حيث أحس منه بخطورة موقفه الذي جسده بهذه الكلمات ((ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب في الإسلام)) وها هو يتربص الدوائر بكل عالم ديني يقوم بواجبه الإسلامي خير قيام.

ومن ناحية أخرى راح الاستعمار يخترق المسلمين بوعاظ للسلاطين لا يخافون الله ويفتون بما لا مجال فيه للفتوى, فيجيزون الصلح مع إسرائيل ويحرمون قتالها ويبررون خيانة الحكام الظالمين.

وما كان المستعمر ليفعل ذلك لولا أهمية تأثير العالم الديني على الناس.

من هنا فإن من أهم مسئولياتكم يا علماء الإسلام أن تربوا المسلمين على الالتزام بأحكام الدين وتوضحوا لهم الخط السياسي الذي يسيرون على هديه, وتقودهم نحو العزة والرفعة, وتهتموا بالحوزات العلمية بحيث تستطيع أن تخرج قادة مخلصين لله وحريصين على نصرة الدين والأمة.

كلمة أخيرة حول المنظمات الدولية

وأخيرًا لا بد من كلمة حول المنظمات والهيئات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وغير ذلك.

فإننا نسجل أن هذه المنظمات ليست منبرًا للأمم المستضعفة بشكل عام وتبقى عديمة الفاعلية بسبب هيمنة دول الاستكبار العالمي على قراراتها إجراء أو تعطيلاً.

وما حق النقض الفيتو الذي تحظى به بعض الدول إلا دليلاً على صحة ما نقول.

ومن هنا فإننا لا نتوقع أن يصدر عن هذه المنظمات ما يخدم مصلحة المستضعفين وندعو كل الدول التي تحترم نفسها إلى تبني مشروع إلغاء حق النقض الفيتو لدول الاستكبار.

كما ندعوها إلى تبني مشروع طرد إسرائيل من الأمم المتحدة باعتبارها كيانًا غاصبًا وغير مشروع فضلاً عن كونه معاديًا للنزعة الإنسانية.

أنها المستضعفون الأحرار...

هذه هي تصوراتنا وأهدافنا, وهذه هي القواعد التي تحكم مسيرتنا فمن قبلنا بقبول الحق فالله أولى بالحق, ومن رد علينا نصبر حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

SELECTED BIBLIOGRAPHY

Newspapers and Magazines

Daily Star Beirut (1983-1985)

Guardian (1978-1986)

Jerusalem Post (1978-1986)

Monday Morning (Beirut) (1980-1986)

Al-Nahar (1974-1986)

Al-Nahar al-Arabi wa al-Duwali (1980-1986)

New York Times (1943-1986).

al-Safir 1980-1986

Times London 1980-1986

Wall Street Journal 1982-1986

Washington Post 1978-1986

Sources of Translated Materials

Foreign Broadcast Information Service.

Joint Publications Research Service.

Books and Artcles

Abu Iyad Salalh Khalaf and Eric Rouleau My Home, My Land: A Narratrve of the Palestinian Struggle. Translated by Linda Butler Koseoglt. New York: Times Books, 1981.

Abu Khalil, As'ad. Druze, Sunni, and Shiite Politrcal Leadership in Presentday Lebanon, Arab Studies Quaruerly 7, no. 4 Fall 1985: 28-58.

Adams , Raymond. Paradoxes of Religious Leadership among the Shi'ites of Lebanon. MERA Forum 6 Winterv 1983: 9-12.

Ajami Fouad. The Arab Predicament: Arab Political Thought and Practics Since 1967. New York: Cacbridge University Press 1981

The End of Pan-Arabish Foreign Affairs 57 Winter 1978-1979: 355-373.

Lebanon and Its Inheritors. Foreign Affairs 63 Spring 1985: 778-799.

The Vanished Iman: Musa Al Sadr and the Shia of Lebanon Ithaca N/Y: Cornell Universrty Press, 1986.

Almond, Gabriel A. Approaches to Developmental. In Crisis, Chouce and Change; Historical Studies of Political Devlopment , ed. Gabriel A. Aomond, Scott C. Flangan, and Robert J. Mundi. Boston: Little, Brown 1973, PP. 1-41.

Almond , Gabriel A. and James S. Coleman, eds, The Politics of the Developing Areas. Princeton: Princeton, University Press, 1960.

Almond , Gabriel A, And G. Bingham Powell , Jr Compatative Politics: A Dveleopmental Approach. Boston: Little , Borwn, 1966.

Alpher, Joseph, ed. Israel's Lebanon Policy: Where to Tel Aviv: Jaffee Center for Stratogrc Studies, Tel Aviv University, August 1984.

Antoun, Richard, and Iliya Harik, eds. Rursl Politics and Social Change in the Middle East, Bloomington:Indiana University Press, 1972.

Apter, David E. The Politics of Modernization. Chicage: University of Chicago Press, 1965.

Arjomand , Said Amir , ed From Nationalism to Revolutionary Islam. Albany: State University of New York Press, 1984.

Awwa, Tawfik Yusuf, Death in Beirut, trans. Leslie Mcloughlin. London: Heinemann Educational Books, 1967.

Ayubi, Nazih N. M. The Political Revival of Islam: The Case of Egypt International  Journal of Middle East Studies 12 December 1980: 41-499.

Azar , Edard E. Paul Jureidini, Ronald D. Mclaurin , Augusts R. Norton, Robert J. Pranger , Kate Shnayerson , Lewis W. Snider, and Joyce R. Starr. The Emergence of a New Lebanon: Fantasy or reality New York: Praeger Pulishers, 1984.

Baaklini, Abdo I. Legislative and Ploitical Development: Lebanon, 1842-1972 Releigh, N, C Duke University Prsess, 1976

Bailey, Clinton, Facing a Wounnded Tiger. Jerusalem Post Magazine. Clinton, Facing a Wounded Tiger. Jerusalem Post Magazine, March 15-1985.

Ball, George W. Error and Bertayal in Lebanon: An Analysis of Israel's Invasion of Lebanon and Implrcations for U. S. Israeli Relations. Washington , D. C : Foundation for Middle East Peace , 1984.

Bill, James A. Politics in the Middle East. 2d. Boston: Little, Brown, 1984.

Restrgent Islam in the Persian Gulf. Foreign Affairs 63 Fall 1984: 108-127.

Binder , Leonard The Ideological Revelution in the Middlo East. New York: John Wiley and Sons , 1964.

In a Moment of Enthusiasm: Political Power and the Second Stratum in Egypt. Chigago: University of Chicage Press, 1978.

National Integration and Political Development, American Political Science Review 58 September 1964: 622- 631.

Ed, Politics in Lobanon. New York: John Wiloy and Sons , 1966.

Review Essay: Political Participation and Political Development. Americal Journal of Sociology 83 Novmber 1977: 751- 760.

Binder , Leonard James S. Cleman , Joseph La Palombara, Lucian W. Pye , Signey Verba, and Myron Weiner. Crises and Sequences in Political Development , Princeto: Princeuon University Press, 1971.

Bulloch, John. Death of a Country: The Civil War in Labanon. London: Weideenfelf and Nicolson , 1977.

Final Confilct: The War in Lebanon. London: Centuty Publishing , 1983.

Calis Raphael. The Shiite Pimpernel. Middle East November 1978: 52-54.

Cameron. David R. Toward a Theory of Political Mobilization. Journal of Politics 36 Februry 1974: 138 – 171.,

Center for the Study of THE Mosern Arab World. Islamic Law and Dar Al-Mashreq Publishers 1978.

Chamie , Joseph , The Lebanese Civil War: An Investigation into the Causes. World Affairs 139 Winter 1976/1977: 171- 188.

Religion and Ferility: Arab Christian – Muslim Differentials. Cambrige, Eng: Cambridge University Press, 1981.

Chara Waddah. Transformations d'une manifestation Religieuse dansun village du Libanaise, 1968.

Cobban, Helena. The Making of Modern Lebanon. Boulder: weastview Press, 1985. COLE , Juan R. I. and Nikki R. Keddie. Eds. Shi'ism and Social Protes. New Haven: Yale University Press, 1986.

Connor , Walker , Nation-Building or Nation-Desteroying. World Politics 24 April 1972: 319- 355.

Cotrow , Ralph E. Electoral Issues: Lebanon. In Electoral Issues in the Middle East: Issues , Voters and Elites , ed , Jacob M. Landau, Erugun Ozbudyn , and Frank Tachau Stanford: Hoover Institution Press, 1980, pp 39-68.

Deeb , Marius K, The Lebanese Civil War New York: Praeger , 1980. Lebanon: Prospects for National Reconciliation in the Mid-1980s. Middle East Journal 38 Spring 1984: 267-283.

Lebanon's Continuing Conflict. Current Historuy January 1985: 13-15, 34.

Dekmejian , Richard H. The Anatomy of Islamic Alterantives. Middle East Journal 34 Winter 1978: 1-12.

Consociational Denocracy in Crisis: The Case of Lebanon. Comparative Politics Io January 1978: 251-266.

Patterns of Political Lesdership: Egypt, Israiel , Lebanon, Albany: State University of New York Press, 1975.

Dessouki , Ali E. Hillal , ed Isalmic Resurgence in the Arab World. New York: Praeger Publishers. 1982.

Details about Hizbullah' and Its Leaders. Middle East Reporter, March 22, 2986.

Deutsch, Karl W. Nationalism and Social Communication, An Inquiry Into the Foundations of Nationality. Cambridge: MIT Press, 1996.

Politics and Government: How People Decide Their Fate. 2d. Boston: Houghton Miffin, 1974.

Social Mobilization and Political Development. American Political Scince Review 55 Septomber 1961: 493-514.

Dominguez , Jorge , Political Participation and the Social Mobilization Hy'pothesis: Chile , Mexico , and Cuba , 1800-1825. Journal of Interdisciplinary History 5 Autumn 1974: 237- 266.

Early , Evelyn A The Emergence of an Urban Za'im Asocial Network Analysis. Journal of the Social Sciences Kuwait 5 April 1977: 1-25.

Eickelman , Dale F. The Study of Islam in Local Contexts. Contribution to Asian Studies 17 1982: 1-16.

Enayat, Hamid. Modern Islamic Political Thought. Austin: University of Texas , 1982.

Entelis , John P. Ehtnic Conflict and the Reemergence of Radical Christian Nationalism in Lebanon, Journal of Souht Asia and Middle Eastern Studies Spring 1979 , Reprinaed in Religion and Politics in the Middle East , Ed. Michael Curis. Boulder: Westview Press, 1981, pp. 227-245.

Pluralism and Party Transformation in Lebanon: Al Kata'ib 1936-1970. Leiden, the Netherlands: E. J Brill, 1974.

Fadl Allah. Muhammad Hussin. Al Islam wa Mantaq al Quwa. 2d. ed. Beirut: Dar al Islamiya , 1981.

Al Maqawama al Islamiya L: Afaq wa Tatallu'at. 2d ed Bir al-abd, Lebanon: Lebanon: Lajnat Masjid al Imam al Rida , 1986.

Farah Tawfic, Aspects of Consociationism and Modernization: Lebanon as an Exploratory Test Case. Lincoln, Nob: Middle East Research Group. 1975.

Faris. Hani A. BEYOND THE Lebanese Civil War: Historical Issues and the Challenges of Reconstrucion , Weshington, D.C Center for Contemporary Arab Studies , Georgetoun  University , April 1982.

Fawaz. Leila Tarazr , Merchants and Migrants in Nineteenth Century Beirut. Cambridge: Harvard University Press, 1983.

Understanding Lebanon , American Scholar 54 Summer 1985: 377-384.

Fischer, Michael M J Islam and the Revolt of the Petit Bourgeoisie. Daedalus III Winter 1982: 101-125.

Flotz , William J. MODERNIZATION and Nation Building: The Somral Mobilization Model Remonsrdersr In From National Development to Global Community:  Essay in Honor of Karl W. Deutsch, Ed. RiCHARD L. Merritt  and Bruce M. Russett. London: George Allen and Unwin , 1981, pp, 25 – 54.

