موسوعة الرشيد /خاص
حمدي السعدي
لايختلف اثنان أو حتى ثلاثة أو مجموعة صغيرة وكبيرة من الناس , وبمختلف اتجاهاتهم الفكرية والعقائدية على مكانة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , في قلوب وعقول كافة المسلمين , وليس الشيعة في العراق خصوصا .
فهم رجال لا يضاهيهم رجال إلا ما رحم ربي من صحابة رسول الله , الذي جعل لهم الأسبقية والفضل , وهو ما يتعارض مع عقيدة وفكر الشيعة عموما , لان موقفهم من آل بيت رسول الله واضح جلي تعدى حتى مرحلة الربوبية والتحكم بمصائر الناس ورزقهم ومعاشهم ومماتهم .
وهذه المكانة تختلف من شخص لآخر , سواء كان من أهل السنة والجماعة أو من كان من الطائفة الشيعية تحديدا , فأهل السنة والجماعة يحتفظون بمكانة عالية لآل بيت رسول الله , من غير الشرك , أما الشيعة فإنهم يصلون إلى درجة التأليه من خلال التعبد وشد الرحال والحلف والاستعانة والتوكل .
فتشهد العاصمة العراقية بغداد وبقية المحافظات العراقية هذه الأيام اختناقات مرورية حادة وغلق لأغلب طرق العاصمة والطرق المؤدية إلى المحافظة كربلاء بمناسبة الزيارة الأربعينية للحسين عند أبناء الطائفة الشيعية وعلى الرغم من التفجيرات الدامية التي طالت مواكب الزائرين في بغداد وبابل وحتى في كربلاء يتوجه الشيعة صوب مدينة كربلاء –130 كم إلى الجنوب من بغداد – لزيارة مرقد الحسين بن علي .
حيث اعتاد الشيعة في كل عام على إحياء مراسيم الأربعينية وكان نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد شدد على ممارسة مراسم عاشوراء تجنبا من استغلالها لإغراض سياسية تصب في صالح الجارة إيران التي تحكم سيطرتها على كثير من شيعة العراق بواسطة المرجع الشيعي الإيراني علي السيستاني، لكن تلك الشعائر عادت بعد احتلال العراق من قبل الولايات الأميركية في التاسع من نيسان سنة 2003 مما أتاح لإيران الفرصة في فرض سيطرتها على مرافق الدولة العراقية جميعها .
ويكفل الدستور العراقي الحالي ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر (الحسينية).
ولكي ينعم أبناء الطائفة الشيعة بالراحة والاطمئنان وهم يؤدون طقوس زيارتهم إلى كربلاء كان لابد من إشعارهم بالأمن وتوفير الاحتياجات الأزمة لهم ولكن على حساب غيرهم من أبناء الشعب.
وحسب محللون سياسيون : ( أن أهل السنة في العراق هم الخاسر الأكبر من حيث الدعم المالي في حكومة التحالف الشيعي فالأكراد ينعمون بإقليمهم الذي اخذ يكبر وينمو وينتعش على حساب العراقيين ، أما الشيعة فهم الأوفر حظا من غيرهم فقد وفرت لهم حكومتهم جميع ما كانوا يحلمون فيه من انتعاش اقتصادي لمحافظاتهم الجنوبية وتسخير إمكانات الدول وأجهزتها الأمنية لأداء طقوس زياراتهم في مختلف أوقات السنة حيث يعتبر الشيعة زيارة القبور أهم العبادات والقربات إلى الله - حسب اعتقادهم).
وبحسب مراقبين فإن توفير الخدمات الصحية والأمنية للشيعة وللمواكب ( الحسينية ) وتسخير امكانيات وزارة النقل والنفط والتجارة والمؤسسات الأمنية والصحية وغيرها وخاصة في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها العراق إنما هو استنزاف لثروات العراق, وإهدار للمال العام ,وإجهاد لأجهزة الأمن -التي هي في إطار التكوين- فضلا عن تهيئة العديد من الكوادر الطبية التي تواكب طقوس الزيارة مما يسبب إرباكا كبيرا في إدارة المستشفيات والمراكز الصحية على حساب المرضى .