Fuller , Anne H. Buarij: Portrait of a Lebanese Muslim Village , Cambirdge: Harvard Universrty. Center for Middle Eastern Studies, 1969.

Geertsz , Clifford. Old Societies and New States: The Quest for Modernity in Asia and Africa. New York: Free Press, 1963.

Gellner , Ernest. Post Traditional Forcs in Islam: The Turf and Trade and Votes and Peasants. Daedalus Io2 Winter 1973: 191-206.

Gilmour , David, Lebanon: The Fractured Country. New York: St. Martin's Press, 1983.

Gilsenan , Micghael. Recognizing Islam: Religion and Society in the Modern Arab Worgl. New York: Pantheon Books , 1982.

Goodman , Hirsh. A Pragmatic Ideologue. Atlantic September 1983: 22ff 1.

Green Jerrold. Countermobilization as a Revolutionary Form. Compatftive Politics 16 January 1984: 153-169.

Islam. Religiopolitics, and Social Change: A Review Article. Comparative Studies in Society and History 27 April 1985: 312-322.

Islam and Politics: Politics and Islam. Middle East Insight 3, no. 5 1984: 3-7.

Revolution in Iran: The Politics of Countermobilization. New York: Praeger, 1982.

Gutman , Roy. Battle over Lebanon. Foreign Service Journal June 1984: 28-33.

Gutner , Tammi. Sam Lewis and His Middle East Mission. SAISPHERE John Hopkins University School of Adanced Interantional Studies Winter 1986: 12-23.

Haddad , Wadi D. Lebanon: The Politics of Revolving Doors. Washington Papers. No. 114. New York and Washington. D. C: Praeger Publishers and the Center for Stratogic and International Studies , George town TUniversity, 1985.

Haddad. William. Divided Lebanon. Current History January 1983.: 15-18ff.

Association of Arab American University Graduates, August 1978.

Haley Edward p. and Lewis W. Snider, eds. Lebanon In crisis: Participants and Issues. Syracuse.: Syracuse University Press, 1979.

Hamadah. Ali, Harakat Amal. al Nahar al Arabi wa al Duwali, Aprile 6-12 1981.

Harik , Iliya , Lebanon: Anatomy of Conflict. Hanover. N. H: American Universities Field Staff Reports , no 49-1981.

The Political Elite as a Strategic Minority. In Leadership and development in Arab Society , ed , Fuad I. Khuri. Beirut: American University of Beirut. Center for Arab and Middle East Studies, 1981. pp. 62-91.

The Political Mobilization of Peasants: a Study of an Egyftian Community. Bloomington: Indianan University Press: 1974.

Voting Behavior: Lebanon. In Electoral Politics in the Middle East: Issues, Voters and Elites , ed Jacob Landau, Ergun Ozbudun , and Frank Tachau, Stanford: Hoover Institution Press, 1980.

Harris , William , The View from Zahle: Security and Economim Concerns in the Cemtral Bekaa: 1980-1985. Middle East Journal 39, no 3 Summer 1985: 270-286.

Heeger Gerald A. The Politics of Under Development. New York: St. Nartin's Press. 1974.

Hegland, Mary. Two Images of Husain: Accommodation and Revolution in an Iranian Village In Religion and Politics in Iran: Shi'ism from Quietism to Revolutin, ed Nikki R. Keddle. New Haven YALE University Press, 1983, pp. 218-235.

Hof , Frederic C. Galilee Divided: The Israel – Lebanon Frontier. Boulser: Westview Press, 1985.

Hooglund , Eric. Rural Participation in the Revolution MERIP Reports 87 May 1980: 3-6>

Horowitz , Dan Dual Authority Politics Comparative Politics 14 April 1982: 329-349.

Hourani. Albert H. Syria and Lebanon: A political Essay: London: Oxford University Press, 1946.

Hudson , Michael C. Arab Politics: The Search for Legitimacy. New Haven: yale University Press, 1977.

Democracy and Somial Mobilizationin Lebanese Politics Comparative Politics I January 1969 Reprinted with a Postseript in analyzing the Third World ed Norman W. Provizer. Boston ; G. K. Hall , 1978, pp. 271-391.

Islam and Political Development. In Islam and Development: Religion and Sociopolitical Change ed John L. Esposituo Syracuse: Syracuse University Press, 1980 , pp. 1-24.

Islamic Factor in Syrian and Iraq Politics , In Islam in the Polrtical Process, ed James p. Piscatori , Cambridge Eng: Cambridge University PreSS , 1983. PP. 261-97.

 The Lebanon Crisis: The Limits of Consocrational Democracy. Journal 32 Summer 1978: 261-278>

The Precarious Reptblic: Political Monernization in Lebanon New York Random House , 1968.

The Precarious Republic Revisited: Revisited: Reflections on The Collawse of Pluralist Politics in Lebanon. Washington. D. C ; Georgetown University Center for Center for Contemporary Arab Studies, Institute of Arab Development , February 1977.

Humphreys , R,StEVEN Islam and Political Values in Saudi Arabia, Egypt and Syria. Middle East Journal 33 Winter 1979: 1-19.

Huntington , Samuel P. The Chanve to Change to Change ; Modernization , Development, and Politics. Comparative Politics 3 April 1971: 283-322.

Political Order in Changing Societies , New Haven: Yale Universiy Press, 1968.

Huntingjon , Samuel P. and Joan M. Nelson. No Easy Choice: political Participation in Deveolping Countries. Cambridge: Harnard University Press. 1976.

Al-Husaini, Sharif , Hizb Allah: Harakat , Askarriya am Siyasiya am Diniya , al-Shira, March 15-1986.

Jaber , Talal, Le discourse Shi'ite sur le Pouvoir, Peuples Mediterranees Mediterranean Peoples 20 July September 1982: 75-92.

Jafri , S. H. M The Origins and Development of Shi'a Islam London: Longman. Liban. 1979.

Johnson , Michael, Famtional Politicd in Lebanon: The Case of the Middle Eastern Studies 14 January 1978 & 75.

Political Bosses and Their Gangs: Zu'ama and Qabadayat in the Sunni Muslim Quarters of Beirut. In Patrons and Clients ed. Ernest Gellner and John Waterbury. London: Duckworuh in Association with the Center for Mediterranean Studies of the American University Field Staff, 1977.

Popular Monements and Primordial Loyalties in Beirut. In Sociology of Developing Societies: The Middle East ed , Talal Asad and Roger Owen , New York Monthly Review Press, 1983, pp. 178-194.

Joseph, Suad , Politicization of Religious Sects in Berj Hammoud. Ph. D. dissertation, Columbia Universrty., 1975

Joumbblatt, Kamal I. Speak for Lebanon, Translated by Michael Pallis and Recorded by Philippe Lapousterle, London: Zed Press, 1982.

Judkins. Major James C. Jr. The Expanding Roler of the Shi'a in Lebanon Master of Military Art and Science thesis. U. S. Army.

Command and General Staff College , Fort Leavwor, Ks, 1983.

Jureidini, Paul A. and Ronald k. Mclaurin , The Impact of Social and Generational Change on Lobanese Politics Unpublished Paper , March 1984.

Kazemi, Farhad. Poverty and Revoltuion in IRAN the Urban poor, Urban Marginality and Politics New York University Press. 1980.

Keddie , Nikki R. Iran: Chang in Islam and Change. Inuernational Journal of Middle East Studies II July 1980: 527-542.

Khalaf, Samir Adaptive Modernization: The Case for Lebanon. In Economic Development and Population Growth in the Middle East , ed , Charles A. Cooper and Sidney S. Alexander. New York: American Elsevier press 1972, pp. 657-598.

Changings Forms OF Political Patrronage in Lebanon. In Patrons and Clients in Coditerranean Societies ed, Ernest Gellner and John Waterbury. Lendon: Gerald Duckworth , 1977, pp. 185-205.

On the Demoralization of Public Life in Lebanon , Some Impassioned Reflection Studies in Comparative International Development 17 Spring 1982: 49-72.

Parliamentary Elites: Lebanon. In Electoral Issues in the Middle East: Issues, Stanford: Hoover Institution Press, 1980, pp243-271.

Persistence and Chane in 19th Century Islam: A Sociological Essay Beirut: American University of Beirut, 1979.

Khaled , Hasan AL Muslimin fi Lubnan wa al Harb al ahliya. Beirut: Dar al Kindi , 1978.

Khalid , Tarif , Shaydh Ahmad Arif AL Zin and al Irfaan in Intellectual Life in the Arab East, 1980- 1939 ed, Marwan R. Buheiry, Beirut: American University of Beirut , Center for Arab and Middle East Studies , 1981. pp. 110-124.

Khalidi , Walid , Conflict and Violence in Lebanon: Confrontation in the Middle East Cambridge: Harnard University, Center for International Affairs , 1979.

Al Khouri , Touma , The Election Bus. In Modern Arabic Short Storres, ed Denys Johnson Davies Sondon: Hornemann, 1967- pp. 173-181.

Khoury , Elias and Nubar Hovespian Israel's Future in Lebanon. MERIP Report 108-109 Soptember – October 1982: 28-32.

Khuri , Fuad I. The Changing Class Structure in Lebanon. Middle East Journal 23 Winjer 1969: 29-44.

A Compatative Study 

A Compartive Study of Migration Pattervs in Two Iebanese Villages Human Organization 26, no. 4 1978: 206-213.

From Village to Suburb: Order and Chande in Greater Beirut.

Chicago University of Chicage Press , 1975.

Ed , Leadershrp and Development in Arab Socicty. Beirtu: American Universty of Beirut , center for Arab and Middle East Studies , 1981.

The Social Dynamrcs of the 1975-1977 War in Lebanon Armed Forces and Society 7 Spring 1981: 383-408.

Kifner , John. Life Among the Ruins in Beirut. New York Times Magazine, December 6, 1981.

Koury , Enver M. The Crisis in the Lebanese System: Confessionalism and Chaos, Washington , D C American Enterprise Institute, In, statute for Policy Research June 1976.

Kramer , Martin , Muhammad Husayn Fadlallah. Orient: German Journal for Politics and Economics of the Middle East 26, no 2 June 1985: 147-149.

Ed, Shi'ism Resistance and Revolution Boulder: Westview Press., Forthcoming 1987.

Kravetz, Marm. Le Shiite resurgence Le Matin Paris , May 28, 1982.

Lavran , Aharon , Un Forces and Israel's Security; Modernizing the Middle East. New York Froo Press, 1968.

Lijphart , Arend. Consociational Democracy. World Politics 21 January 1969: 207-255.

Democracy in Plural Societies , New Haven: Yale University Press, 1977.

Lipset, Seymour Martin , ed , Politics and the Social Sciences. New York Oxford University Prsee, 1969.

Lustick, Ian Stability in Deepoy Divided Societios: Conociationisc Versus Contirol. World Politics 31 April 1997: 325-344.

Melaurin. Ronald D. Peace in Lebanon. Unpublished Paper Read at the University of Southern Califernia April 1985.

Macleod , Scott, A Dangerous Occupation , New York Review of Books , August 16, 1984.

Mcrae, Kenneth. Consociational Democracy: political Accomodation in Segmented Societies McCelland and Steward, 1974.

Mannock , Robin Hit andmyth of the Occupation forces Policy of terror in south Lebanon Daily Star Beirut June 21, 1984.

Mazzaoui , Michel M. Shi'ism amd Ashura in South Lebanon in Taziyah: Richel and Drama in Iran and ed , Peter J. Chelkowski, New York New York University Press and Soroush Press, 1979, pp. 228-237.

Melhem Hisham the Case for the Lebanese Resrstance AAUG Association ef Arab American University Graduate Mideast Monitoi 2no May 1985: 2-4, 6.

Meoson , Robert , and Howard Wolpe, Moernization and the Politics of Communalism: A Theoretical Perspective , American Political Science Review 64 December 1970: 1113- 1130.

Nigeria: Moderization and the Politics , of Commucalism, East Lansing: Michigan stat University Press, 1917.

Meo, Leila MT. Lebanon: Imprebaboe Nation ; A Study in political Development. Bloomington: Indiana University press 1965

  Migdle, Joel S, P easavts, P Pressures toward Political and Social Change in the Third world , Princeton: Princeton University Press, 1974.

Mortimer Edward. Faith and Power: The Politics of Islam, New York vintage Books, 1982.

Mountjoy, Alan B. Migrant Werkers in the Arab Middle East, Thris World Quarterly 4 July 1982: 530-531.

Muir , Jim Assad Tightene His Grip on Lebanon Middle East International 249 May 3, 1985: 3-5.

In the lap of the Syrians Middle East Internatioinal 258 September 13, 1985: 8-9.

Lebanon Arena of Conflict Crucible of Peac Middle East Journal 38, no 2 Spring 1984, 205-227.

A Stirk that United Beirut Arabia The Islamic World Review June 1982: 26-27.

Al Muqawama al wataniya fi al Janub al Lubnani , Beirut: Dar Iqra. 1984, Nasr , Salim , Backdrop to Civil War The Crisrs of Lebanese Captialism. MERIP Reports 73 December 1978: 3-13.

N ie Norman H G Bingham Powell and Denneth Prewitt. Science Review 63 June 1996: 361-378.

Noruon , Augustus R. Changing Actors And Leadership among the Shiites of Lobanon A nnals of the Amercan Academy of Political nd Social Science ne , 482 November 1985: 109-121.        

External Intervevtion and the Politics of Lebanon , Washingto. D. C. Wasthington Institute for Values in Public Policy , 1984.

Harakat Amal The Movement of Hope Paper Presented at the annual Meeting of the American Political Science Association, Denver, Colorado, September 2-5 1982, Reviserd edition in Religion and Politics Political Anthropology, 3 ed, Myron J. Aronoff. New Brunswick, N. J. Transaction Books, 1984, PP. 105-131.

Israel and Southe Lebanon. American Arab Affairs 4 Spring 1983: 23-31.

Lebanese Quagmire New Yor Timer Jugy 11, 1984.

Lebanon's Old Politic Must Yirld, to the New New New York Times , January 3, 1984.

Lebanon's Shiites. Political Landscape New Leader March 8, 1982: 8-9.

Lebanon's Shiites. New York Times, April 16-1982.

Militant Preest, and Political Violence Under the Banner of Islam. Armed Forces and Society 9 fall 1982: 3-19.

Political Violence and Shi'a Factionalism in Lebanon Middle East Insight  3, no, 2 1983: 9-16 A Shorter Version Appears in New Outlook: Middle East Monthly Israel January 1984: 19-21.

The Violent Work of Politics in Lebanon Wall Stroot Journal March 18, 1976.

Ozbudun , Ergun, Social Change and Political Participation in Turkey. Princeton: Princeton University Press, 1977.

Pakradoui, Karim. La Paix Manquee, Beirut: Editions FMA, 1983.

Pears , Richard Three, years in the Levant , London: Macmillan. 1949.

Peters , Emrys L. Aspects of Rank and Status among Muslrms in a Lebanese Village In Mediterranean , Countrymen: Essays in the Social Anthropolegy of the Mediterranean ed Julian Pitt Rivers , Paris: Mouton 1963, pp. 159-200.

Shifts of Power in a Lebanese Village In Rural Politics and Social Change in the Middle East , ed , Richard Antoun and Iliya Harik, Bloominguon: Indiana University Press, 1972, pp, 165-197.

Picard, Elizabeth , De la Commtnaute' Classe a la Resistance National, Revue Francarse de Sience Politique 35 December 1985: 999-1028.

Polk , William R. The Oponing of South Lobanon, 1788-1840: A study of the Impact of the Wost on the Middle East Cambridge: Harvard University Press, 1963.

Ramazani R. K. Iran's Islamic Revolution and the Persian Gulf. Current History January 1985: 5-8, 40-41.

Randal, Jonathan C. GOING all the Way: Christian Warlords. Israeli Adventurees and the War in Lobanon, New York: Viking Press , 1983.

Al Sadr Beirut: Dar Al Khalud , 1979.

Safa Muhammad Jabri al Tarikh Jabal Amil, Beirut: Dar Al Nahar , 1981.

Salem Elie Adib Sebanon's Political Maze The Search for Peace in a Turbulent land Middle East Journal33 Autumn 1979: 444-463.

Modernization without Revolution: Lebanon's Experience. Indiana University Press, 1973.

Salibi, Kamal S. Caravn Books, 1976.

The Modern History of Lebanon New York Frederick A. Praeger publishers, 1965.

Salman, Magida , The Lobanese Communities and Their Little Wars 10 1983: 13-20.

Schiff zeev, and Ehud Yaari Israel's Lobanon war New York Simon and Schuater, 1984.

Sicking Thom and Sheseen Khairallah The Shia Awakoning in sion and Revision in Arab Society , 1974, CEMAN Reports 2 1975: 97-130 Beirut Dar al Mashreq, 1975.

Skocpol , Theda What Makes Peasants Revolutionary? Comparative Politics 14 April 1982: 351-375.

Smith , Donald E. Religion and Political Development Boston: Little, Brown, 1970.

Smock , David R, Aurrey C. Scock the Politics of Pluralism: A comparative Study of Lebanon and Ghana , New York Elsevier, 1975.

Snider , Lewis W, The Lebanese force: their Origins and Role in Lebanon'S Politics Middle East Journal 38 Winter 1984: 1-33.

Political Insfability and Social Changes in Lebanon: Unpublished Paber, January 1984.

Stok Joe, Repru from Lebanon MERIP Reports 118 Ocuober 1983: 3-13.

Suleiman , Michael W. Political Parties Culture Ithaca , N, Y Corell University Press, 1967.

Tabbarah Lina Mikdadi, Survival in Beirut: A Diary of Civil War. Translated by Nadia Hijab London Onyx press , 1979l.

Tabbarah , Riad B, Background to the Lebanese Conflict , Interanuional Journal of comparative Sociology 20 , nos , 1-2 March 1979: 101-121.

Rulletin of the U. N economic Commission for Western Asia 4 1977: 3-25.

Tueni Ghassan. Lebanon ; A New Republic Foreign Affairs 61 Fall 1982: 84-89.

Une Guerre Pour Les autres Paris: editions Lettes, 1985.

U. S Congress, House, Subcommittee on Europe and the Middle Eadt of the Commruuee on Forign Affairs Islamic Fundamentalism and Islamic Radicaliem 99th Cong Ist sess, 1985.

Urquhart , David The Lebanon: Mt , S ouria, A History and a Diary, London Thomad Cautley Newby, 1860.

Verba , Sidney and Norman H Nie Participation in America, New York Harper and Roy, 1972.

World Bank , World Development Repotu , New York ; Oxord Universty Press, 1982.

Wright Robin Sacred Rage The Wrath of Militant Islam , New York Simen and Shcuster , 1985.

Zabih Sepeihr Aspects of Terrorism in Iran Annals of the American Academy of political and Science 463 September 1982: 84-94.

Al Zain , Muhammad Hussain , al, Shia fi al Tarikh , Beirut Dar la Athar , 1979.

Zonis, Marvin Iran A theory of Revolution Form Accounts of the Rebolution , World Politics 35 July 1983: 586-606.

Self Objects Self Reprsesntation and Sense Making Crises: Pooitical Instability in the 1980s. Unpublished Paper, 1983.

 

 

محتويات الكتاب

كلمة الناشر............................................

مدخل ................................................

تمهيد ..................................................

  1. مقدمة .................................................
  2. معنى التغيير ومصادره لدى الشيعة في لبنان.....
  3. التعبئة السياسية .......................................
  4. نهاية حلف طبيعي ....................................
  5. التناقض والثبات في سياسة أمل.......................
  6. الغزو الإسرائيلي ونتائجه.............................
  7. صنع الأعداء في جنوب لبنان.........................
  8. التناحر الطائفي والتفتت الاجتماعي..................

المحلق -أ – ميثاق حركة أمل.........................

الملحق -ب- نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم

ثبت المراجع ........................................295

 


([1])  بالطبع فإن كل ما جاء في الكتاب يتحمل مسئوليته المؤلف وحده، ولقد وصل بنا الأمر إلى حد عدم وضع أغلب المصطلحات التي يستخدمها بين مزدوجين تأكيدًا على الحفاظ على واحد من الأهداف التي أملت ترجمة هذا الكتاب الاطلاع على وجهة نظر أمريكية قريبة من مركز صناعة القرار في الولايات المتحدة, بل هي إحدى مراحله.

([2])  انظر: ((علماء الإسلام يعلنون الموقف الشرعي الواجب على المسلمين اتخاذه بشأن الغد)) بيان من أربع صفحات في حزيران 1986.

([3])  حول كل ما يتعلق باليونيفل. انظر دراستي ((Observations U. N Peacekeeping in Lebanon)) الملقاة في ملتقى المؤتمر الجامعي الدولي حول القوات المسلحة 21-23 تشرين الأول 1983 في بالمر هاوس, شيكاغو – إيليونوس.

([4])  دافيد سموك وأودي سموك, The Politics of Pluralism: Acmparatrve Study of Lebanon and Ghana P.IX.

([5])  إيلي أديب سالم, ((Modernization without Revolution: Lebanon's experience P.XIII)).

([6])  لاستثناء جدير بالتنويه, انظر إيليا حريق, ((Lebanon: Anatomy of Contlict.)).

([7])  انظر مقالي: ((New Leader, Lebanon's Shifrng Political Landscape,)) آذار 1982 8-9.

([8])  العناوين الجديرة بالتنويه تشمل, وليد خالدي, ((Conflict and Violemce in Lebanon's: Confrnontation in the Middle East: Maius Deep , the Lebanese Civil War , and Kamals Salibi, Crossroads to Civil War 1958-1967)).

([9])  John Kifner and Thomas Friedman of the New York Times; Trudy John Cooley, and Robin Wright of the Christian Science Monitor; Wiliam Claiborne. Jonathan Randal, and David Ottoway of the Washington and Bdavi Ignatius of the Wall Street Journal.

هؤلاء جميعًا أرسوا مستويات جديدة للكتابة عن لبنان, فالمراسلون الأجانب يمثلون كمجموعة نخبة مختارة ممتازة جد موهوبة وغير مقدرة حق قدرها بحيث يميل المرء إلى الاعتقاد بأنه لو أطلق ناشريهم الحرية لهم لقدموا نوعية أفضل من التقارير, فالقول بأن المراسلين غالبًا ما تفوتهم القصة الحقيقية في لبنان يشكل نقدًا لكيفية عمل أغلب الصحف لا انتقاصًا من كفاءة أولئك المراسلين.

([10]) تجد تحليلاً فذًا لهذه الفترة في كتاب, William R.Polk in The Opening of South Lebanon, 1788-1840.

([11]) انظر مثلاً, Joseph Chamie, Religion and Fertility: Arab Christian Muslim Differentials.

([12])  المرجع نفسه ص 44.

([13])  Robert Melson and Howard Wabpe , Modernization and the Politics of Communalism: Atheoretical Peroective, American Political Science Reports 64 December1970: 1112-1130.

([14])  مما له دلالته أن الخطاب الرئيسي الذي أعلن فيه رئيس الوزراء رشيد كرامي عن سياسته في 31 أيار 1984 تضمن الدعوة إلى إلغاء الطائفية, لكن لسوء الحظ لم يأخذ هذا الإصلاح, كغيره من الإصلاحات طريقه إلى حيز التنفيذ.

([15])  Lewis W.Snider The Lebanese Forces: Their Origins and Role in Lebanon's Politics. Middle East Journal 38 Winter 1984: 1-33, see 3.

([16])  انظر الفصل الذي كتبته بعنوان حركة أمل في الدين والسياسة Political Anthropology PP. 105 – 131وحول التغير السياسي والاجتماعي العام في لبنان انظر Paul A. Jureidini and Ronald D. Melaurin, The Impact of Social and Generational Change on Lebanese Politics unpubished paper, March 1984 ; and Edward Azar et al; The Emergence of a New Lebanon: Fantasy or Reality?