ولقد أشارت العديد من المصادر الإعلامية إلى أن دائرة صحة كربلاء، قامت بنشر 132 مفرزة طبية توزعت على أنحاء المدينة وفي الطرق الخارجية ضمن الحدود الإدارية للمحافظة، بالإضافة إلى استحداث ثلاثة مراكز صحية جديدة، وذلك استعدادا لمراسم زيارة عاشوراء كما أصدرت تعليمات لجميع المستشفيات الحكومية بالعمل على مدارس الساعة، ابتداء من السادس من محرم وحتى انتهاء زيارة عاشوراء، في العاشر منه.
إضافة إلى ذلك تشهد الطرق العامة في العراق في هذا الوقت اختناقات مرورية شديدة نتيجة إغلاق الحكومة أغلب الطرق الرئيسة حيث باشرت المواكب الشيعية بالسير في الشوارع والطرقات، لإقامة الشعائر الدينية الخاصة بيوم عاشوراء، الذي يعد من أبرز المناسبات المقدسة لدى الشيعة .بالاضافة الى تعطيل اغلب وزرات الدولة بصورة غير رسمية بحجة ان موظفيها يؤدون مناسك الزيارة الحسينية ،
ولا أحد يستطيع أن ينكر الدور البارز الذي لعبته حكومة التحالف الشيعية بتمويل هذه المسيرات في الشوارع و صرف الكثير من الأموال وتقديم كافة المساعدات الخدمية من حيث تزويد المحافظات الجنوبية بالكهرباء وقطعها عن باقي المحافظات ، كما تقوم حكومة الإتلاف الشيعي بتوفير النفط والغاز للمواكب ( الحسينية ) - في الوقت الذي يعاني المواطن العراقي من شحة المشتقات النفطية في فصل الشتاء فضلا عن ارتفاع أسعارها - حيث أكد مدير أعلام شركة توزيع المنتجات النفطية : (إن وزارته خصصت 220 لتر من النفط الأبيض وخمسة قناني غاز لكل موكب مع ضخ خزين لجميع محطات التعبئة يكفي لسد حاجة جميع المواكب (الحسينية) المشاركة في زيارة عاشوراء) .
أما من الجهة الأمنية التي هي عماد البلد ودرعه الحصين فقد وجهت بكل عددها وعدتها لخدمة الزوار لشيعة ومن الأمور المضحكة والمبكية والتي تبين مدى طائفية الحكومة ومدى انحيازها للشيعة هي رفع الشعارات واللافتات الطائفية من قبل الأجهزة الأمنية ومن قبل السيطرات الحكومية فضلا عن ترديد القصائد الشيعية والأهازيج عبر مكبر الصوت.
هذا وقد باشرت الحكومة بنشر عشرات الآلاف من عناصر الأمن في محافظة كربلاء فضلا عن المحافظات الجنوبية و لاسيما المجاورة لمحافظة كربلاء، فقد بين قائد عمليات محافظة كربلاء، عثمان الغانمي عن تهيئة الأجهزة الأمنية الأجواء المناسبة للزوار لتأدية مراسيم الزيارة بكل حرية ، جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده، بمدينة كربلاء وحسبما أفادت به نيوزماتيك : (أن هناك 933 عنصر امني نسوي خلال الخطة إضافة إلى وجود 34000 ألف عنصر رجالي إضافة إلى قطعات عسكرية من خارج المحافظة ستساهم في تلك خطة الأمنية التي ستكون بالتنسيق مع قيادات شرطة المحافظات المجاورة لمحافظة كربلاء فضلا عن توفير الإسناد الجوي والنهري ونشر 400 قناص على الأسطح والمباني ، كما تشهد كل من بغداد وبابل والكوت والنجف والديوانية حيث تطبيق إجراءات أمنية ساندة لخطة كربلاء ،وإن الأجهزة الأمنية ستتيح لزوار المحافظة ممارسة طقوسهم بمناسبة عاشوراء بكل حرية ومن دون أي تدخل، نافيا الأنباء التي تحدثت عن منع قيادة عمليات كربلاء لمظاهر التطبير) .والتطبير هو أحد الطقوس التي يمارسها بها الزوار الشيعة، خلال زيارة عاشوراء وتتمثل بضرب الرؤوس بالسكاكين الحادة وتمارس في ليلة العاشر من شهر محرم) .