([17])  يمكن الاستدلال على مدى هامشية الشيعة من كون الدراسات السياسية التي صدرت قبل الحرب الأهلية تجاهلتهم بشكل كلي تقريبًا, والكتابان التاليان من الاستثناءات الجديرة بالتنويه: Michael C. Hudson. The Precarious Republic: Political Modernization in Iebanon; and David R. Smock. The Politics of Pluralism: A Comparative Study of Lebanon and Ghana.

([18])  David Urquhart. The Lebanon: Mt. Souria. A History and a Aiary. 2 Vols, l: 223.

([19])  Albert H. Hourani. Syria and Lebanon: Apolitical Essay. P. 135.

([20])  Leonard Binder. Political Change in Lobanon in Polities in Lebanon. Ed Leonard , PP. 283-327.

([21])  المرجع نفسه ص 301.

([22])  يمكن الحصول على إحصاءات سكانية مفيدة في: Joseph Chamie, The Lebanese Civil War: An Investigation into the Causes World Affairs 139 Winter 1967/1977: 171-188: and Riad B.Tabbarah. Backgrouns to the Lebanese Conflict. International Journal of Comparative Socrology 20, nos. 1-2 March 1979 ) 101-121.

ولدراسة ديموغرافية رائعة انظر: Joseph Chamie. Religion and Fertility: Arab Christian-Muslim Defferentials.

([23])  هي من حيث ترتيبها العددي التقديري: الشيعة, الموارنة, السنة, الأرثوذكس, الدروز, الكاثوليك, والأرمن الأرثوذكس.

([24])  Chamie , Lebanese Civil War p.179.

([25])  Hudeon , Precaurious Republic p79

([26])  Tabbarah, Background to the Lebannes Contlict, p. 118

([27])  Hassan Sharif, South Lebanon: Its History and Geopolitics. In South Lebanon, ed , Elaine Hagopian and Samih Farson PP. 10-11.

([28])  المرجع نفسه ص 11.

 ([29])  انظر: Lewis W.sinder , The Lebanese Forces: Their Origions and Role in Lebannon's Politics , Middle Sast journal 38 Winter 1984 1-33; Snider , Political Instability and Social Change in Lebanon unpublished January1984.

([30]) Augustus R. Norton., Lebanon's Old Politics Must Yield to the New , New York , January , 1984

([31]) التغيير السياسي مغيب كليًا في: Gabriel Almond and James S. Coleman. eds. The Politics of the Developing Areas Princeton: Princeton University Press  وانظر أيضًا: Almond and G. Bingham Powell. Jr. Comparative Politics: A Developmental APPROACH BOSTON: Little , Brown, 1966  للأدبيات التي عالجت موضوع التغيير السياسي انظر: Samuel P. Humtington. Compatative Politics3 April 1971 ) 283-332

([32]) Emrys I. Peters. Aspects of  Rank and Status among Muslums in a Lebanese Village , in Mediterranean de. Julran Pitt. Rivers. PP. 159-200 and Peters , Shifts of Power IN a Lebanese Village in Rural Politics and Socral change in the Middle East , ed , Richard Antoun and Iliyan Harik. PP. 165-197 Karl W. Deutsch Review 55 September 1961): 493-524

([33]) ومن المحاولات التفصيلية لتطبيق عمل دويتش في إطار متوسطي:

Farhad  Kazemi. Poverty and Revolution in The Urban Poor Urban Marginality and Politics. PP. 68 FF.

([34]) Deutsch, Social Mobilization. P493

([35]) المرجع نفسه ص 497-498.

([36]) المرجع نفسه ص 498.

([37]) William J Foltz. Modernization and Nation- Building: The Social Mobilization Model Reconsidered, in From National Developemen to Global Community: Essays in Honor of Karl W. Deutsh. ed. Richard L. Merritt and Bruce M. Russett. PP. 25-45; quotation at p.26

([38]) انظر: Hudson, Precarious Repubkic, esp, PP 53-86

([39]) World Bank, World Development Report, p. 147

انظر أيضًا:

Michael Johnson Popular Movements and Primerordral Loyalties in Beirut in Sociology of Developing Societios The Middle East. Ed. Talal Asad and Roger Owen. PP. 178-194; in Particular, see p.178

([40]) Salim Naser, Backdrop to Civil War The Crisis of Libanese Capitalism MERIP Reports 73 Dececber 1978 3-13

([41]) Alan B. Mountjoy. Migrant Wokers in the Arab Middle East. Third World Quarterly 4 July 1982 530-531

([42]) Naser, Backdrop to Civil War. P.10

([43]) Deutsch, Social Mobilization, PP. 497-498

([44]) Jerrold D. Green, Revolution in Iran: The Politics of Countercobilization. P.2

([45]) المرجع نفسه ص 3.

([46]) Jorge Dominguez. Political Participation and the Social Mabilization Hypethesis: Chele. Mexico, and Cupa, 1800-1825 Journal of Inteerdisciplanary History5 (Autumn 1974) 237-266 quotation at p 266

([47])  David R. Cameron , Toward a Theory of Political Mobilization, Journal of Politics 36 February 1974: 138-171; quotation at P. 139.

([48])

 

([49])  Gabriel A. Almond, Approaches to Developemental Cousatoin, in Gabriel A. Almond, scott C. Flanagan, and Robert J. Mundt, PP. 1-41;  انظر أيضًا: Augustus R. Norton, External Enterventoin and the Politics of Lebanon.

([50]) لأولوية السياسي انظر: Seymour Martin Lipset , ed , Politics and the Social Sciencesوخصوصًا مقدمة  Lipset. PP. Vll- XXll; and Giovanni Satori, From the Sociology of Politics to Political Sociology. PP. 65- 100.`

([51])  Leonard Binder, In a moment of Enthusiasm: Political Power and the Second Stratum Egypt. P.27.  وكما يلاحظ ما يندر: رغم أهمية التمييز بين أنماط التعبئة السياسية إلا أنه غالبًا ما يفتقد في الدراسات الأكاديمية.

([52])  انظر مثلاً: Clifford Greetz , Old Societies and New States: The Quest for Modernity in Asia and Africa.

([53])  Karl W. Deutsch. Nationalism and Social Communication; An Inguiry into the Foundations of Natoinality.

([54])  لدراسة نقدية لموقف دويتش من المتماثل انظر: Walker Connor's Nation Building ot Natoin-Destroying? World Politics 24 April 1972: 319-355 Esp 321 –328>

([55])  Deutsch, Social Mabilization. 501- See Also Deutsch's Politics and Government: How People Decide their Fate , 2d ; P544.

حيث يلاحظ أن التعبئة الاجتماعية تجعل الناس أكثر إتاحة للتغيير, وهي تقوم بذلك عبر حضهم أو تعليمهم على تغيير مسكنهم ونوع عملهم واتصالاتهم ومعارفهم ومظهرهم الخارجي وخيالهم, وتخلق حاجات ومطالب وطموحات وقدرات جديدة إلا أن كافة أنماط التصرف هذه قد تفرق السكان أو توحدهم وقد تخلق التعاون أو الاستتباع.

([56])  Fuad I.Khuri, From Village to Suburb: Order and Change in Greater Beiut P.211.

([57])  انظر: Hudson, Precarious Republic, P. 22

([58])  Iliya Harik, The Political Elite as a Strategic Minerity, in Leadership and Development in Arab Seciety, ed Fuad I. Khuri, PP. 62-91: see P.71.

([59])  Khuri. From Village to Suburb. P.217

([60])  المرجع نفسه ص 101.

([61])  Samuel P. Hutington and Joan M. Nelson. No eaey Choice: Political Partrcrpation in Developing Countries, P. 113

([62])  Harik , The Political Elite as s STRATEGRC Minority. P. 71.

([63])  حول الحفاظ على الهوية الطائفية في بيروت انظر: Fuad. Khuri. The Social Dynamics of the 175-1977 War in Lebanon Armed Forces and Soriety 7 Spring 1981: 383-408: and Khuri. A Comparative Study of Migration Patterns in two Lobanese Villages , Human Organization 26. no. 4 1967: 206-213 انظر أيضًا: Smock and Smock. Politics of  Politics of Pluralism. p. 93

([64])  Hudson. Precarious Republic. P. 61

([65])  Johnson. Popular Movements. P. 181

([66])  Suad Josph. Politicization of Religious Seets in Borj Hammoud, P. 210

([67])  لدراسة قيمة وفريدة حول زعماء السنة والقبضايات في بيروت انظر: Michael Johnson. Political Bosses and Their Gangs: Zu'ama and Qabadayat in the Sunni Muslim Quarters of Beirut, in Patrons and Clients, ed. Ernest Gollner and John Waterbury. PP. 207-224وفي المجلد نفسه راجع سمير خلف Changing Forms of Political Patronage. PP. 185-206

([68])  Jonson, Popular Movements. P.191

([69])  Joseph, Politicization of Religious Sects. P. 109

([70])  Khuri , Social Dynamics of the War, P.392

([71])  Touma al Khouri. The Election Bus, in Modern Arabic Short Stories, trans. Denys Johnson- Davies, PP. 173- 181: quotation at P.173

([72]) لمعالجة روائية مفيدة وخلافية لمحاولة امرأة شيعية الهرب من طائفتها وقريتها انظر: Tawfik Yusuf Aurvad. Death in Beirut  trans. Leslie: MeLoughin

([73])  ثمة استثناء هام يتمثل في كتاب ريتشارد أنطون وإيليا حريق Rural Politics and Social Changein the Middle East. eds يقول الكاتبان في المقدمة, فيما يتعلق بالمشاركة في التنظيم السياسي والانتخابات, وتكوين الرأي في المسائل الوطنية ومحاولة حل مشاكل المجتمع المحلي, فالقرويون قد يكونون أكثر تسيسًا من المدنيين ص 11.

([74])  Daniel Lerner. The Passing of Traditional Society: Modernizing the Middle East. P. 61

([75])  المرجع نفسه ص 50.

([76])   Deutsch. Social Mobilization. PP. 497- 496.

([77])  المرجع نفسه ص 499.

([78])  Samuel P. Hunttington. Political Ordrin Changing Societies. P.47

([79])  رغم فقدان التمييز بين الريفي والمديني للكثير من معناه, إلا أنه لا يزال ذا أهمية بالغة لدى الفرد اللبناني فالقرية بالنسبة له تمثل مكان الراحة, والملاذ, والتقاعد.

([80])  Ilya Harik, The Political Mobiliation of Peasans: A Study of an Eyuption Commtnity. P.212.

([81])  Antoun and Harik, Rural Politics and Social Change. P. 7

([82])  Eric Hooglund, Rual Participation in the Revolution , MERIP Reports 87 may 1980: 3-6 ; quotation at p.5

([83])  يزعم خوري في كتابه المذكور في الهامش 55 أن 83% من سكان لبنان مدينيون.

([84])  يركز عمل فؤاد عجمي الجديد وهو قيد الإنجاز على حقائق الحياة في القرية في لبنان المعاصر.

([85])  Ilya Harik, Voting Behavior; Levanon, in Electoral Politics in the Middle East: Ieeues , Voters and Elites, ed, Jacob Landau, Ergum Ozbudun, and Frank Tachau, p. 156

([86])  Khuri, From Village to Suburp p.8

([87])  Joe Stork, Report from Lebanon, MERIP Roports 118 October 1983: 3-13-22 see p.13

([88])  بالطبع فإن الحديث عن الأطراف بوصفها كلاً موحدًا يمكن أن يكون مضللاً, بل لعل القول بأن المركز قد فشل في السيطرة على نظام سياسي شديد التجزئة, قد يكون أقل دقة إلا أنه أكثر كشفًا, لنقاش مثير للاهتمام حول دور المركز والأطراف في العالم النامي انظ: Gerald A. Hooger, The Politics of Undervelopments. Pp. 47-74

([89])  Antoun and Harik, Rural Politics ans Social Changer. P. 10

([90])  اعتمد في التمييز بين المشاركة الذاتية والمعبأة على تمييز Ergun Oznudun in Social Change and Political Participation in Turkey  ولقد اقتصر مفهوم المشاركة السياسية بمعناها الأضيق على الاقتراع, وفي الواقع فإن دافيد ليرنر في كتابه المحترم بشكل واسع The Passing of Traditional Society يساوي بشكل صريح بين المشاركة السيساسية, والاقتراع بالإضافة إلى العديد من الأدبيات حول موضوع المشاركة تكاد رغم تعدادها للعديد من أوجه المشاركة, تقصر دراستها على تحليل الانتخابات, لسبب بسيط وهو أنه من الصعوبة بمكان إجراء الأبحاث حول أشكال المساهمة السياسية التي تتعدى صندوق الاقتراع.

أما المفهوم الأوسع للمساهمة السياسية فركز على دراسة النشاطات السياسية العنيفة التي يدعوها لويس كانتوري بالمشاركة بواسطة AK 47 Hd أي الكلاشينكوف التي ميزت ما سمي بالنظام السياسي في لبنان منذ عام 1975, أما فيما يتعلق بدراستنا فإننا نرى أن ما يرون وايز يقدم تعريفًا مفيدًا: فهو يرى أن المشاركة تتضمن أي عمل طوعي سواء كان ناجحًا أم غير ناجح, منظمًا أم غير منظم, متواصلاً أم متقعطًا يستخدم الوسائل الشرعية أم غير الشرعية بهدف التأثير على خيارات السياسية العامة, وإدارة الشئون العامة, واختيار القادة السياسيين على أي مستوى حكومي محلي أو وطني Myron Weiner, Political participation; Crisis the Political Process, in Crises and Sequences in Political Dovelopment , by Leonard Binder, James S. Coleman, Joseph La Palombara, Lucian W. Pye, Sidney Verba, and Myron Weiner, pp. 159-204; quotation at p. 164.

وبينما يقدم هذا المفهوم نشاطات متنوعة يصعب قياسها, إلا أن حوادث الاحتجاج والتظاهر والعنف والتهديد تشكل -رغم عدم دقتها- بعض المقاييس التي يمكن بها قياس مدى سعي الأفراد والجماعات إلى التأثير على وجهة السياسات المتبعة, ونظرًا لصعوبة تحديد الأطر الشرعية والقانونية في مجتمع يتميز بتراجع السلطات الشرعية المتزايد, فإنه من الأهمية بمكان أن لا نربك بحثنا بحصره بالمساهمة القانونية لمفهوم واسع نسبيًا حول المساهمة, انظر: Sidney Verba and: Norman H. Nie, PARTICIPATION in America.

([91])  Arinold Hottinger, Zu'amm' in Historical Perspetive, in Politics in Lebanon, ed , Binder, pp, 88- 105.

([92])  Samir Khalaf, Adaptive Mordeernization: The Case for Lebanon in Economic Development and Population Growth in the Middle East , ed. Charles A. Cooper end Sidney S. Alxander. Pp. 567- 598

يلاحظ خلف أهمية الدور الذي لعبته الرابطات العائلية لدى كافة الطوائف اللبنانية الرئيسية في عملية التغير الاجتماعي, هذه الطوائف اللبنانية الرئيسية اتبعت بشكل عام النسق نفسه في عملية امتصاص بعض ميولها العلمانية المتضمنة في التحديث, وبهذا المعنى فإنه يمكن اعتبار الرابطات العائلية عارضًا من عوارض التغيير الاجتماعي ورد فعل عليه في آن ص 584.

ويلاحظك سمكوكس في Politics of Pluralism أن غالبية الرابطات العائلية العاملة في بداية السبعينات كانت على الأرجح رابطات شيعية ص 87.

([93])  بينما ليونارد بايندر, وعلى الرغم من تجنبه اختيار أسلوب محدد, إلا أنه قدم واحدًا من أهم الأعمال النقدية لمفهوم المشاركة السياسية إبان عملية التنمية, وخصوصًا لتفسيرات معنى المشاركة في العملية السياسية Review Essay Political Participation and Political Development, American Journal of Somiology 83 November 1977: 751-760.

([94])  مصطلح المشاركة الظاهرية Pseudoparticrpation نقلناه عن Green, Revolution in The Politics of Modervization; Huntington and Nelson, No Easy choise; and Huntington, Political Order in Changing Societies  وكما يلاحظ بايندر لدى تناوله عمل هانتنغتون: فالمشاركة والتمأسس تعتبر أمورًا متناقضة خلال مرحلة التنمية Review Essay, p.754

([95])  Weiner, Political Participation. p187

([96])  Cameron, Toward a Theory. p. 145

([97])   المرجع نفسه ص 147.

([98])  Normal H. Nie, G. Bingham Powell. And Kenneth Prewitt, Social Structure and Politicipation , American Political Scionce Review 63 June 1969: 361-378; Septomber 1969: 808-832.

([99])  Cameron, Toward a Theory. P. 140

([100])  Walid Khalidi, Conflict and Violence in Lebanon: Confrontation in the Middle East p. 42.

([101])  إن الخلاف حول دور الدين وقانون الأحوال الشخصية ينعكس بوضوح في الملاحظة التالية للشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: أنا أنتمي إلى التيار الذي يعتبر إلغاء الطائفية السياسية في مجال الوظيفة وفي التمثيل النيابي ضمانة لإصلاح أغلب ما نشكو منه في النظام اللبناني, وأضيف إلى ذلك الحاجة إلى تغييرات في النظام الاقتصادي الحر, أما التيار الآخر؛ تيار الحركة الوطنية الذي يدعو إلى ما يسمى بالعلمنة الكاملة فهو في رأيي تيار خاطئ Center for the Study of the MODERN Arab World Islamic law in Arab Society, CEMAN Reports, Vol 4 1976: 125;

([102])  Michael C. Hudson, The Percarious Republim: Political Modernization in Lenanon. see pp. 31-32.

([103])  في مقابلة خاصة في شباط 1984, أكد أحد المقربين من الإمام الصدر على بدائية التنظيم السياسي.

([104])  لنقاش مفيد حول الرابطات العائلية ودورها في التطور السياسي والاقتصادي الاجتماعي انظر: Samir Khalad ADAPTIVE Modervization The Case for Lebanon. In Economic Development and Population Growth in the Middle East , ed , Charles A. Cooper and Sidney S. Alexndr. Pp. 567- 598

([105])  هذه الملاحظة مستعارة من فؤاد عجمي في مقابلة خاصة معه في نيسان 1984.

([106])  حول التنويعات والاختلافات المناطقية بين الجنوب والبقاع انظر: Raymond Adams in Paradoxes of Religions Leadershrp among the Shi'ites of Lebanon, MERA Forum 6 Winter 1983: 9-12

([107])   Quoted in al-sadr? P. 27

([108])  Karim Pakaradouni La paix manquee. see pp. 105-107 quotation at p.106  

معظم المواد المتضنة في الفقرات التالية تعتمد على هذا الكتاب.

([109])  Quoted in Thom Sicking and Shereen Khairallah. The Shi'a Awakening in Lebanon: A Search for Radical Change in Traditional Way Vision and Rovision in ARAB Society. 1974 CEMAM Roports2 (1975): 97-130; quotation at pp. 115-116.

([110])  Quoted in Raphael Calis. The Shute Pimoernel Middle EAST November 1978, 58-54 quotation at p. 54.

([111])  Shahpur Bakhtiar. The Catastrophe excorpts from his book, Mafidelite al Watan al - arabi , October 8-14 , 1982

([112])  Pakradouni, Lapaix. P. 106.

([113])  Sicking and Khairallah, The Shi'a Awakoning. P. 111

([114])  انظر المصور (القاهرة) 27 آيار 1977.

([115])  Pakradouni. La paix. p. 106.

([116])  الدستور (لندن) 26 حزيران – 2 تموز 1978.

([117])  حول موقف الإمام الصدر من الوجود الفدائي انظر: المصور 27 أيار 1977, والحوادث 24 كانون الأول 1976, والدستور 26 حزيران – 2 تموز 1978.

([118])  الدستور 26 حزيران – 2 تموز 1978.

([119])  Pakradouni. La Paix , P. 107.

([120])  استنادًا إلى نقاشات بين الكاتب وبين مسئولي فتح في جنوب لبنان 1980-1981.

([121])  الحوداث 1 آذار 1975.

([122])  بيان المجلس الشيعي الأعلى في 24 أيار 1970.

([123])  David R. Smock and Audrey C. Smock. The Politics of Pluralism: A Comparative Study of Lebanon and Ghana. P. 141.

([124])  يدعوه العديد من اللبنانيين بمجلس الجيوب بدلاً من مجلس الجنوب, نظرًا لشهرته في الرشوة وتوزيع الاعتمادات بطريقة غير قانونية, أصبح المجلس هدفًا هامًا تركز عليه أمل نشطها في عام 1980, عندما احتلت مكاتبه في صيدا تعبيرًا عن مطالبتها بضرورة أن تتوفر في إدارة المجلس صفات النزاهة والكفاءة.

في عام 1980, تولى حسين كنعان, أحد أوائل المقربين من السيد موسى الصدر رئاسة مجلس الجنوب, ثم استبدل بمحمد بيضون, أحد قادة حركة أمل, ويبدو أن المجلس عمل بقدر أكبر من النزاهة في ظل رئاسة هذين الرجلين.

([125])  Sicking and Khairallah. The Shi'a Awakening. P. 110.

([126])  المرجع نفسه ص 99. أما مدى رؤية خصوم الصدر له بوصفه مغتصبًا للسلطة التي هي من حقهم الشرعي, فيظهر من خلال هذا التصريح للنائب حميد دكروب العضو في كتلة الأسعد: (( لا الإمام الصدر ولا المجلس الشيعي الأعلى مسئول عن أمور الطائفة الشيعية, المسئول الوحيد هو كامل الأسعد)) الأسبوع العربي 16 شباط 1974.

([127])  الأسبوع العربي 16 شباط 1974.

([128])  SICKING AND Khairallah. The Shi'a Awakening. Pp. 117- 118.

([129])  النهار 18 آذار 1974.

([130])  المرجع نفسه.

([131])  Kamal S. Salibi. Crossroads to Civil War Lebanon 1958- 1976. p. 78.

([132])  المرجع نفسه.

([133])  يرى المراسل البريطاني جون بولوك أن سقوط النبعة في 16 آب 1976 قد سهله تحول السيد موسى الصدر إلى السوريين بالاتفاق مع كامل الأسعد, الذين كانوا في ذلك الوقت متحالفين مع الكتائب, انظر: Death of a C ountry: The Civile War in Lebanon. Pp.172-173 انظر أيضًا رواية ماجدة سليمان التي لا تناقض رؤية بولوك بل تضع المسألة في إطار مختلف The Lebanese Communities: and Their Little Wars , Khamsin 10 [1983]: 13-20 guotation at p. 17;  في بداية الحرب الأهلية, كان سكان النبعة يؤيدون المنظمات الفلسطينية واليسار اللبناني, الذي جعل قيادته المركزية في هذه المنطقة الاستراتيجية جغرافيًا, لكن مع استمرار القذائف بحصد المزيد من الأرواح والحصار القاسي الذي أطبق على الحي خفتت حماسة السكان وحل محلها الحقد والضغينة, فمنظمات اليسار الإسلامي – الفلسطيني لم تهتم كثيرًا بالمشاكل التي يعاني منها السكان في حياتهم المدنية اليومية (السكن والغذاء... إلخ) وحصرت نطاق عملها في المجال العسكري, وهكذا استثيرت المشاعر الطائفية الشيعية من جديد وتعمقت أكثر مع إنشاء السيد موسى الصدر لمستشفى الحي, الأمر الذي بدا متناقضا بشكل حاد مع المنظمات السياسية التي لم تكن تنفق المال إلا على شراء الأسلحة.