و يتساءل بعض المراقبين السياسيين عن مصلحة الحكومة العراقية من إقامة ودعم هذه الطقوس رغم استنفارها لأغلب الأجهزة الأمنية فضلا عن دخول البلاد في حالة طوارئ على طول مدة هذه الزيارة ؟.
وفي الحقيقة إن هذا التساؤل يجيب عنه الواقع العراقي والمشهد اليومي الذي يعيشه المواطن مع السياسيين والمسؤولين – سواء المتواجدين في المنطقة الخضراء أو في محافظتي النجف وكربلاء – جنوب بغداد - حيث أن اغلب المسؤولين العراقيين قد قضوا معظم حياتهم السياسية في إيران فضلا عن اعتناقهم المذهب الشيعي المتأثر بالثورة الخمينية ، فهي اليوم لها- إيران - الفضل الكبير على هؤلاء المسؤولين بإيصالهم لسدة الحكم في العراق ، فكان تامين وإقامة الشعائر الشيعية وطقوس الزيارة هو ورد بسيط لجميل الإيراني ، حيث يستغل الشيعة وبمباركة إيرانية هذه المراقد خاصة في مواسم الزيارة – كما يسمونها- لإبراز قوتهم العسكرية وعددهم حيث يتوافدون إليها من كل حدب وصوب فضلا عن حمل اللافتات ورفع الرايات السوداء، والخضراء على أسطح المنازل، وتعليق النشرات الضوئية في الأماكن العامة وفي المنازل والشوارع، إضافة إلى نشر اللافتات الطائفية التي تدعو للأخذ بثار الحسين من قاتليه – أهل السنة – حسب اعتقادهم ، كما تعمد المصادر الإعلامية الحكومية والشيعية إلى نقل أحداث وطقوس الزيارة بكل تفاصيلها للتهويل الإعلامي وتسخير كل إمكانات الدولة من اجل إنجاح هذه الطقوس في الوقت الذي يعاني فيه المواطن العراقي من الغلاء ومن سوء الخدمات الصحية ومن عدم توفير ابسط مستلزمات الحياة مثل الماء والكهرباء .
الدعم الحكومي للمواكب الشيعية
لا بد من الإشارة إلى إن تطور عمل هذه المواكب وبناء هذه المضايف والمحلات وغيرها وما يوزع بها بالمجان بأنه ليس تطوعا من شخص او هبة من تجار وحسب بل لها ميزانية مخصصة ضمن ميزانية الدولة العراقية الشيعية وقد ثبتها أبناء الطائفة الشيعية بالدستور.
وان لكل موكب مثبت في ديوان الوقف الشيعي مخصصات مالية وكذلك حصة من مشتقات النفط بالمجان على الرغم من الأزمة التي يمر بها أبناء الشعب العراقي خصوصا مع مداهمة البرد القارص والمطر على العراق.
ويتفاوت التخصيص المالي لكل موكب بحسب حجمه ومنطقته فتصل تخصيصات بعض المواكب إلى (25 مليون) للموسم بالإضافة إلى الحصة النفطية ، حتى أصبح عمل المواكب تجارة رابحة يباع المكان أو يستأجر بل وحتى يجرى عليها مزادا سريا بين أصحاب المواكب.
ومن الملاحظ على حركة مؤدي طقوس الطائفة الشيعية بأنها في تناقص وتزايد تبعا للتطورات السياسية على الساحة إذ إن العام الماضي الذي شهد تحشيدا انتخابيا محموم لم يكن عدد مؤدي الطقوس يصل إلى نصف مؤديها في السنة التي سبقتها.