بعد ذلك بقليل, وعندما سقطت النبعة بيد الكتائب, لم يقاوم السكان الشيعة الهجوم, فهي معركة بين قوتي الاحتلال لم يشعر السكان الشيعة بأنها تعنيهم.

([134])  Quoted in the Jerusalem Post, March 25, 1981.

([135])  Monday Morning Beirut. December 22-28, 1980.

([136])  انظر:and Smock , Politics of Pluralism , P. 142 and Salibi , Crossroads to Civil war, pp. 63-64.

([137])  لرواية جديرة بالتنويه انظر David K. Shipler, Lebanese Tell of Anguish of living under the P. L. O. NEW York Timer , JULY 25, 1982.

([138])  انظر: Walid Khalidi , Conflict and Violence in Lebanon Middle East. PP. 115-116.

([139])  بناء على ملاحظاتي خلال إقامتي في لبنان 13 شهرا, 1980-1981.

([140])  انظر: Augustus.R. Norton , Political Violence and Shi'a Famtionalism in Lebanon , Middle East Insight 3, no 2 (1983) 9-16 ; or New out Look: Middle East Monthly Israel January 1984: 19-21 , for an affreviated version.

([141])  رسالة من عضو في مجلس القيادة, أيار 1982.

([142])  Al-Sadi? PP.61-62 الوثائق التي يحتويها الكتاب تبنت ادعاءات أتباع الصدر.

([143])  مقابلة خاصة مع مسئول سابق, حزيران 1983.

([144])  أشار تقرير صحافي مؤرخ في 9 أيلول 1980 إلى أن الصدر محتجز في معسكر عسكري ليبي قرب الحدود الجزائرية New York Times , Septomber 10, 1980 .

([145])  رسالة من عضو في مجلس القيادة, أيار 1982.

([146])  Chirstian Science Monitor, April 17, 1978.

([147])  Sadig Tabataba'I, wuoted in L'ORIENT-LE Jour, September 16, 1980.

([148])  عبر بعض النافذين الشيعة, والذين كانوا من رفاق موسى الصدر الأوائل, في أحاديثهم الخاصة عن احتمال أن يكون ثمة دور إيراني ما في اختفاء الإمام, لكن دعواهم قد تكون مجرد محاولة لإقناع مراقب أمريكي, بمدى استقلالية أمل عن الهيمنة الإيرانية وجعل الحركة بالتالي تحظى بمزيد من القبول أكثر لدى الجمهور الأمريكي.

([149])  الوطن العربي 30 أيلول – 6 تشرين الأول, وفرانس برس باريس الساعة 14.22 حسب توقيت جرينتش 18 تموز 1983.

([150])  تتحدث مطبوعات الحركة عن إخفاء الإمام الصدر.

([151])  Michel M. Mazzaoui, Shi'ismand Ashtra in South Lebanon, in Ta'ziyah: Titual and Drama in Iran, ed. Peter J. Chelkowski. PP. 228-237; quotation at PP. 229-230

([152])  ومنهم أيضًا وزير الطاقة عباس كافوري فارد, ومحمد بيرافي سفير إيران لدى نيكاراجوا المجلة لندن, تشرين الثاني 5-11 – 1983.

([153])  Donald E. Smith. Religinon and Political Development, P. 124.

([154])  Augustus R. Notuon , Militant Protest and Political Violence under the Banner of Islam. Armed Forcces and Society 9 Fall 1982: 3-19 quotation at P. 17.

([155])  Lydia George interview with Nabih Berri, Monday Mornindg , February 1-7, 1982, trans , by FBIS , Daioy Raport-Middle East and Africa, February 10, 1982, PP. G1-G6: quotation at P.G 4.

([156])  انظر مثلاً: John Yemma, Lebanon's Shiite Muslims Flex Military Muscles , Christian Scionce Montor, January 12, 1982 Thomas L. Friedman , One Civil War Is Over, Others Fast Multiply, New York Times , May 23, 1982: The Rise of Yet Another Enemy for the Palestinians Emonomist , May 1, 1972; and Schehrimade Faramarri, Shiites Get Set Hope , Nep Force Arisosin Lebanon. Sunday Record Middle tonn; N. Y. February 28, 1982 CF. Augusts R. Norton. Lebanon's ShIITES New York Times , April 16, 1982.

([157])  Nabih BERRI INTERVIEW, Febrtary 1-7, 1982, P. G. 2

([158])  لوصف الوضع في لبنان في عام 1981-1982 انظر: Augustus R. Norton, Lebanon's Shifting Political Landscape , New Leader March 8, 1982: 8-9: idem , The Violent Work of Politics in Lebanon Wall Street Journal , March 18, 1982; and William Haddad , Divided Lebanon, Current History January 1982: 30-35.

([159])  حتى لا يخرج القارئ بانطباع خاطئ يجب أن نلاحظ أن أعضاء الحركة لم يتوانوا عن القيام بأعمال هجومية, عندما يتسنى لهم ذلك, كذلك لم تمتنع الحركة عن اتخاذ إجراءات عملية ضد أخصامها, ففي 18 شباط 1981 جرت محاولة لاختطاف أحد معارضي أمل السيد أحمد شوقي الأمين, من بلدة مجدل سلم الجنوبية, أما في بيروت فقد كانت أمل هي البادئة باللجوء إلى الاصطدام في عدد من المناسبات.

([160]) مقابلة خاصة مع أحد عضاء مجلس القيادة 1981.

([161])  Le Matin Paris. May 28, 1982.

([162])  حول مواقف مختلف الأفرقاء قبل حزيران 1982 انظر: MONDAY Morning issues of December 22-28 , 1980; December 29-January 4, 1981; January 12-18, 1981; January 19-25, 1981; and January 26- February  1, 1981.

([163])  لرواية شخصية عن حجم الحرب الأهلية انظر: Lina Mikdadi Taffara, Survival in Beirut: A Diary of Civil War , trans , NADIA Hijab.

([164])  ملاحظة: لم تبدأ تصريحات مسئولي أمل العلنية بالتطابق  مع تقديراتهم الخاصة إلا في أوائل عام 1982.

([165])  يصعب الحصول على أرقام تعدد نسب التوزيع الطائفي في القوات المسلحة اللبنانية ويصعب الحصول على تقديرات رسمية: إلا أنه يبدو أن قبول الضباط الجدد يتم على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين ويحافظ على نسبة التوزيع الطائفي لكافة الطوائف اللبنانية السبعة عشر.

وتشير بعض التقديرات إلى أن فئة ضباط الصف والجنود تنقسم بنسبة ستين إلى أربعين بالمائة لمصلحة المسلمين, أما في سلك الضباط فهي 60 إلى 40 % لمصلحة المسيحيين مع ازدياد كبير في نسبة التمثيل الماروني من فئة رائد وما فوق, لمقابلة مع إبراهيم طنوس انظر مجلة الوطن العربي عدد 17-23 حزيران 1983 لمطالعة إحدى المرات النادرة التي يبدي فيها قائد الجيش رأيه في هذا الموضوع, وهو يزعم أنه في عام 1983 كان هناك ثلاثة مجندين مسلمين مقابل كل مجندين مسيحيين. 

([166])  النهار, 18 أيلول 1980.

([167])  مقابلة مع نبيه بري, 1-7 شباط, 1982 ص G2

([168])  المرجع نفسه.

([169])  انظر أبو أياد (صلاح خلف) مع إريك رولو: My Home, My Lanl A Narrative of the Palestinian Sturggle. trans Linde Butter Koseogou.

([170])  اتصال خاص مع أحد الحاضرين من مسئولي أمل.

([171])  Economist , May 1 , 1982.

([172])  الوطن (الكويت) 25 تشرين الثاني 1981.

([173])  من خطاب لصلاح خلف إذاعة صوت الثورة الفلسطينية.

([174])  مقابلة مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين, النهار العربي والدولي 24-30 أيار 1982.

([175])  Cf. Marius K. Deeb, Lebanon ; Prospeets for National Reconciliation in the Mid-1980s, Middle East Journal 38 Spring 1984: 267-283 انظر بشكل خاص ص 171, حيث يقول ديب أن أمل والمجموعات المنشقة عنها هي أولاً وأخيرًا مليشيات مسلحة.

إن هذا المنظور يسيء في رأيي فهم المعنى الاجتماعي السياسي لأمل ويصب في النهاية في طاحونة الإقطاع السياسي القديم.

([176])  خلاصة مفيدة حول موقف مختلف الفئات اللبنانية من قضايا من نوع استقلال لبنان, ومعنى القومية اللبنانية ودور الطائفية في السياسة, راجع: Abdo I. Baakilin. Logislattive and Political Development: Lobanon. 1842-1972. PP. 103-139.

([177])  انظر: Fouad Ajami The End of  Pan-Arabirm, Foreign Affairs 57 Witer 1978-1979: 355- 373.

([178])  ميثاق حركة أمل, حصلت على نسختي في عام 1982, لكني أظن أنها نسخة معدلة من الطبعة المنشورة في تشرين الثاني 1974, والذي أقرته 190 شخصية عامة من غالبية الطوائف اللبنانية, وكل الاستشهادات اللاحقة, ما لم يذكر خلاف ذلك, منقولة عن الميثاق.

([179])  نبيه بري, الحوادث في 9 أيار 1980.

([180])   مقابلة مع نبيه بري في ((المندي مورننغ)) في 10-16 أيار 1982.

([181])  انظر ليديا جورج داخل حركة أمل (نقاش مع نبيه بري)  ((في المندي موننغ )) 1-7 شباط 1982, يقول بري: إنه يريد الجيش في الجنوب ((حتى ولو كان مارونيا 100% لبسط سيادة الدولة على الحدود الدولية ولإنهاء دويلة سعد حداد)) وكذلك قول بري في مقابلة أخرى: ((عندما تتعرض حدود الوطن للاعتداء, وعندما يواجه جزء من أراضيه خطر الاحتلال بينما ثمة مناطق أخرى محتلة بالفعل, وعندما ينقسم أهل الجنوب بين المهاجر والمنكوب, لا يعود ثمة مجال لنقاش حول جنس الملائكة, فإن حماية الوطن, وبوابته الجنوب, يستحق اهتمامًا أكبر من طائفة هذا الضابط أو ذاك, ومن إذا كان هذا المنصب سيسند إلى هذا الضابط أو ذاك)) (الوطن [الكويت], 20 حزيران 1980).

([182])  كانت هذه إحدى النقاط المهمة التي أثارها بري في خطاب هام له في بعلبك في 31 آب 1985 بمناسبة الذكرى السابعة لاختفاء الإمام موسى الصدر.

([183]) المرجع نفسه

([184]) المرجع نفسه

([185])  المندي مورننغ 1-7 شباط 1982.

([186]) يتعامل العرب مع الجنوب وكأنه ليس جزءًا من العالم العربي, أو كأنه محافظة في الصين أو الهند. نبيه بري في المندي مورننغ, 10-16 أيار 1982.

([187])  ترجمت ورقة العمل ونشرت في AN-Nahar Report Memo February 20, 1984: 4-7

([188])  انظر الحياة بيروت 12 شباط 1974.

([189])  انظر: Baakoini , Legislative and Political Development. Pp. 109-110.

([190])  لوجهة نظر تمثيلية غير شيعية, انظر مقالة الرئيس سليم الحص في المستقبل 30 تموز 1983.

([191])  نبيه بري في مقابلة مع ليديا جورجي: The New Lebanon' File-Part 6The A mal Movement: The Myth of Pluralrsm, Monday Morning. Januaty 26-February 1, 1981.  يتفق تحليل بري مع وجهة نظر عدد من المراقبين المخضرمين, بمن فيهم مايكل هدسون الذي يقول: ((إن النظام الطائفي نفسه – بما هو تجسيد لنموذج الغلبة الفئوية– هو أصل المشكلة )) The Lebabese Crisis ; The Limits of Consociational Democracy, Journal Palestine Stulies 5, nos, 3-4 Spring / Summer 1976: 114.

([192])  بري في مقابلة مع جورجي: The New Lebanon'File.

([193])  المرجع نفسه.

([194])  بري في مقابلة مع جورجي ((داخل حركة أمل)).

([195])  مقابلة مع حسن هاشم ((أمل)) 17 نيسان 1981.

([196])  انظر مثلاً التعليق المثير للاهتمام الذي كتبه أحد كتاب الحركة على المقالة التي ظهرت في صحيفة العمل الكتائبية حول حركة أمل (أمل 17 نيسان 1981).

([197])  انظر ملاحظات بري في النهار العربي والدولي 20-25 نيسان 1981.

([198])  المرجع نفسه.

([199])  بري في مقابلة مع جورجي The New Lebanon'File

([200])  انظر مقالة: Bob Woodward , Richard Harwood and Christran Wiliams , Beirut Bombing: Political Warriod Used Men Who Grave Death , Washington Post , February 1, 1984 لسوء الحظ تحفل هذه المقالة بالأخطاء, ويجب استخدامها بحذر شديد انظر أيضًا: Augustus R. Norton , Politicad Violence and Shia Factionalism in Lebanon, Middle East Insight3, no 2 ()1983: 9-16 New Outlook , January 1984.

([201])  بعد تواتر عدد من التقارير الصحافية التي تشير إلى أن السوريين بدأوا بالحد من نشاطات القوى الإيرانية, والقوى الموالية لها في منطقة بعلبك, يبدو أنهم قد لجأوا إلى ذلك فعلاً في آب 1984، انظر: G. G. La Belle , Syrian Army Takes Controlof Baabeek in Lebanon, Washington POST August , 17 , 1984.

([202])  وفر هذه المعلومات حول مؤتمر عام 1983 ديبلوماسي غربي يعمل في بيروت, حول مؤتمرات أمل السابقة انظر المقالات التالية: Marc Kravetz ,  The Shi ite Resugence (paris) May 28 1982. السفير 5 نيسان 1980, وعلي حمادة (حركة أمل) النهار العربي والدولي 6-12 نيسان 1981.

([203])  أفضل عرض حول القوات اللبنانية والذي يعرض أيضًا للتطورات الموازية لدى الشيعة هو: Levis W. Snider , The Lebanese Forces Origins and role in Levanon's Politics Middle East Jourval 38 , no 1 Winter 1984: 1-33.

([204]) التقيت بالشيخ قبلان في قرية برج رجال الجنوبية في تشرين الأول 1982, حيث حللنا ضيفين على اجتماع لحركة أمل, صعقت بطريقته المباشرة البسيطة وتقنيته الفعالة في إيصال وجهات نظره التي تعتمد على استخدام الأمثلة المحلية والبديهة الحاضرة, ومن المثير للاهتمام أنه كان يحث أعضاء الحركة الحاضرين على أن يصبروا على الحكومة, كانت الحكومة في ذلك الوقت تقوم بهدم عدد من منازل الشيعة الفقراء, بالقرب من مطار بيروت, فبدلاً من أن يأخذ موقفًا قاطعًا في معارضته للحكومة, أوضح الشيخ أن البيوت المقامة تعرض حركة النقل الجوي للخطر, وأضاف متسائلاً: ((من الذي يعمل في مطار بيروت؟)) وهو يعني أنه ما لم يبق المطار عاملاً فلن يجد الموظفون الشيعة عملاً لهم, لكنه ما لبث أن أتبع ذلك بالتشديد على ضرورة أن تجد الحكومة مأوى بديلاً للذين أخلوا من بيوتهم.

([205])   لمراجعة التقارير الصحافية حول هذه المنافسة انظر: Kravetz, Shi'ite Resurgence and Jrm Muir A strike that United Beirut Arabra The Islamic Review June 1982: 26-27.

([206])  مقابلة مع الشيخ قبلان, مجلة المستقبل, 8 تشرين الأول 1983.

([207])  مقابلة مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين, مجلة المستقبل, 5 آذار 1983.

([208])  تشير رواية صحافية موثوق بها, على ما يبدو إلى أن الثمن الذي طلبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين للتصالح مع حركة أمل هو إعادة الأعضاء الستة عشر الذين عينهم موسى الصدر إلى المكتب السياسي, والذين لم يبق منهم في موقع المسئولية في قيادة حركة أمل سوى ثلاثة أعضاء هم بري وحيدر وحسين يتيم, أما وضع الثلاثة عشر الباقين فهو كالتالي: حسين الحسيني, الرئيس الحالي لمجلس النواب, حسين كنعان, رئيس مجلس الجنوب من 1982 إلى 1984 بعد فترة إقامة طويلة في الولايات المتحدة, عباس مكي, عقيد في الجيش اللبناني علي الحسن, طبيب, مالك بدر الدين, طبيب وصاحب مستشفى أحمد إسماعيل (غير معروف) جمال منصور, طبيب, جعفر شرف الدين, من عائلة جنوبية باررزة ووزير سابق, رفيق شرف, رسام, محمد سعد (غير معروف) محمد يعقوب (رجل دين) وعباس بدر الدين (صحافي) والأخيران اختفيا مع الإمام الصدر في عام 1978 ومصطفى شمران أول وزير دفاع إيراني في أول حكومة مشكلة بعد عودة الخميني من منفاه في عام 1979 برئاسة مهدي بارزكان, والذي توفي في حادثة تحطم طائرة على الجبهة العراقية, وبالتأكيد فإن عودة الأعضاء العشرة الذين لا يزالون على قيد الحياة سيخفف من سلطة بري, بل ومن شرعيته, (انظر التضامن [لندن] 3 تشرين  الثاني 1984).

([209])  بناء على عدة نقاشات مع قادة في الحركة في تشرين الأول 1982.

([210]) وكما يشير جيم موير, فإن الإسرائيليين كانوا يلعبون عدة أوراق في هذا القتال ((وكذلك اتبعوا منذ الأيام الأولى, سياسة فرق تسد الكلاسيكية في قضائي عاليه والشوف, فسمحوا بدخول الكتائبيين وتغاضوا عن تدفق السلاح والذخيرة إلى الدروز عبر الخطوط السورية الإسرائيلية, ثم اتبعوا, بعد أن فقدوا تعاون بيروت, سياسة تشجيع تفتيت لبنان إلى كيانات طائفية متناحرة)) Lebanon: Arena of Conflict , Crucible of peace Middle East Journal 38 , no 2 Spring 1984: 204-227: quotation at p.211, fn 6.

([211])  انظر Hirh Goodman A Progmatic Ideologue Atlantic September 1983 ) 22 FF وبدوره شدد صامويل لويس سفير الولايات المتحدة في إسرائيل خلال الاجتياح الإسرائيلي والذي اشترك في العملية الدبلوماسية التي أنتجت اتفاقية السابع عشر من أيار على أهمية الاتفاقية في تحسين العلاقات الأمريكية الإسرائيلية, كانت مغامرة إلا أنه كان من الأفضل الاستمرار بها ومن ثم رفضها على أن لا تبدأ بها على الإطلاق على أنها لم تكن فشلاً أيضًا؛ لأنها كانت إنجازًا هامًا تمثل البدء بعلاج الانقسام الأمريكي الإسرائيلي, ولقد كان من السخف عدم إكمالها. انظر: Tammr Gutner , Samleuvis and His Middle East Mission SAIAPHERE winter 1986: 12-13.

([212])  انظر: Auaustus R. Noeton , Lebanon for the Lebanese , New York Times Febtuary 22, 1983  ; idem, Lebanese Quagmrie New York Times July, 1984, and iden Occupational Risks and planned Retirement Middle East Insight 4 , no Manch/April 1985: 14-18.

([213])  يوضح جيم موير هذه النقطة فيقول: ((إن ارتباطهم بالحكومة اللبنانية التي هي في نظر العديد من المسلمين حكومة تهيمن عليها الكتائب جعل من قوات المارينز في عداد القوات المتعددة الجنسيات فريقًا في ما هو في أحد أوجهه حربًا أهلية)) Lebanon Arena of Conflict p213.

([214])  يتحدث نبيه بري مثلاً عن: ((الدعم والمشاركة الأمريكيين بهدف ارتكاب مجزة بحق بيروت وضواحيها وسكانها أذيع من إذاعة صوت لبنان العربي في 31 آب 1983.))

([215])  لتحليل مطلع على سياسة أمريكا في لبنان في تلك الفترة انظر: Battle over Lebanon Foreign Service Journal July 1984: 28-33

([216])  Le Matin Paris 26تموز 1983 كذلك يعكس عاكف حيدر وجهة نظر بري مشيرًا إلى أنه يعتقد أن جبهة الخلاص الوطني ((على علاقة ارتباط وثيق جدًا بالسوريين)) انظر:Le Monde , Seprkember, 20. 1983.

([217])  ناقش بري هذه الاهتمامات معي بعد ذلك بعام, أي في تشرين الأول 1984 فقال: لا أزال قادرًا حتى الآن على إزالة العقبات من أمام مجرى النهر, إلا أنه سيأتي وقت لن أعود يه قادرًا على ذلك, لا شك في أن بري يعرف التحديات التي يواجهها, انظر أيضًا: Le Monde, Sobtember 20, 1983.

([218])  ذكرت Christian Science Monitor  29 نيسان 1985 أن السوريين قد خفضوا عدد حراس الثورة من ألف إلى أربع مائة عنصر, ويتفق هذا مع تقرير سابق Syrian Armytakes Control لرواية مطلعه وغنية على غير العادة, حول استخدام سوريا للردايكاليين الشيعة كأداة للهيمنة على الطوائف الأخرى في لبنان انظر: William Harris The Vien from Zahle Security Economic Concerns in the Contral Bekaa 1980-1985, Middle East Journal 39 , no 3 September 1985: 270-286.

([219])  رغم عدم توفر المعلومات الأكيدة, فإن بعض المعلومات الدقيقة على ما يبدو قد نشرت مؤخرًا حول علاقة المجموعات الراديكالية والمتطرفة في لبنان بإيران أخصها: Rabin Wright's Augustus R. Norton , Political and Religious Extremism in the Contral Bekaa 1980-1985, Midle East Journal 39, no , 3 Septembe 1985: 270- 286.

([220])   شريف الحسيني, حزب الله: حركة عسكرية أم سياسية أم دينية؟ الشراع 15 آذار 1986.

([221])  Details about Hizbullah. And its Leaders Middle East Reporuer , March 22, 1986 ذكرت الدستور في عددها الصادر في لندن في 14 تشرين الأول 1985 أن ثلث بليون ريال, المبالغ المخصصة لدعم الجهاد الدولي يذهب إلى لبنان.

([222])  انظر النهار العربي والدولي 10-16 حزيران 1985.

([223])   الحسيني حزب الله ص 19.

([224])  يمكن مراجعة سيرة فضل الله السياسية بشكل مكثف في ((الحركة الإسلامية في لبنان)) ص 246-277.

([225])  يعتبر روبين رايت أن السبب الأهم في بروز فضل الله يعود إلى التقارير التي ربطته بتفجير مقر القوات المتعددة الجنسيات في تشرين الأول 1983: بعد التفجير أصبح فضل الله بين ليلة وضحاها واحدًا من أكثر الرجال المعروفين والمهايبن في المنطقة, وأشارت القوات اللبنانية, في تسريبات متعمدة ومحسوبة إلى احتمال أن يكون فضل الله هو الذي أمن السائقين الانتحاريين المبتسمين إلا أنها أكدت دوره في مباركتها في احتفال ديني خاص أقيم ليلة الهجوم على المارينز والقوات الفرنسية, أكدت المصادر الأمريكية والإسرائيلية هذه التقارير رغم اعترافها بأنه ليس لديها ما يثبت صحة ذلك. SACRED Rage. p.91.

([226])  من مقابلة في ((المندي مورننغ)) 15-21 تشرين الأول 1984.

([227])  من مقابلة في Middle East Insight u, no. 2

([228])  انظر المقابلة مع فضل الله في ((المندي مورننغ )) 15-21 تشرين الأول 1984.

([229])  نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم.

([230])  المرجع نفسه.

([231])  المرجع نفسه, ص 11.

([232])  المرجع نفسه ص 12-13.

([233])  أحد المراقبين القدامى أثار في رسالة خاصة إلى أن: ((حزب الله قد برز كمنظمة حقيقية بإعلامها, وبذلاتها العسكرية ومكاتبها, وقد قاموا مؤخرًا أوائل صيف 1985 بالتجول في ناقلات الجنود الـ M113 التي تحمل رموز الحزب, وسلاح Sagger المضاد للدابابات وصواريخ الغراد المحمولة على ناقلات الجنود, وقطع المدفعية, مما يجعله قوة عسكرية يحسب لها الحساب بالمقاييس اللبنانية)).

([234])  انظر: Augustus R. Noton , Israel and South Lebanon, American-Arab Affairs 4 Spring 19823: 23-31.

([235])  أبرز مستعربين خدما في جنوب لبنان هما: كلنتون بايلي وموشى شارون.

([236])  Mosh Sharon , Storing Up Troubler with the Shi'ites Jerusalem Post , February 15, 1985.

([237])  Clinton Bailey , A change of Partners Jertsalem Post, December 14, 1982.

([238])  المرجع نفسه.

([239])  Fouad Ajami, Lebanon and Its Inheriuors , Foreign Affairs 63 Spring 1985: 778-799; quotation at p. 787.

([240])  Major James C. Judkins , Jr The Expanding Role of the Shi'a in Lebanon. (ماجستير في العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان العامة في الجيش الأمريكي 1983) ص95.

([241])  بناء على مقابلات خاصة مع مسئولين في أمل في جنوب لبنان في تشرين الأول 1982.

([242])  تستند هذه المعلومات إلى تقرير رائع لـ Roboin Wright in Chrisfian Science Monitor, SEPTEMBER 8, 1983.

([243])  David Hirst, Israel's Strange Partners in the Occupied Zone, Guardian August 14, 185.

([244])  المرجع نفسه.

([245])  استخدمت إذاعة صوت الأمل الاسم الجديد في 13 أيار 1983.

([246])  لمقابلة مع قيادي في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية انظر الحرية 22 أيار 1983 يقول هاشم ملحم: إن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية أنشأت في 16 أيلول 1982 The case for the Lebanese Resistance, AAUG Association of Arab-American University Graduates Mideast Monitor no 3 May 1985; 2-4,6.

([247])  Jerusalem Post , February, 15, 185.

([248])  حول نص الفتوى انظر النهار 18 تشرين الأول 1983, وحول موقف مختلف العلماء المسلمين في خطبة الجمعة في 21 تشرين الأول 1983 انظر السفيرل 22 تشرين الأول 1983.

([249])  السفير, 22 تشرين الأول 1983.

([250])  زودني بهذه المعلومات مسئول في الأمم المتحدة, تحدثت أسبوعية بيروت المساء في عددها الصادر في 17 أيلول 1984 عن 70 عملية في أشهر حزيران وتموز وآب 1984.

([251])  السفير 1 كانون الأول 1983.

([252])   New York Times , October 7, 1983.

([253])  كان لوبراني يعمل سابقًا في إيران كضابط ارتباط إسرائيلي مع عرش الطاووس, وهذا لم يغب عن نظر الجنوبيين, وفي الحلقيقة فإنه على ضوء عمل لوبراني السابق يمكن القول أنه لم تجر أبدًا أي محاولة جدية لإنشاء علاقة مع الشيعة.

([254])  Robin Mannock , Hit and Myth of the Occupation Forces' Policy of Terror in South Lebanon. Daily Star Beirut June 21, 1984. Sce also Scott Macleos. A Dangerous Occupation New York Review of Books , August 16, 1984.

([255])  Robin Wright , Christian Science Monitoi , August , 4 1983.

([256])  New York Times , July 29, 1983.

([257])   Yisre'el Zamir, The Bluff Called Security Arrangements, al Hamishamar, February 23, 1984.

([258])  انظر الحوادث 4 آذار 1983 المستقبل 23 تشرين الأول 1982 والمجلة 23-29 حزيران 1984.

([259])  تدعي المصادر العسكرية الإسرائيلية أن نحاس قتل وهو يحاول الهرب من المعتقل تلفزيون القدس 15 آب 1984, إلا أن الروايات الصحافية وتقرير مراقبي الأمم المتحدة الحياديين تدفع إلى الشك في مدى صحة الرواية الإسرائيلية, انظر: Colin Smith , Daeth in Lebanon, Israel Admits Guilt Observer, August 19, 1984, and John Kifner , Southern Lebanon; Atrauma for Both Sides, New York Times, July 22,1984.

([260])  New York Times , November 12, 1984.

([261])  حول القرار الإسرائيلي في 18 كانون الثاني انظر: Augustus R. Norton , Occupational Bisks and Planned Ritirement: The Israeli Withdranwal from South Lebanon Middle East Insight 4 , no 1 March / April 185: 14-18.

ولعل الحادثة الأسوأ تعريضًا لسمعة إسرائيل, والتي حدثت في ربيع 1985, عندما كانت سياسة القبضة الحديدية في أوجها هي تفجير حسينية قرية معركة في 4 آذار, فرغم أنه لم تبرز أدلة حاسمة تشير إلى تورط إسرائيل في القيام بالعملية, إلا أن العديد من اللبنانيين ورجال الأمم المتحدة يعتقدون أن الأدلة الظرفية الثابتة هي أدلة مقنعة.

كان محمد سعد إنسانًا ملتزمًا يعمل في صمت ويحظى بحب الناس وتقديرهم بخلاف العديد من أقرانه في قيادة حركة أمل, كان سعد متواضعًا وخجولاً, يبدو للمراقف السطحي أنه يفتقد إلى دينامية القائد, لكن الحقيقي هي غير ذلك, كان محمد سعد تلميذًا لمصطفى شمران في مؤسسة جبل عامل, في البرج الشمالي, ولعب منذ أواخر السبعينات دورًا هامًا في حركة أمل.

كنت أعرفه معرفة جيدة, وكنت معجبًا جدًا بإخلاصه وتفانيه وروحه الشجاعة التي لا يعرف الخوف إليها سبيلاً , كان خطيبًا مؤثرًا وأوحد من ثلاثة أو أربعة من قادة أمل في الجنوب الأكثر فعالية, والمؤكد أن أتباعه لن ينسوه بسرعة.

ردًا على حادثة معركة القرية المشهورة بأنها موطن أجداد الإمام الصدر, والصخرة الصلبة في مواجهة الإسرائيليين ومنظمة التحرير في آن, دعا الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى الجهاد الدفاعي ضد إسرائيل انظر السفير 5 آذار 1985.

([262])  مقابلة مع رابين: Eytan Gaber, Yedi'ot Aharonot Weekend Supplement, Marmh 15, 1985.

([263])  حتى زملاء لوبراني الأقربين دهشوا من قراره الدعوة لمفاوضات سرية من على صفحات الصحف.

([264])  عن الـ: New York Times 9 أيار 1985, وحتى السيد محمد حسين فضل الله أشار إلى أن اللبنانيين لا يملكون الوسائل الكفيلة لتحرير فلسطين, وعليهم بالتالي أن لا يحاولوا القيام بذلك.

([265])  Associated Press dispatch Pubished in Daily-News Recorl Harrisonburg, Va. July 5, 1985.

([266])  مقابلة مع عاكف حيدر, L'Unite, March 1-1985

([267])   نقلت عن النيويورك تايمز, 26 آيار 1985.

([268])  نقلت النيويورك تايمز في عددها الصادر في 26 حزيران 1985 عن عبد المجيد صالح, أحد قادة أمل في الجنوب والذي مارس منذ 1980 نشاطات مناوئة لمنظمة التحرير الفلسطينية, قوله: في اليوم الذي دخلنا فيه صور, أعلنا أنه لن يسمح لأي مقاتل فلسطيني بدخول المنطقة, لقد جذب حزام الأمن الإسرائيلي كافة أنواع المجموعات إلى المنطقة, فإذا لم يكن هناك حزام أمني, لن تأتي أية مجموعة أخرى, لا ترغب أمل في القيام بعمليات داخل إسرائيل ونحن ضد إطلاق الصواريخ, نريد فقط أن تنعم هذه المنطقة بالسلام.

([269])  فمثلاً لاحظ قائد القطاع الشمالي للجيش الإسرائيلي الجنرال أوري أور أن أمل قد سيطرت على صيدا والنبطية وأنها لا تسمح بدخول المخربين عن الإذاعة الإسرائيلية في 13 آيار 1985.

وفي 9 أيار أذاع راديو الجيش الإسرائيلي أن أمل تمنع النشاط الفلسطيني المعادي لإسرائيل.

([270])  حول القوات الإسرائيلية المتبقية في جنوب لبنان انظر: Uristopher Walker, Incognito Israeli Troops Join SLM Militia as Withdrawal Hopes Fade, Times, June6, 1985 , and Wiliam Claiborne, U.N. Officers in South Lebanon Complain of Israeli Encroachment, Washington Post, September 27, 1985.

([271])  يلاحظ زئيف شيف في مقالة له في صحيفة هارتس في 7 آذار 1985, أن موشى أرينز وأرييل شارون كانا لا يزالان يحثان إسرائيل على اقتطاع أجزاء من الجنوب.

([272])  الجيروزالم بوست 17 أيار 1985.

([273])  التضامن, 6 نيسان 1985.

([274])  انظر: Lewis W. Snider , The Lebanese Force: Their Origins and Role in Lebanon Politics, Middle East Journal May 6, 1985: 2-3.

([275])  ثمة تعقيدات تكاد تستعصي على الفهم, فمثلاً يشاع أن الرجل الذي باع الجيش اللبناني القذائف التي استخدمت لقصف الضاحية هو رجل شيعي لعب دور الوسيط مع إسرائيل.

([276])  Jim Muir Assad Tightens His Grip on Lebanon Middle East Internation 249 May 3, 1985: 3-5.

([277])  Jim Muir In Assad Tghtens His Grip on Lebanon, Middle East Intermational 249 (May 3, 1985) 8-9.

([278])   المرجع نفسه ص 9.

([279])  As'ad Abu Khalil , Druze, Sunni and Siiite Political Leadership in Present day Lebanon, Arab Studise Quarterly 7, no. 4 Fall 1985: 33.

([280])   كمال جنبلاط I Spea for Lebanon trans, Michael Pallis.

([281])  تدعو الفقرة الرئيسية من البرنامج إلى:

تحقيق التوازن الصحيح بين السلطة التشريعية والسلطة الإجرائية وضمان استقلالية القضاء في ظل نظام رئاسي غير طائفي برماني ديمقراطي, تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء الذي يمارس السلطات التنفيذية والإدارية, ويعد سياسة الدولة العامة وهو مسئول أمام مجلس النواب وأمام الشعب, ومجلس النواب هو الذي يختار رئيس الوزراء وهو الذي يمنح الثقة ويحجبها عن الحكومة, وتنشأ محكمة دستورية عليا, ويشكل مجلس أعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

([282])  السفير 5 نيسان 1985.

([283])  Abu Khalil, Dreuze, Sunni and Shiite Political Leadership, PP.40-41.

([284])  صوت لبنان الحر بالإنجليزية 7 آب 1985.

([285])  مقابلة مع الشيخ شعبان, النهار العربي والدولي، 21 تموز 1985.

([286])   Daily Star Beirut, November 14, 1984.

([287])  Abu Khalil, Druze, Sunni and Shiite Political Leadershrp, PP. 42.

([288])  Augustus R. Norton, Changing Actors and Shiite Politichal Leadership among the Shiites ef Lebanon, Annals of the American Academy of Political and Social Scienco, no. 482(November 1985): 109-121.

([289])  كذلك وصل رونالد د. ماكلورين إلى نتائج مشابهة في دراسته: Peace in Lebanon دراسة غير منشورة, ألقيت في جامعة كاليفورنيا, 9 نيسان 1985.

([290])  

 

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: